اسـواق صــور

 

بحلول القرن الثاني عشر ق.م  وما صحبه من تغيرات كبيرة على دويلات المنطقة ، تتخلى صيدون عن مركزها بين المدن الفينيقية ، وتبرز صور ، لا كأكبر قوة في فينيقيا فحسب ، بل لتنطلق منها كل حركة توسع وإستعمار في تاريخ هذه المنطقة ، وإلى هذا المركز ترجع إدعاءات صور بأنها حاضرة فينيقيا وأم مدنها ، سواء في الشرق ، أو عبر البحار .

 ولقد كان مجد صور وعلو شأنها يتمثلان في قوة  مستعمراتها .

 وليس من المستبعد أن تكون حركة الإستعمار الصورية إنبثقت في أول أمرها عن إنشاء محطات لصيد الأصداف وصناعة الأرجوان على الشواطىء الغربية ، إذ أن الصباغ الأرجواني - أهم سلع الصوريين وأقدمها – وإنشاء المعامل له ، كان مصلحة واسعة تستوعب كثيرا ً من الأيدي العاملة . وحيث تقام مصبغة للأرجوان ، كان ينجم عنها مكان أكبر و أوسع.

هذه المحطات كانت تشكل النواة الأولى لحركة إستعمار وعمران واسعة النطاق إنطلقت من الدولة الصورية وإنتشرت في أرجاء العالم مسيطرة على جزر المتوسط ومناطق واسعة من أفريقيا ومن شبه جزيرة إيبيريا ، جاعلة صور ، بثروات هذه البلاد وبكنوزها البكر ، " ملكة البحار وتجارها أمراء الشعوب " .

وكان من الطبيعي أن يوجه الصوريون أنظارهم في حركة توسعهم إلى جوارهم القريب ، فقادت التيارات البحرية سفن صور من ذاتها إلى سواحل كيليكيا ، وهناك حيث يقترب الفرات من المتوسط ، كانت نقاط ومحطات ملائمة جدا ً للقوافل البرية بإتجاه الشرق . وفي تراث صور الإسطوري ، ينطلق كيلكس إبن آجنور ملك صور وشقيق قدموس وجد الكيليكيين ، من صور ويذهب للبحث عن أوربا ، فيأتي إلى كيليكيا ، يحل فيها ويطلق إسمه عليها ، وتدل نقود هذه البلاد بوضوح على النفوذ الصوري فيها ، ورسوم " بعل طرس " ( طرسوس ) على عملات أكبر مدنها ، وشبهه الكبير لبعل شميم الصوري ، ليس فقط من قبيل الصدفة .

وأنشأ الصوريون إلى الجنوب من جزيرتهم عدة مدن ساحلية ، كانت مهمتها الأولى تأمين الملاحة إلى مصر ، وتسهيل التجارة البرية إلى داخل فلسطين ، ومن أهم منشآتهم  هناك كانت دور وجوبا ( يافا ) وحلمون : " قرب قيسارية تقع دور ، وهي مدينة صغيرة يقطنها الصوريون وقد أنشأوها لصيد أصداف الأرجوان " ويصف المؤرخ بلين جوبا بأنها مدينة يقطنها الفينيقيون، ويصف سكيلار عسقلان بأنها مدينة للصوريين .

وفي أوائل القرن العاشر ق م أنشأ الصوريون مدينة حلمون الساحلية ( تل أبو حوام ، شمال حيفا ) ، بنوها على بقايا محلة قديمة لهم ، ترجع إلى عصر البرونز ودمرها الفلسطينيون ( شعوب البحر ) عند قدومهم إلى المنطقة .

وكان للصوريين مستعمرة قرب أورشليم ، فكانوا " يدخلون أورشليم في يوم السبت بخمر وعنب وتين ... والصوريون الساكنون بها كانوا يأتون بسمك وكل بضاعة ويبيعون في السبت لبني يهوذا وفي أورشليم ".

ولقد جذبت مصر ، بسبب مدنيتها الرفيعة وإحتياجات حضارتها ومستوى حياتها العالي ، إنتباه الصوريين إليها وأخذت حركة الملاحة والقوافل البرية نحوها تزداد وتتشعب . وإذ تذكرنا أن الموانىء التي أنشأها الصوريون على الشاطىء الفلسطيني إنما وُجـِدت لتسهيل التجارة مع مصر وحمايتها برزت لنا أهمية مصر بالنسبة لتجارة صور .

