زهـو الدينـار الصـوري

 

بعد معركة اليرموك سنة ٦٣٤ و انتصار خالد بن الوليد على جيوش الروم تقرر مصير سوريا وفينيقيا و معهما صور، ففتحها شرحبيل بن حسنة سنة ٦٣٥.

والظاهر أن صور، المدينة الأبية التي طالما بذلت كل غال للدفاع عن حرياتها قد استطاعت أن تسترجع استقلالها من العرب، ﺇذ يروي الواقدي كيف تمكن العرب من جديد من بسط سيطرتهم على صور سنة ٦٣٨.

وقد ادرك معاوية بدهائه السياسي اهمية صور والساحل الفينيقي ، فعززها ونقل ﺇليها «قوماً من بعلبك وحمص وانطاكيا» ، وعندما جهزاسطوله اقلع به من صور وهاجم جزر قبرص و مالطه و كريت ورجع اليها محملا بالغنائم والكنوز والعبيد.

وقد قسمت سوريا في عهد الأمويين الى أربعة أجناد: دمشق والأردن وحمص و فلسطين، فكانت صور تابعة لجند الأردن . ويذكر الاصطخري (۹٥١م)وابن حوقل(۹۷۸م)أن صور من مدن الأردن و هي «من احصن الحصون التي على شط البحر،عامرةخصبة،ويقال انه اقدم بلد بالساحل وﺇن عامة حكماء اليونان منها».

وقد استولى الفاطميون على صور عند استيلائهم على دمشق في أيام المعز لدين الفاطمي سنة۹۷۳م.

وزار صور سنة ۱۰٤٧الرحالة ناصر خسرو فوجد فيها «نعما وافرة ، وهي معروفة بالمال والقوة بين البلاد الساحلية واكثر أهاليها شيعة...وعلى باب البلد مشهد فيه أفرشة و قناديل من الذهب والفضة».

وقد رافق فتح العرب لصور تقدم مادي و حضاري ، فعادت صناعة الزجاج الى ما كانت عليه في احسن عهودها الفينيقية، كما ان صناعات جديدة ، كتربية دودة القز وصناعة الحرير استحدثت فيها.

وكان سهل ينبت القصب بمقادير وافرة « فيصنع منه السكر ويصدره التجار الى جميع الأنحاء ولا يستغنى عنه في صناعة العقاقير الطبية،أما رمل صور الذي يمتاز بنقاوته،فكان يعطي اجود انواع الزجاج الذي يباع بأغلى الأثمان».

وما انتشار الدينار الصوري وتعامل تجار الشام والعراق به ﺇلا نتيجة لغنى صور وامتداد تجارتها. وكانت صور في تلك الأيام «أمنع مدينة على الشاطئ السوري بأكمله،وهي التي يضرب بها المثل في الحصانة والمنعة».

وفي سنة٥۰۱هـ (۱۱۰٧-۱۱۰٨م)ظهر الصليبيون أمام صور، فصانعهم واليها على سبعة آلاف دينار أخذوها ورحلوا.

وعادوا سنة۱۱۱۰فصالحهم صاحبها ثانية على سبعة آلاف دينار. وقد اقتنع الفرنجة بأن سيطرتهم على مدن الشاطئ ستبقى مهددة ومعرضة للسقوط ما دامت صور-امنع حصن على طول الشاطئ السوري- عربية. وشعر الصوريون، بعد أن عزلتهم الفتوحات الفرنجية عن باقي المناطق الساحلية، بحاجتهم لأن يكونوا تحت حماية طغتكين صاحب دمشق، فاستأجروا منه لقاء عشرين ألف دينارفرقة من مئتي فارس لعبوا فيها دوراً هاماً في الدفاع عن المدينة..وفي سنة ۱۱۱۱رجع الفرنجة الى صور وبدأوا بحصارها في ٢۹تشرين الثاني. ولم يئن قدوم طغتكين لنجدتها من عزم الفرنجة على متابعة الحصار «فكان طغتكين يغير على اعمال الفرنج من جميع جهاتها...وهو يواصل أهل صور بالكتب ويأمرهم بالصبر،والفرنج يلازمون قتالهم،وقاتل أهل صور قتال من يئس من الحياة، فدام القتال الى اوان ﺇدراك الغلات» وخشي الفرنجة أن يستولي طغتكين على غلاتهم، ففكوا حصارهم عن صور ورحلوا عنها في ٢۱نيسان سنة۱۱۱٢.

