البعــث

 

وبعد ان فتحت صور ابوابها امام الملك الاشرف ، ضمت مع صيدا وعكا الى امارة صفد .

وفي ايام ابي الفدا (1321) والقلقشندي ( حوالي 1400) وخليل الظاهري (حوالي 1450) كانت صور لا تزال في حالة خراب تام ، ولم ير َ ابن بطوطة من أسوار المدينة ومن منشآت مرفأها ، الا بقايا .

ودانت صور ،مع سوريا والساحل اللبناني سنة 1517 للأتراك ،وكانت سلطة ولاة الأتراك فيها و في بلاد بشارة(جبل عامل) ، ﺇسمية لا تتعدى «استيفاء الأموال الأميرية للخزانة والاكراميات والهدايا لجيوبهم»،وكان ذلك يتم بالالتزام ، فمن رسا عليه المزاد فوّضوا اليه أحكامهم ،يتصرف فيها كما يشاء.

ولم ينجح الأمير فخرالدين المعني في أن يعيد لصور بعض حيويتها، وكانت الحكومة الاسبانية قد وعدته سنة 1608باصلاح مرفئها وتحصينه.

وعندما زارها الرحالة ساندي(1610) وجدها لا تزال «كومة من تراب»ولم يشاهد فيها ماوندرل سنة 1697 بيتا واحدا سليما،ولم يكن يسكنها يومها سوى عدة صيادين فقراء ، ما لبثوا أن هجروها لتعرضها لهجمات القراصنة وتجار الرقيق ، الذين كانوا يغيرون عليهم بين حين وآخر. والأهمية الوحيدة التي بقيت لصور في تلك الأيام ،أنها كانت مقلعا لا ينضب من الحجارة الجيدة والرخام،تنقل بالسفن الى جميع الأنحاء.

وفي سنة 1751لم يرى سلكويست فيها أكثر من عشرة أشخاص.وقد نشأ،بعدها بقليل،خلاف بين أحفاد علي الصغير على حكم جنوبي جبل عامل،انتهى بتحكيم الشيخ ظاهر العمر ، والي عكا ، الذي أعطى صور للشيخ قبلان« فرفض قبولها بحجة أنها بلد خربة لا يوجد فيها ﺇلا ملاحة» فأعطيت للأمير الشيخ عباس بن محمد بن نصار، من ابناء عمه ، وكان حاكما على ساحل قانا ، فجاء اليها، وبنى فيها دارا للحكومة، وشاد فيها مسجدا وكنيسة وسوقا ودورا كثيرة، واسكن فيها عائلات كثيرة من المسلمين والمسيحيين من سكان جبل عامل وجبل لبنان،وجعلها مقر حكومته.

وأصبحت صور ،خلال اربع سنين مركزا تجاريا،ترد اليها السفن الشراعية«لابتياع حاصلات البلاد من حبوب و تبغ وقطن و حبوب».

ولما رأى الشيخ قبلان ازدهار صور وتقدم العمران فيها، ندم على تركها لابن عمه، وأخذ يفاوضه ليتنازل له عنها، فلم يقبل الشيخ عباس وعزم قبلان على الاستيلاء عليها قسرا وهاجمها بأربعمئة فارس، مغتنما فرصة غياب حاكمها، ونهب دورها ومتاجرها وحلي نسائها، وقد بلغت قيمة المسلوبات مئة وتسعين ألف قرش من عملة تلك الأيام .

وقد تحالف الشيخ ظاهر العمر مع«المشايخ المتاولة والحكام على صور وبلاد بشارة»سنة۱۷۷۱، وكان هؤلاء في اوج عزهم و قوتهم، فساعدوه بجيش من عشرة آلاف فارس، يغيرون به على أطراف ولاية الشام، ويهاجمون القوات العثمانية.

وقد زار صور سنة1768 الرحالة ماريتي،وروى عن احتفال شعبي كان يجري قرب«العين»فيها:

«لقد سمعت من الصوريين أشياء عجيبة عن مياهها ، ففي اوائل تشرين تصبح عكرة ويقارب لونها الأحمر، على الأغلب بسبب الطين الأحمر الذي تحمله معها، ولا تعود صالحه للشرب، فيأخذ الأهالي خمس او ست جرار من ماء البحر ويصبونها فيها،فيعود اليها،بعد ساعتين او ثلاث،صفاؤها المعتاد.وهم يفعلون ذلك كل سنة،ولا يعرفون له سببا، ويقولون ﺇنهم يقلدون آبائهم وأجدادهم في ذلك؛ وهم يطلقون على هذه العملية اسم:زفاف مياه البرالى اليم.