وإذا كانت الأساطير الأغريقية تروي عن الصلات القديمة بين مصر وبلاد اليونان ، فقد لعب بحارة فينيقيا وخاصة بحارة صور دورا ً أساسيا ً في هذه الصلة ، فهم الذين يحضرون الكاهنات المصريات إلى دودنا وهم الذين يخطفون إيو من آرغوس إلى مصر وهم كانوا ينقلون البضائع المصرية إلى آرغوس ، وكان هوميروس يعلم عن صلات تجارية بين فينيقيا ومصر ، عندما يروي أن أوديسيوس يجتمع بتاجر فينيقي يستدرجه إلى بلاده . ورواية هيرودوت عن الجالية الصورية في ممفيس عاصمة مصر الفرعونية والحي الصوري فيها الذي كان يدعى " نزل الصوريين " حيث كان هيكل الربة الغريبة ، عشترت الصورية ( الثاني 112 )  ورواية أبولودور       ( الثاني 1/5 ) أن أبناء أجيبتوس جد المصريين ، ينحدرون من أم صورية وأنهم تزاوجوا مع بنات ممفيس ، تبرز أهمية العلاقات الصورية المصرية وتعايش الصوريين والمصريين جنبا ً إلى جنب منذ العصور الأسطورية البعيدة .

وفي المتوسط  ، البحر المشترك بين قارات ثلاث ، كانت جزيرة قبرص مؤهلة بحكم موقعها الطبيعي لتكون الصلة بين شـِقي العالم الشرقي والغربي .

وكانت السيطرة على قبرص شرطا ً أساسيا ً لصور لتتمكن من التوسع البحري ، إذ لم يكن بإستطاعة السفن الفينيقية الإبحار لا شرقا ً ولا غربا ً ما لم تكن مرافىء الجزيرة وموانؤها مسالمة لهم .

وغنى قبرص الكبير وكثرة محصولاتها وإنتاجها الوافر للحبوب التي تنقص فينيقيا ، ومناجم النحاس فيها التي لا تنضب ، جعلتها قبلة أنظار الفينيقيين . والملاحون الذين كانوا يتركون الموانىء الفينيقية بإتجاه الغرب أو آتين منه ، كان لابد لهم من أن يستعملوا قبرص كأول أو آخر محطة يحلون بها . وفي قبرص ستتبلغ سفن صور القادمة من ترشيش نبأ سقوط العاصمة ( حزقيال 27 ) وأليسار تمر على قبرص ، عند إقلاعها من صور إلى الشاطىء الأفريقي .

وإلى هذه المزايا كلها يضاف موقع الجزيرة السياسي الهام ، فتحت سيطرة شعب معاد ذي قوة بحرية ، كان بإستطاعتها تهديد أمن وسلامة الشاطىء الفينيقي المقابل لها ، ولذا كانت حركة التجارة الفينيقية من وإلى آسيا ، وملاحتهم في المتوسط ، رهنا  بالسيطرة على هذه الجزيرة ، والأثر الذي سيتركه سقوط صور على " سكان الجزائر وملوكهم " أي على سكان قبرص وسادتها ، يبين الصلة الوثيقة التي كانت تربط بينها وبين صور ، وكثير من نقود المدينة كان يحمل الشعارات الصورية : هرقل حامي المستعمرات وإلهها ، يمد يمناه بالهرواة ، بينما تمسك اليسرى بالقوس ، وكلمات : " الملك الأول ، صور " أو " ملك كيت (كيتيون) وصور " .

ووجود الصوريين في قبرص منذ منتصف الألف الثاني ق . م ثابت ، فإلى القرب من فماغوستا ، وعلى بعد ستة عشر كلم منها كانت منطقة سكن صورية في كلوسيدا  كما أن مدافن إنكومي ، التي ترجع إلى القرن الخامس عشر ق . م . كانت تخص عائلة فينيقية من صور .