كانت صور باستثناء عسقلان، المدينة الساحلية والمرفأ الوحيد على طول الشاطئ الذي تمكن العرب من اﻹحتفاظ به. ولم يكف الفرنجة ابداً عن توجيه ضرباتهم الى هذه المدينة التي كانت تعيش منذ ۱۰۹۹في حالة حصار دائم.

وفي ٨آب ۱۱٢٢أبحر من البندقية، التي بقيت حتى ذلك الوقت بعيدة عن الحروب الصليبية ومحافظة على علاقاتها التجارية الطيبةمع مدن المنطقة، أسطول كبير مؤلف من أكثر من ثلاثمئة سفينة حربية.وتمكنت هذه الارمادا من تحطيم الأسطول المصري قرب عسقلان فحازت بذلك على السيادة المطلقة على البحر المتوسط، وأقنع بارونات مملكة القدس دوج البندقية بأن يغتنم فرصة وجوده في الديار المقدسة فيستخلص آخر الموانئ العربية:صور أو عسقلان. وقد اختلف البارونات بسبب هاتين المدينتين ، فكتب اسم صور وعسقلان على ورقتين، وعهد الى طفل بسحب ﺇحداها، فكانت الورقة المسحوبة تحمل اسم صور.فتقررت محاصرتها.

وحول تل المعشوق أمام المدينة خيم الفرنجة وقطع عنها كل الامدادات من البر، بينما رابطت سفن البندقية خارج الميناء. وعندما سمع طغتكين بالحصار زحف بجيشه الى بانياس يشرف منها على الجليل ويهدد الفرنجه أمام صور،آملا أن ينسحبوا عندما يرونه أصبح على مقربة منهم، ولكن هؤلاء كانواهذه المرة مصممين على المضي في حصارها حتى النهاية، فاقترب الأتابك من صور ونصب خيامه في القاسمية.

وبعد حوالي خمسة اشهر من بدء الحصار دب اليأس الى قلوب الصوريين بسبب نفاد مؤنهم وعدم وصول الامدادات، وحالة الحرب الدائمة التي كانوا يرزحون تحتها والتي قضت على تجارتهم. وفهم طغتكين هذه الحقيقة فأخذ يفاوض الفرنجة ليجنب المدينة فتحها بالفوة والمجازر التي تليه، فتقرر تسليم صور والسماح لأهلها بالخروج منها مع ثرواتهم و أموالهم، «ودخل الجنود الى المدينة وتعرفوا على الخراب الذي سببته آلات الحصار، وكانت دهشتهم كبيرة عندما رأوا أهراء الحنطة فارغة، واثنوا كثيرًا على المحاصرين الذين صمدوا في مثل هذه الأحوال».

وبفتح صور بلغ توسع الصليبيين في سوريا ذروته،ﺇذ لم يصبحوا فقط أسياد الشاطئ السوري بأكمله، بل صارت في حوزتهم مدينة ساحلية من الدرجة الأولى، من السهل الدفاع عنها.

وبعد الكارثة التي المت بالفرنجة سنة۱۱٨٧ في حطين، وبعد أن تنهار مملكة القدس تحت ضربات صلاح الدين، تتجمع مقاومة الفرنجة كلها في صور.ومن صور، المدينة الحصينة الصعبة يباشر الفرنجة استعادة مدن سوريا الواحدة تلو الأخرى.

واعجب مسافرو القرن الثاني عشر بصور وبمفاتنها واشادوا بوصفها، وكان منهم بنيامين تودلا الذي زارها حوالي ۱۱٦۰ووجدها «مدينة جميلة جدًا، ميناؤها يحميه برجان تشيد سلسلة حديدية بينهما، فتقفله وتمنع القراصنة والمغيرين من اختطاف السفن الراسية في داخله، وما من مرفأ في العالم يضاهيه...وهي مدينة مشهورة جدا بتجارتها ويقصدها التجار من جميع انحاء العالم .»أما الرحالة تيودورش الذي زارها سنة ۱۱٧٢فوصفها بأنها «تفوق كل المدن بقوة ابراجها واسوارها » وزارها فوكاس سنة ۱۱٨٥فوجدها «تمتاز عن كل مدن فينيقيا بجمالها ».

ولعل أجمل وصف لصور في هذا الزمن تركه ابن جبير بعد زيارته لها سنة۱۱٨٥:«صور...مدينة يضرب بها المثل في الحصانة،لا تلقي لطالبها بيد طاعة ولا استكانة،أعدها الفرنج مفزعاً لحادثة زمانهم وجعلوها مثابة لأمانهم...