وقد روى لي بعض البحارة الأوروبيين المتقدمين في السن،الذين ارسو مرارًا في صور، أن هذا كان يحدث بحضور أهل المدينة كافة، فيأتي هؤلاء الىالعين، بالموسيقى والغناء، ثم يرجعون الى بيوتهم بعد صب ماء البحر فيها،مبتهجين مسرورين،ليعودو بعد ثلاث ساعات ويملأوا جرارهم منها. وقد اكّد لي أولئك الملاّحون أن المياه التي كانوا يرونها قبل ساعات متعكرة، تصبح بعدها نقية و صافية. »

وبعد معركة يارون سنة 1780 بين زعماء جبل عامل وأحمد باشا الجزّار،اكتسحت جنود الجزار البلاد ودمرت المنازل وصادرت المكاتب ونقلتها الى عكا على ظهور الجمال،حيث وزعت على الأفران للحريق فأشغلتها أياما.

ولجأ الأتراك الى سياسة ﺇفقار شديدة الوطأة ،ونوّعوا الضرائب بين رسم مقطوع على الأرض ورسم على نتاج الأرض والشجر، وضريبة المسقفات على الدور والبيوت،وبدلات طرق على كل ذكر بالغ السادسة عشر، ورسم تمتّع على التجارة والباعة.

وعندما كان ناﭙليون يحاصر عكا(1799)أرسل أحد قواده الجنرال ﭭيدال،الى صور،فاستقبله أمير المدينة،الشيخ ناصر حفيد الشيخ عباس ،ورحّب به واخبره أنه عازم على أن يجعل صور أقوى وأعمر من عكا وأن يشجع حركة التجارة منها وﺇليها.

وقد بسط ناﭙليون نفوذه على شمال فلسطين وعلى بعض انحاء لبنان الجنوبي حتى صور.

وفي سنة 1831آل الحكم في سوريا والشاطئ اللبناني الى ابراهيم باشا،فتحرر سكان صور،الى حين،من الطغيان التركي،واخذت المدينة تنتعش والحركة التجارية فيها تشتد وتقوى ، ولو لم تتدخل الدول الأوربية لمساعدة الأتراك على رد ابراهيم باشا، لتابعت صور تقدمها، ولفاقت جميع الساحل السوري مدنية وعمرانا ،ﺇذ لم ترضى دول اوروبا عما احرزه الجيش المصري من انتصارات على الدولة العثمانية ،فدعت الى مؤتمر عقد في لندن وطلبت من محمد علي التخلي عن البلدان التي تحتلها جيوشه،ولما تردد في القبول أرسلت أساطيلها وضربت صور و طرابلس، وانزلت في جونية، في10 ايلول 1840قوة تركية تساندها فرقة بحرية انكليزية.

وقد بلغ عدد سكان صور في هذه الأثناء حوالي ثلاثة آلاف.وتابعت صور تقدمها البطيئ،فبلغ عدد سكانها 5000سنة 1880و 6000في مطلع  القرن العشرين ، وكانت البواخر الكبيرة ترسو أحيانا في ميناء صور لنقل حاصلات جبل عامل من الحبوب والقطن والتبغ والحرير،وحجارة الرحى البركانية التي كانت تحمل على ظهور الجمال،من حوران الى صور

وقصيدة الشيخ طالب حبيب،من أواخر القرن الماضي،التي يقول فيها:

أنيست موقفنا برملة صور      في الليل عند المركب المكسور

تصف انصراف أهل صور الى الترف واهتمامهم بالبذخ ومظاهر الرخاء:

قوم ﺇذا اجتمعوا فجل حديثهم      فخر بأكل أو بلبس حرير

من قائل (مقطوش)ديك عندنا     اني أفضله على(القرقور)

أو قائل هذا النهار مبارك         فيه شريت النصف من (شختور)

قوم يرون النثر نثر رخائهم      ويرون نظم الشعر خبز شعير!

وبعد هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى،تشكلت في صور حكومة وطنية برئاسة الحاج عبدالله يحيى ، على غرار الحكوتين اللتين شكلهما رياض الصلح وعمر الداعوق في صيدا وبيروت،ولكن هذه الحكومات الوطنية أقالها الحاكم العسكري الفرنسي الذي انفرد وحده بادارة شؤون البلاد.

وفي اول ايلول سنة 1920عندما أعلن المفوّض السامي الفرنسي نشوء «دولة لبنان الكبير».أصبحت صور والقرى المحيطة فيها،ﺇحدى أقضيته.

أما صور اليوم،فهي عاصمة جبل عامل الدينية والثقافية والاقتصادية،ويبلغ عدد سكانها المقيمين حوالي عشرين ألفا.

وسهلها الخصب الذي قامت فيه مئات من بساتين الليمون،هو أحد الأعمدة التي ترتكز عليها الحياة الاقتصادية في المدينة.

 

رجــوع

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©