وفي جهات لارنكا ( كيتيون الصورية ) وجدت كأس برونزية عليها نقوش فينيقية تذكر أنها تقدمة إلى بعل لبنان من " حاكم قرت حدشت ، خادم حيرام ملك الصيدونيين ، ووجد مايبرز في مرتفعات بمبولا قرب كيتيون بقايا مدن فينيقية ، ترجع إلى 1000 – 700 ق م . يعتقد أنها مدينة قرت حدشت الصورية المذكورة في الكتابات الأشورية .

ولا أدل على الصلة بين صور وقبرص من لجوء إيلولاي ملك الصوريين    ( والصيدونيين ) اليها ،عند هربه من صور ، وأن كلمة كيتيون ، إسم أكبر مستعمرة صورية في الجزيرة ، هي من أصل فينيقي .

وقد تابع الصوريون توسعهم في المتوسط ، فبسطوا سيطرتهم على العديد من جزره، وكانت رودس أول هذه الجزر ، وكان الإغريق يدعون هذه الجزيرة " الفينيقية " بسبب المنشآت والأسواق التي أقامها الصوريون فيها .

وبعد رودس كانت جزيرة تاسوس :

" لقد ذهبت إلى تاسوس وشاهدت فيها معبدا ً لهرقل وقد بناه الفينيقيون الذين ذهبوا للبحث عن أوربا " .

" إن سكان تاسوس فينيقيون قدموا من صور مع تاسوس إبن آجنور ، وقد أحضروا معهم صورة لهرقل ونصبوها في أولمبيا ، وسمعت في تاسوس أنهم يعبدون هناك هرقل ذاته الذي يعبد ويقدس في صور " .

كما أن باوسانياس يروي أن فينيقيين من صور هم الذين أسسوا المستعمرة الفينيقية في تاسوس ويقول هيرودوت : " لقد رأيت بعيني مناجم الذهب فيها، وكان أفضلها ما إكتشفه الفينيقيون " ( السادس ، 47 ) .

ومن قبرص تابعوا إلى مالطا . وكانت أهمية هذه الجزيرة للصوريين لكونها محطة أمينة تنطلق منها الملاحة الصورية إلى بلاد الغرب البعيدة :

 " إستعمر الفينيقيون جزيرة مليت ( مالطا ) عندما وسعوا تجارتهم بإتجاه المحيط الغربي ، وقد وجدوا في هذا الملاذ وسط البحر مراسي جيدة لسفنهم " ويرجع إستيطان الصوريين لها إلى القرن الثامن ق م على الأقل .

وتدل مراسيم العبادة في الجزيرة على تأثير الصوريين عليها ، وهرقل مالطا لم يكن سوى هرقل صور ، كما تدل إحدى الكتابات التي عثر عليها قرب سان لورنزو في مالطا : " لسيدنا ملقرت بعل صور " على نصب مقدم من بعض التجار الصوريين هناك .

وكانت جزيرة صقلية منذ أقدم الأزمنة أحد مراكز الفينقيين الهامة ، إذ تقع في منتصف البحر المتوسط ، وكل ملاحة من نصفه الشرقي إلى النصف الغربي ، وبالعكس ، كانت تمر بها . ويشهد شيشرون بالحركة التجارية القوية التي كانت تعج بها شواطىء الجزيرة : " الفم من آسيا ومن سوريا ومن صور والإسكندرية محملة بالأرجوان الصوري ... " .

ومن أماكن الصوريين في صقلية  كانت مدينة هرقليا ، التي تدعى على نقود الجزيرة : روش ملقرت ( رأس ملقرت ) ، ثم مقارا ، ونسبتها إلى بعل صور دليل كاف على أثر الصوريين الكبير فيها .

وإكتشاف تمثال ملقرت البرونزي في سياكا ، على ساحل صقلية الجنوبي ، الذي يعود إلى القرن العاشر قبل الميلاد يثبت بما لايقبل الشك وصول سفن حيرام في زمن متقدم ، إلى هذه الجزيرة .

وكانت بانورموس ( بالرمو ) وسوليس ( سولي ) من أهم مدن الصوريين في صقلية

وأمام صقلية كانت جزيرة موتيا ( جزيرة سان بنتليو حاليا ً ) وقد شابهت في حصانتها ومناعتها صور التي غنبثقت عنها ، وكانت منازلها تشابه ، بكبرها وعلوها الشاهق المنازل الصورية .