وأما حصانتها ومناعتها فأعجب ما يحدث به وذلك أنها راجعة الى  بابين أحدهما في البر والآخر في البحر وهو يحيط بها الا من جهة واحدة، فالذي في البر يفضى اليه بعد ولوج ثلاثة ابواب أو أربعة كلها في ستائر (حيطان) مشيدة محيطة بالباب، وأما الذي في البحر فهو مدخل بين برجين مشيدين الى ميناء ليس في البلاد البحرية أعجب وصفا منها، يحيط بها سور المدينة من ثلالثة جوانب ويحدق بها من الجانب الآخر جدار مصقول بالجص...وتعترض بين البرجين سلسلة عظيمة تمنع الداخل والخارج، فلا مجال للمراكب الا عند ازالتها، وعلى ذلك الباب حراس وأمناء».

في هذه الفترة ظهر صلاح الدين.

وقد رأى صلاح الدين في جمع شمل العرب في دولة قوية موحدة الشرط الأساسي لاسترجاع البلاد فثبت حكمه في مصر واستقل بها ثم تقدم الى سوريا وتمكن خلال عشر سنوات من أن يوحدها ويقضي على سلطة الولاة والأمراء فيها. وانتصر صلالح الدين سنة ۱۱٨٧على جموع الفرنجة في موقعة حطين، فكانت نقطة تحول في تاريخ الحملات الصليبية ؛ وبسرعة لا مثيل لها تمكن صلاح الدين من استرجاع مدن سوريا الواحدة بعد الأخرى، فاستولى على القدس في ٢تشرين الأول من السنة ذاتها وعلى عكا ونابلس وقيسارية ويافا وتبنين واجتاز الصرفند وأخذها دون قتال وسار عنها الى صيدا فلما سمع صاحبها بمسيره نحوها تركها من غير مدافع فتسلمها صلاح الدين، وسقطت بيروت بعد حصار دام ثمانية ايام. وكاد صلاح الدين يصبح سيد مملكة القدس اللاتنية كلها« والعقبة الوحيدة التي تحول دون ذلك هو فتح صور، ولكنها قليلة الأهمية ما دام أمير المؤمنين يدعى له من على ثلاثين منبرا في بلاد الفرنجه».

ولكن المسألة قليلة الأهمية كانت الصخرة التي بدأ مجد صلاح الدين وسلسلة انتصاراته تذبل امامها. كانت صور ملجأ لأكثر الفرنجة الذين هربوا بعد هزيمة حطين، أو تركوا المدن العربية التي استرجعها الأيوبيون. وهذه الجموع، ذات المعنويات المهدمة، دون زعيم صالح يقودها، ودون موارد لتأمين أقواتها في حالة حصار، كانت تفاوض صلاح الدين لتسليم المدينة اليه عندما وصلت سفينة المركيز كونراد دي مونفرا.

كان آتيا من أوروبا «للزيارة والتجارة»، فأرسى بعكا ولم يكن قد علم بعد بسقوطها في ايدي القوات العربية ، فلما تحقق منه أسرع بسفينته الى صور ووجد أهلها على ذلك العزم، «فردهم عنه وقوى نفوسهم وضمن لهم حفظ المدينة»، وبذل ما كان معه في هذا السبيل.

أما صلاح الدين، الذي كان يتهيأ لدخول المدينة، فقد بالابواب تغلق في وجهه، فإنسحب لمتابعة فتح اليهودية ، على ان يرجع بعدها لحصار منظم لمدينة صور .

وقد انتفع المركيز بهذه الفرصة ليعيد تحصين ما وهن من تحصينات المدينة، فقوى اسوارها وزاد في حصانتها وجدد خنادقها ، وبفضل إنشاءاته الدفاعية اصبحت المدينة مركز المقاومة الفرنجية في سوريا كلها ، ولم يغب هذا عن بال صلاح الدين  فأسرع على رأس قواته مع ولديه الأفضل والظاهر واخيه العادل وابن اخيه تقي الدين ليحاصرها ،" ولكنه لما رأى هو واصحابه شدة امر صور ملوها ، وطلبوا الانتقال عنها " . " ولو بدأ بها صلاح الدين قبل تبنين وغيرها لاخذها بغير مشقة ، ولكنه استعظمها لحصانتها  ، وأراد ان يفرغ باله مما يجاورها ليسهل له أخذها ، فكان ذلك سبب حفظها " .

