فـي ظـل فـارس

 

ليس لدينا معلومات كثيرة عن الطريقة التي استقبلت بها صور وفينيقيا انتقال السلطة من الكلدانيّين ﺇلى الفرس، وﺇن يكن الأرجح أن تكون قد استقبلت هذا التغيير بارتياح.

والوثيقة الوحيدة المتعلقة بصور في ذلك العهد نجدها في الكتاب المقدس:"وأعطوا فضة للنحاتين والنجارين ومأكلاً ومشربا ًوزيتا ً للصيدونيين والصوريّين ليأتوا بخشب أرز من لبنان ﺇلى يافا حسب ﺇذن كورش ملك الفرس لهم"، ولكنها لا تعطينا أية صورة عن طبيعة العلاقات بين صور وفارس.

وتتضح لنا العلاقات بينهما أكثر في عهد قمبيز، عندما نرى المدن الفينيقيّة وبينها صور تقدم المساعدات الحربيّة للفرس وتضع أساطيلها البحريّة تحت تصرّفهم في الحملة ضد مصر سنة ٥٢٥، ويروي هيرودوت أن ذلك كان بمحض ﺇرادتهم.

ويرغب قمبيز بمدِّ فتوحاته حتى قرطاجة، ويطلب من الفينقيّين مساعدته على ذلك وامداده بالاساطيل كما فعلوا من قبل، فيرفض الصوريّون هذا الطلب متذرّعين بالقََسَم العظيم الذي يربطهم بالقرطاجيّين ، وبالشرّ الكبير الذي يحلّ فيما لو حاربوا أبنائهم في قرطاجة. وجرأة الصوريّين في جوابهم هذا وعدول قمبيز عن غزو قرطاجة ﺇكراماً لهم كافية لتعطينا صورة عن العلاقات بين فينيقيا وفارس.

وفي عهد داريوس الاول قسمت الامبراطوريّة الفارسيّة سنة ٥١٥/٥١٤ ق م.الى عشرين ولاية، وأصبحت صور جزءا ً من الولاية الخامسة التي ضمّت فينيقيا وفلسطين وسوريا وقبرص.

وكلـّف داريوس الرحالة سكيلاكس بدراسة جغرافية آسيا وبوضع وصف مفصّل لها، فجاب البلاد من منابع اﻹندوس حتى الخليج العربي، ووصل ﺇلينا منه وصف لشواطئ المتوسّط ومدنه في ذلك العصر .

وهو يصف سربتا(الصرفند) بأول مدن الصوريّين، وتليها "صور وهي جزيرة لها ميناء داخل أسوارها، وهي قلعة الصوريّين الحصينة، وتبعد عن البحر ثلالثة ملاعب"  ثم ﭙاليتيروس (صور القديمة) "وهي مدينة يخترقها نهر " ويلي صور البرية عكا وعسقلان  " وهما من مدن الصوريّين المهمّة".

كان داريوس يتوق الى ﺇخضاع بلاد الاغريق، كتتويج لسيطرة فارس على العالم، فيتذرّع بمساعدة أثينا لمدن أيونيّة ثارت عليه، ويهيّئ حملة ضدها، ويشترك الفينيقيّون،بما فيهم الصوريون بذلك، ويضعون أساطيلهم البحريّة تحت تصرفه، فيفتح تراكيا ويقضي على العصيان في آسيا الصغرى(٥٠٠-٤۹٤)، ولكن الاسطول الفينيقيّ يتحطّم عند جبل آتوس.

ويعيد الفينيقيّيون تجهيز اسطولهم وتهيئته للمعركة البحريّة المقبلة، وكان يبدو أن الشرق المتّحد بقيادة ملوك فارس لم يكن يفوق الشعب الاغريقي الصغير والمتفكّك، قوةً وبأسا فحسب،بل كان يفوقه حضارة ومدنيّة وثقافة، وكان من الواضح أن ﺇخضاعه وضمّه ﺇلى الامبراطوريّة الفارسيّة حدث قريب،لا في نظر الفرس وحلفائهم، بل في رأي كثير من الاغريق.

ولكن معركة ماراتون تضع حدًا لكل هذه التوقعات، ﺇذ يتمكن الاغريق في١٢أيلول سنة٤۹٠وعلى رأسهم الأثينيّون من تبديد قوى عدوّهم، مهيّئين السُبُل لتطوّر حضارة تركت للفكر البشري أثمن تراث، وللذوق أروع ما نحت من تماثيل، و للآلهة أجمل ما شُيّد من هياكل.

ويقضي داريوس دون أن يثأر للهزيمة التي حلـّت بفارس في ماراتون، ويخلفه ابنه احشويرش(٤۸٥-٤٦٥)Xerxes الذي يسارع الفينيقيّون ﺇلى مساعدته وامداده بالقوة البحريّة اللازمة للقضاء على القوّة الاغريقية.