ويقال أن إسم هذه المستعمرة الصورية مأخوذ من غسم الفتاة التي دلت إله صور على لصوص سرقوا له قطيع ماشية جريون في صقلية .

ويعود زمن إستعمار هذه الجزيرة الصغيرة إلى الفترة بين القرنين الحادي عشر والتاسع ق م .

أما جزيرة سردينيا ، فقد كانت غنية بخامات الفضة والرصاص والحديد ، وأرضها مثالية لزراعة الحبوب ، حتى أن قرطاجة كانت تأتي منها بأهم إحتياجاتها ، ولذا كان إهتمام الصوريين الكبير بها .

وكان خط الملاحة من شواطىء المتوسط الشرقية إلى أسبانيا والمحيط يسير على محاذاة شواطىء سردينيا الجنوبية ، ولو سيطر على هذه الشواطىء شعب معاد للصوريين أو مزاحم لهم ، لهدد مصالح الفينقيين وكل مستعمراتهم الغربية ، ولذا لم تسكت صور ولا قرطاجة على كل محاولات الإغريق للإستيطان على هذه الجزيرة.

وكانت كراليس أهم مدن الفينقيين في سردينيا ، والوحيدة التي نعلم علم اليقين عنها أن الصوريين أنشأوها ، وقد بقيت كراليس حتى هذه الأيام أكبر مدن سردينيا .

وأمام سردينيا ، في خليج نابولي ، كانت بوتيولي ، أول وأكبر مرافىء اليونان في إيطاليا ، وكانت فيها جالية صورية مهمة . وفي إحدى الكتابات الموجهة من جالية بوتيولي غلى الوطن الأم :

 " إلى مدينة الصوريين المستقلة ، المقدسة والحرام ، حاضرة فينيقيا وباقي المدن ، الأولى في البحار ، تحية من الصوريين المقيمين في بوتيولي " .

وليست لدينا أية مراجع تاريخية عن إستعمار الصوريين لجزر البليار ، ولكن غسم بورما هون ( قديما ً ماغو ) في جزيرة منورقة هو من اصل فينيقي ، وهو من أفضل موانىء المتوسط ، ومما يـُثير الدهشة والإستغراب ألا يكون الصوريين قد حلوا في هذه الجزر عند إستعمارهم لأسبانيا .

وفي بلاد الإغريق ظهرت منذ القرن الحادي عشر ق م ، بعد أن أصبحت صور سيدة الشاطىء السوري بكامله ، منشآت وجاليات كانت تفخر وتعتز بأنها صورية ، فعلى رودس كانت ثلاث مدن فينيقية هي لندوس وجاليزوس وكاميروس ، وفي أثينا كانت حركة تجارة قوية عمادها إستيراد الصوريين للأواني الفخارية ، وكان فيها هيكل لإله البحر ، خاص بهم .

وفي كورنثيا كان ميناء ليكيون في أيديهم ، وكانت جزيرة كيترا نقطة هامة وقد شيدوا فيها هيكلا ً خاصا ً لأفروديت ، ومنها إمتد نفوذهم إلى إسبارطة .

وفي البرزخ الكورنثي كله عـُبــِد هرقل صور وإعتـُبــِر مساويا ً لبوزايدون إله البحر منذ السنة 600 ق م .

وترجع الصـِلات بين صور وأولمبيا - حيث وجدت تحف كثيرة من البرونز الفينيقي-  كذلك إلى أوائل القرن السادس ق م .

وفي دلوس إمتزجت طقوس عبادة ملقرت صور بطقوس هرقل دلوس في اواخر القرن الخامس ق م . ويروي هيرودوت أن أقدم العائلات الأثينية إنما ترجع إلى أصل صوري ، وممارسة الإغريق للكتابة منذ القرن العاشر ق م دليل صلات وثيق بين صور وبلاد الإغريق منذ أزمنة قديمة .

ومن الجزر الايونية كانت كورفو أحد ماركز الصوريين الهامة كما أثبتت الآثار الفينيقية التي وُجـِدت فيها .