وكان ذلك في كانون الاول من العام 1188.

وكلف كونراد رئيس اساقفة صور بأن يحمل نبأ سقوط القدس الى حكام اوروبا وامرائها ، وأن يطلب منهم المساعدات . فكان الامبراطور الالماني فريدريك بربروسا أول من استجاب لهذه الدعوة ، وتمكن بعبقريته العسكرية أن يصل الى حدود سوريا بجيش لا يقل عن اربعين الف مقاتل بعث الرعب في قلوب كل الحكام المسلمين .

وفي نهر سلف قرب إنطاكيا اصيب بربروسا بذبحة قلبية "وغرق في مكان منه لا يبلغ الماء فيه وسط الرجل " فنقلت عظامه الى صور حيث دفن في كاتدرائيتها .

وعندما قضت ملكة القدس ، آل العرش الى شقيقتها ايزابيل التي طلقت من زوجها أونفروا دي تورون وزفـّت في تشرين الاول 1190 الى كونراد الذي كان يحظى بتأييد بارونات مملكة القدس كلها ، ولكن هذا التأييد لم يكن كافيا ً ليمنحه صداقة ريشار قلب الاسد الذي اخذ يفاض صلاح الدين ، مقترحا ً إنشاء مملكة أيوبية فرنجية

في فلسطين،وتزويج شقيقته حنة الى الملك العادل شقيق صلاح الدين.

وخشي كونراد أن يتفق صلاح الدين وريشار عليه، فأرسل صاحب صيدا يفاوض السلطان من جهته، طالبا أن يتخلى له هذا الأخير عن صيدا وبيروت ونصف القدس، مقابل مجاهرته الفرنجه بالعداء واستخلاص عكا منهم « فرأى السلطان في الصلح مع المركيز مصلحة، لاشتغال قلبه من جهة الشرق».

وبينما كان الاثنان يفاوضان صلاح الدين، علم ريشار أن أخاه جان « بلا ارض». اغتنم فرصة غيابه ليستأثر بالحكم، فقرر الرجوع الى انكلترا بأقرب فرصة ، وفي نيسان۱۱۹٢دعا بارونات المملكة الى الاجتماع لاختيار ملك لهم، فانتخبوا كونراد، وعمت الفرحة جميع الأنحاء.

وفي ٢۹نيسان سقط كونراد قتيلا على يد اثنين من الأسماعليين. وقد عقد هنري الشمباني ، الذي توج في كتدرائية صور خلفا لكونراد على عرش القدس، «صلح الرملة» مع صلاح الدين (ايلول۱۱۹٢) الذي ضمن للفرنجة السيطرة على الساحل، من يافا الى صور.

وفي شعبان ٥۹٧(ايار- حزيران ۱٢۰۱)تعرضت صور لهزة أرضية عنيفة، وكذلك سنة ٦۰۰(۱٢۰٣-۱٢۰٤م) و هدمت اسوارها.

وفي صلح فريدريك الثاني مع الملك الكامل (۱۲۲۹) بقيت صور مع القدس و عكا   و بعض مدن سوريا الداخلية في ايدي الفرنجة. وفي السنوات التي تلت ضعفت قوة الفرنجة كثيرا بسبب الخلافات بين المدن الساحلية، والنزاع بين الأساطيل الجنوبية والبندقية.

وقد قام بيبرس بهجومين على صور سنة ۱۲٦٦ و ۱۲٦۹، ووقع مع سيد المدينة،

سنة ٦٦۹هـ(۱٢٧۰- ۱۲٧۱) اتفاقية ،تؤول للخليفة بموجبها خمس قرى في منطقة صور، وتبقى للأمير عشر، بينما يوضع الباقي تحت ادارة مشتركة.

وفي آب سنة ۱۲٨٥ عقدت مارغريت صور مع قلاوون صلحا مدته عشرة سنوات، لقاء دفع نصف ايراداتها وتعهدها بألا ترمم أسوار المدينة أبدًا.

وعندما سقطت عكا في ايار سنة ۱۲۹۱توجه بايلو Bailly مملكة قبرص الى صور وكذلك فعل سكان طرابلس. ولكن لما تحرك الملك الأشرف باتجاه صور، غادرها البايلو مع فرسانه مساء۱٨أيار سنة ۱۲۹۱،فدخلها المماليك في اليوم التالي، وخربوها خوفا ً من أن يتحصن بها العدو ثانية.

 

رجــوع

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©