ويتولّى الفينيقيّين حفر قناة للسفن في البرزخ الذي يصل جبل آتوس باليابسة،ويظهرون المهارة التي تعوّدوها في كل ما يقومون به، ثم يبنون جسرَيْن من السفن على البوغاز(الهليسبونت) بصف السفن ملاصقة لبعضها وبربطها بالحبال القوية،وعلى هذين الجسرين عَبَرَت الحشود الفارسيّة في خريف ٤۸٠من آسيا ﺇلى أوروبا سبعة أيام متتالية. وتزحف هذه الجيوش على تراكيا ومقدونيا دون أن تلقى مقاومة تذكر. ولا يكون حظ احشويرش احسن من حظ فينيقيّي سنة٤۹٠ التّواقين للقضاء على اﻹغريق والتخلص من مزاحمتهم التجاريّة التي سدّت في وجههم أسواق الارخبيل اليونانيّ والتي أخذت تهدّد وجودهم في المتوسط الغربيّ؛ ويتمكّن الاغريق من القضاء على الاسطول الفينيقيّ في موقعة سلاميس.

ويظهر أن الفينيقيّين قد ابلو بلاءا ً حسنا ً في معاركهم ﺇلى جانب الفرس وفازوا مرّات عديدة بثقة داريوس واحشويرش وبثنائِهما على جهودهم. وتجدر اﻹشارة ﺇلى أن صيدون كانت تتبوّأ المركز الأول لدى الفرس، وتليها صور.

وحدث سنة ٤١١ما يعكّر صفو العلاقات بين صور و فارس، اذ اغتنم زعيم قبرصي يدعى اوياغورس فرصة انشغال الفرس بحروبهم في اليونان، فاستولى على مدينة سلاميس القبرصية بعد أن قتل حاكمها الصوريّ عبدمون، الموالي لفارس، وبمساعدة اثينا ومصر استطاع أن يبسط حكمه على الجزيرة كلّها، ثم زحف منها على فينيقيا ودخل صور التي أمدته بعشرين سفينة من ذات الثلاث طبقات.

وبعد أن عقد الفرس مع اسبارطة صلح أنتالكيدس سنة٣٨٦أصبح بامكانهم التفرغ لاوياغورس، فأجبروه على التخلّي عن المناطق التي سيطر عليها وعلى الاكتفاء بحكم سلاميس وحدها وﺇرجاع صور ﺇلى الامبراطوريّة الفارسيّة.

وفي عهد أرتحششتا الثاني Artaxerxes(٤٠٤-٣٥٩) ثارت مصر على الحكم الفارسي، مشجّعة باقي الولايات على أن تحذو حذوها؛ ولكن الآمال التي عقدتها مدن فينيقيا على مصر لم تتحقّق،ﺇذ تمنع حالة مصر الداخلية ملكها تاخوس من تقديم المساعدة المرجوّة، فيستطيع أرتحششتا ﺇرجاعها ﺇلى الطاعة.

وفي زمن أرتحششتا اوخوس (٣٥٩-٣٣٨)ثارت مدن فينيقيا ثانية ويروي ديودور قصة هذه الثورة على الشكل التالي:"في فينيقيا مدينة ذات شأن،تدعى طرابلس(المدينة المثلثة) وهي تحمل هذا الاسم بحق،ﺇذ تتألف من ثلاث مدن يفصل كلآً منها عن الاخرى مسافة ملعب وتُدعى ﺇحداها الارواديّة والثانية الصيدونيّة والثالثة الصّورية.وهذه المدينة لها أهمية زائدة لدى الفينيقيّين،ﺇذ فيها يعقدون مجامعهم ويتشاورون في أومورهم المهمّة".

"وحدث أن تصرف مرة بعض موظفي الفرس بغطرسة تجاه الصيدونيّين في محلتهم في طرابلس، فاعتبروها ﺇهانة وقرروا الخروج عن طاعة الفرس...وأقنعوا باقي الفينيقيّين... وبعثوابرسل ﺇلى ملك المصريّين واقنعوه بالاشتراك بالثورة ﺇلى جانبهم، وسلّحوا خلال مدة قضيرة عددًا كبيرًا من السفن ذات الثلاث طبقات واستأجروا كثيرًا من المرتزقة، وبدأو أعمالهم العدائية بأن قطعوا أشجار الغابة التي كان ملوك الفرس يستجمون فيها...وأحرقوا جميع مخزون العَلَف الذي كانت قوات فارس تجمعه لحالات الطوارئ، وأخيرًا انتقموا من الموظفين الذين تعالوا عليهم."

"ويكلّف والي كيليكيا ووالي سوريا بقمع العصيان،فيفشلان، ويتمكن ملك صيدون، مع أربعة آلاف من المرتزقة أرسلتها مصر، من التغلّب على الواليَيْن".