وأهم المستعمرات الصورية على الإطلاق - عدا قرطاجة -  هي تلك التي أقامها أبناء صور على شبه الجزيرة الإيبيرية ، فقد أقاموا في البدء على الشواطىء بعض النقاط الصالحة للتجارة ، ولكن مالبثت مناجم الفضة في الداخل أن إستهوتهم ، فبنوا المدن وثبتوا مراكزهم فيها حتى القرن السابع ق م .

وتقص علينا الاسطورة بدء حركة الإعمار الصوري في إسبانيا : فقد أمر وحي الهي الصوريين بالبحث عن أعمدة ملقرت في نهاية العالم وببناء مستعمرة في المكان الذي يجدونها فيه .

وعندما وصل الرسل إلى المضيق ( مضيق جبل طارق ) إعتقدوا أنها نهاية العالم ، وفي هذه المحلة ، حيث نشأت فيما بعد مدينة صورية قدموا الضحايا والقرابين ، ورجعوا إلى صور بعد أن رفض الإله ضحاياهم وقرابينهم .

بعد ذلك بمدة أعدوا التجربة ، فعبروا المضيق هذه المرة ، حتى وصلوا إلى جزيرة مقابل مدينة دنوبا ، قدموا عندها الضحايا معتقدين أنهم وجدوا الأعمدة ، ولكن الآلهة لم تتقبلها هذه المرة ايضا ً ، فقفلوا راجعين إلى مدينتهم.

ووصلوا في المرة الثالثة إلى جزيرة قادش ، فبنوا المدينة على جهتها الشرقية، وهيكلا ً لملقرت على الجهة الغربية منها .

وأما عن التوسع الصوري في إسبانيا ، فتتفق جميع المصادر التاريخية وأنباء العهد العتيق على أنه شمل قسما ً كبيرا ً منها ، وسترابون يؤكد أنهم إستولوا قبل عهد هوميروس على أفضل قسم من إيبيريا ، وأن الفينيقيين القادمين من صور إلى إيبيريا قد أخضعوها كلها لسيطرتهم ، وفي أيامه - في بدء القرن الميلادي الأول -  كانت أكثر مدنها ، ويزيد عددها على المئتين ، مأهولة بالسكان الفينيقيين . وفي موضع ثان يتكلم عن ممتلكات الصوريين وراء أعمدة هرقل على شواطىء المحيط ويذكر أن الفينقيين قد سيطروا على أفضل المراكز في أوروبا ، على اليابسة وفي الجزر ، ويقارن إمتداد المستعمرات الصورية في إيبيريا بسيطرة الرومان على تلك البلاد في أيامه .

ومن سفرات الصوريين إلى إسبانيا تعرف الشرق ومعه العالم إلى " بلاد الفضة المطرقة وترشيش " الواقعة في آخر العالم المعروف آنذاك وأصبحت "عبارة سفن ترشيش" مثلا ًيضرب للدلالة على تلك السفن الجبارة قاطعة المحيطات ، والتي كان يرسلها حيرام إلى أوفير ، فترجع كل ثلاث سنوات جالبة " ذهبا ً وفضة وعاجا ً وقرودا ً وطواويس " .

ومن ترشيش كانت صور تأتي بالفضة والحديد و القصدير و الرصاص .

وعندما باشر الصوريون إخضاع أسبانيا ، أنشأوا مراكز لهم على الجبال الأمامية وعلى الجزر الصغيرة ، ومنها أخذوا يتوسعون في البلاد المجاورة حتى أخضعوا القسم الأكبر من إسبانيا ويذكر باتركلس أن مدينة قادش التي كانت بحسب موقعها على أبواب المضيق ، مؤهلة لتكون محطات تنطلق منها السيادة الصورية في أسبانيا ونقطة إرتكاز للمستعمرات الصورية في تجارتها مع بلاد المحيط " قد أسستها الأساطيل الصورية التي كانت تسيطر على البحار ، على طرف إسبانيا في آخر العالم بعد ثمانين سنة من سقوط  طروادة  ( أي حوالي 1110 ق م ) وأوتيكا أسسها الصوريون بعد ذلك بسنوات قليلة " .

ومن قادش " علم  الصوريون المتحضرون سكان البلاد ، الكتابة وبناء المدن وصناعات يدوية كثيرة " .

وتبدو أهمية مدينة قادش من كثرة الأساطير التي حيكت حولها ، فهنا كان مركز سيطرة هرقل الصوري ، وهذه المدينة كانت من أهم مراكز عبادته وأحبها إليه ، وفيها مات ملقرت ، ومنها إنطلق المستعمرون الصوريون إلى الأنحاء المجاورة .

ولم يحكم الرومان أو الفندال أو العرب في إسبانيا مدة تعادل المدة التي حكمت فيها صور هذه البلاد ، بالرغم من أن مصاعب الصوريين في الإحتفاظ بها ، كانت أكبر و أكثر من مصاعب غيرهم نظرا ً لبعد إسبانيا الشاسع عن مراكز القوة الفينيقية .

وعلى شواطىء أفريقيا نشأت مستعمرات صورية كثيرة ، أهمها بلا شك صور الجديدة أو قرطاجة التي فاقت فيما بعد الوطن الأم وإستلمت منذ القرن السادس ق.م زعامة المستعمرات الصورية ونازعت روما على السيادة على المتوسط .

ويروي سترابون عن إيراتوستن ( حوالي 280 ق م ) أن الصوريين كان لهم ثلاثمئة مدينة على شواطىء موريتانيا على المحيط ، دمرها أهل البلاد فيما بعد . وهذا العدد، وإن كان مبالغا ً فيه، يدل على نشاط الصوريين الكبير في هذه الجهات.

وأقدم المستعمرات الصورية في أفريقيا كانت ليكش ( ليكسوس ) على أبواب المضيق ، على مرتفع يدعى تشميش ، يبعد عدة كيلومترات عن مدينة العرائش المغربية ، وعلى شاطىء المحيط بالقرب من ليكسوس كان لملقرت هيكل أقدم بكثير من هياكله في  قادش  ، مما يدل على قدم هذه المستعمرة .

ومن قادش وليكسوس خطا الصوريون إلى تأسيس مدينة موغادور ( الصويرة حاليا) على الشاطىء المغربي ، في أوائل القرن السابع ق م .

وعلى الساحل الأفريقي من المتوسط شيد الصوريون مستعمرة أوتيكا التي يقول المؤرخ بلين عن هيكلها ، أن خشب الأرز فيه لايزال على حالته الأصلية منذ تأسيس المدينة حتى أيامه ( 77 م ) وأنه قد مضى عليها 1187 سنة على هذه الحالة والكتاب المنسوب إلى أرسطو يروي أن أوتيكا شيدها الصوريون قبل قرطاجة بمئتين وسبع وثمانين سنة ، أي سنة 1101 ق م . كما أن جوستين وأتيان البيزنطي يؤكدان أن أوتيكا أسسها الصوريون منذ زمن بعيد .

وكلمة أوتيكا مشتقة من لفظ فينيقي وتعني ( القديمة ) أو ( المحطة ) حسب رأي موفرس ، و( الرائعة ) أو ( المستعمرة ) في رأي أخرين . وفي خليج حمامات ، مكان مدينة سوسة الحالية أسس الصوريون هدرومت التي تبعت قرطاجة في أوج عظمتها . وقد إستعملها هنيبعل سنة 202 ق م قاعدة لعملياته الحربية .

وإلى القرب من هدرومت كانت مستعمرة لبسي التي أسسها الصوريون وإسمها لايزال حيا ً على شكل لبيدا التي تطلق على منطقة السكن قرب موقع لبسي القديم . وكان من أبناء هذه المستعمرة سبتيموس سفيروس المولود سنة 145 والذي أصبح إمبراطور روما وكان عالما ً بالفينيقية متضلعا ً بها .

وشيد الصوريون مستعمرة سبرتا إلى الغرب من طرابلس ، كما أن إيتوبعل ملك صور أسس في أوائل القرن التاسع ق م . مستعمرة أوزا ، التي لا يعلم موقعها بصورة أكيدة حتى اليوم ، بالرغم من أن بعض المؤرخين ينسبها إلى أوزيا – أومال الحالية في محافظة الجزائر .

 

رجــوع

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©