ويضطر أرتحششتا ﺇلى الزحف على صيدون مهد الثورة،بجيش هائل، قيل انه تجاوز ثلاثمئة ألف جندي، ويعتقد ملكها تنس أن باستطاعته النجاة بنفسه والابقاء على حياته ﺇذا ما خان شعبه، فيخرج وقائد المرتزقة لملاقاة العدوّ الذي يفتك بهما؛ وعندما يتحقّق الصيدونيّون أن لا نجاة ولا فائدة من متابعة المقاومة التي أظهروها حتى تلك الساعة، يتراجعون ﺇلى بيوتهم ويضرمون النار فيها ويقضون مع نسائهم وأطفالهم.

وعندما ترى المدن الفينيقية ما حل بصيدون، تسارع وعلى رأسها صور ﺇلى التسليم وﺇعلان خضوعها، فتنجو من مصير المدينة الشقيقة.

ويظهر أن الادارة في صور قد ضعفت ضعفًا شديدًا نتيجة للحرب التي سببها العصيان، فثار العبيد على أسيادهم وقتلوهم مع باقي أحرار المدينة. وقد ظلت الغوغاء مسيطرة على صور طوال اثنتي عشرة سنة.ويروي جوستين قصة هذه الثورة كما يلي:

"عندما كثر العبيد في صور ثاروا على أسيادهم وقتلوهم مع باقي أحرار المدينة واستولوا على ممتلكاتهم وعلى شؤون الدولة كافة.

وقد تملكت الشفقة أحد هؤلاء العبيد، فأبقى على سيده، الذي يدعى ستراتو وخبأه.

وعندما اجتمع العبيد للتداول في أمور المدينة وفي طريقة تسيير الحكم فيها، اتفقوا على أن أول من يشاهد شروق الشمس في يوم معين،يكون هو الذي تختاره الآلهة ليصبح ملكًا عليهم.

وقد رجع العبد المخلص بهذا النبأ ﺇلى سيده ستراتو،الذي تداول معه في ما يجب فعله. وفي صبحية اليوم المتفق عليه اجتمع العبيد في ساحة المدينة، مُوَلِّين وجوههم ناحية الشرق ،وكل منهم يأمل في أن يكون أول من يشاهد طلوع الشمس ،بينما تطّلع عبد ستراتو ﺇلى الغرب وشاهد انعكاس الأشعة على رؤوس أشجار المدينة العالية وكان أول من شاهد الشروق.

وقد استغرب العبيد أن يكون بينهم أحد على هذه الفطنة والذكاء، فاستجوبوه، وعندما اعترف لهم بالحقيقة، فاعتبروا ذلك تدّخلاً ﺇلهيًا لينصبوا الصوري الناجي من القتل،ملكًا عليهم".

وكان المجتمع الصوري، يومذاك ،يتكوّن من الطبقات التالية:طبقة الكهان،تشغل المراكز العليا وتتمتع بمكانة رفيعة ويختار افرادها من العئلة المالكة او من أقربائها (ايتوبعل كاهن عشترت،وزوج أليسار كاهن ملقرت) ،وطبقة الارستقراطيين -ارستقراطية المولد أو المال- وتتسلط على شؤون الدولة ثم عامة الشعب من أصحاب الحرف والباعة، وﺇلى جانبهم الجاليات الأجنبية،التي كانت تؤم صور للتجارة والكسب،وأخيرًا طبقة الرقاء والعبيد ، وتتألف من الأسرى وممن يشترون منأسواق الرقيق، ويقومون بالأعمال اليدوية في المصانع والسفن والحقول.

أما الحكم في زمن الفرس، فكان يتولاّه موظف ومجلس ﺇداري تعينهما السلطة الفارسية ليحكما الى جانب الملك الذي كان يعبر عن رغبات شعبه. وكانت فينيقيا،بالرغم من نظام الحكم هذا، تتمتع باستقلال داخلي تام، دون أي تدخل من جانب الفرس، تحتفظ بأنظمتها الملكية وحق اختيار ملوكها وتعيينهم.

وفي اوائل القرن الخامس ،صكت صور أول نقود لها، وكانت أول نقود تضربها دولة فينيقية، وقد تبعتها في ذلك صيدون وأرواد وجبيل،ﺇما في أواخر القرن الخامس،أو أوائل القرن الرابع.ولعل صك النقود كان دليلاً على تزايد ضعف الدولة الفارسية، وعودة العلاقات التجارية بين الفينيقيّين والاغريق ﺇلى الازدهار.

وكانت نقود صور الاولى تحمل على أحد وجهيها دلفينا ً فوق الأمواج وصدفة الموركس أو ملقرت ممتطيا ً "حصان البحر(Hippocamp)معبّرة بذلك عن الأهمية البحرية للمدينة وعن دور صناعة الأرجوان فيها، بينما يمثل الوجه الثاني بومة(رمز الحكمة والمعرفة) متكئة على صولجان ملكي.

وخلال الثمانية عشر عامًا التي تلت حركة الاستقلال عن فارس بدأ الوهن يدبّ في أطراف الامبراطورية الفارسية، بينما أخذت قوة الاغريق تشتد.

  

رجــوع

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©