الحــاضـرة صــور

 

تقع صور في وسط السهل الممتد من رأس الابيض في الجنوب ، حتى مصب نهر القاسمية ( الليطاني ) في الشمال ، والذي يبلغ طوله اكثر من عشرين كيلومترا ً .

وقد اسست صور على جزيرة في البحر كانت تبعد حوالي 600 م عن الشاطئ ، عند تلاقي خط الطول 35.12 مع خط العرض 33.16 .

وتشكل صور الحالية الرأس الشمالي الغربي لشبه الجزيرة بعد ان وصلها الاسكندر بالبر بسده الذي كان عرضه ستين مترا ً ، وبتأثير الرمال التي قذفها البحر خلال ثلاثة وعشرين قرنا ً بلغ عرضه مئات الامتار واتخذ شكل خليج متناسق جميل على جانبي المدينة الشمالي والجنوبي .

 

حدودوهـا : أما حدود صور فقد بقيت زمنا ً طويلا ً ثابتة لم يطرأ عليها اي تغيير كبير ، فكانت عكا حوالي 340 ق م تعرف بأنها " من مدن الصوريين المهمة " ، وكانت المنطقة الصورية تمتد في العصر الروماني حتى سفوح جبل الكرمل الذي كان ايضا ً تابعا ً لها ، كما أن احد انباء المؤرخ الصوري مناندر تذكر عكا ضمن المدن الخاضعة سياسيا ً واقتصاديا ً لصور . وأنباء الاسرائليين عن حدودهم الشمالية تتلائم مع انباء صورية تثبت ان حدود صور كانت تمتد حتى منطقة  الفلسطينيين .

والى الشرق لم يتعد َ امتداد المنطقة اكثر من بضعة كيلومترات الى الداخل ، والى الجنوب الشرقي وصلت حدودها الى قـَدَس ، وفي الشمال الشرقي كانت أماكن متعددة على جبال لبنان تابعة لصور  يجلب منها الصوريون الاخشاب والصخور لمنشآتهم .

 

مساحتها : لم تكن جزيرة صور اكبر بكثير من القسم الغربي من شبه الجزيرة الحالية الذي تبلغ مساحته حوالي ثمانية وخمسين هكتارا ً .

أما سكانها ، فهناك اسباب كثيرة تدعو الى الاعتقاد بأن عددهم في ازمنة السلم لم يكن يتجاوز عشرين او خمسة وعشرين الفا ً . وكانت المنازل فيها تتألف من عدة طبقات . وتبنى على ارتفاعات لم تعهد من قبل حتى تستوعب هذا العدد من السكان الذي غالبا ً ما كان يتضاعف ، عندما يلجأ اليها ابناء البر الصوري المقابل والمناطق المجاورة في حالات الخطر او الحرب .

 

صور البرية : وقد اعتقد كثير من المؤرخين أن المدينة البرية هي الاقدم والاهم ، وانها هي التي حملت اسم صور . ورواية بلين ان محيط الجزيرة كان يبلغ حوالي 4 كلم  وانها مع المدينة البرية ، كان محيطها يقرب من ثلاثين كلم ، هي التي ادت الى الاعتقاد بان صور كانت تمتد في السابق امتدادا ً عظيما ً ، فتتجاوز القاسمية حتى عدلون ، ولكن الاخبار الموثوق بها تجعلنا نشك في صحة هذا الادعاء .

والوثائق الاشورية والكلدانية تؤكد قيام منطقة سكن مقابلة للجزيرة ، ومنذ عصور قديمة جدا ً ، وأسطورة سنكن ياطون عن تأسيس صور يمكن تفسيرها بأن البر الصوري قد سكن فعلا ً قبل الجزيرة ، ولكن منطقة السكن هذه لم تحمل يوما ً اسم صور ، بل كان هذا الاسم وقفا ً على المدينة الجزيرة التي كان لها دوما ً دور الزعامة السياسية والاقتصادية على الشاطئ المقابل ، ومنذ القرن الثاني عشر قبل الميلاد على مدن فينيية كافة . والانباء التاريخية كلها تؤكد ان المدينة الجزيرة كانت المركز الديني والتجاري والسياسي ، بينما لم يكن " لصور القديمة " كما دعيت المدينة البرية ايام الفرس ، سوى اهمية ضئيلة هي : الصلة بين صور والبر ونقطة انطلاق للتجارة الصورية باتجاه الشرق .

ومن المحتمل ان تكون صور القديمة قد امتدت حتى تل المعشوق ، وإذا كانت انباء سترابون صحيحة عن امتداد صور البرية الى بعد 6 كلم عن صور ، فإن حدودها تكون في الرشيدية ، حيث عثر مطلع هذا القرن على نواويس ومدافن من الالف الثاني قبل الميلاد . ويؤكد نبأ يرويه أشور بانيبال ( 668-656) عن امير صوري ، أنه لم يبرح الجزيرة ابدا ً ، صواب هذا الرأي ، إذ لا يعقل الا يتعرف هذا الامير – ولي العهد – الى صور البرية ولا يزورها مرارا ً لو كانت لها تلك الاهمية . كما ان النبي حزقيال ، عندما يصف عظمة صور واتساع تجارتها ، لا يذكر اي شيئ عن صور البرية او القديمة .

 

أقسـام المدينة : كانت صور حتى ايام حيرام الاول – في القرن العاشر ق م – تتألف من جزيرتين : الجزيرة الشمالية الرئيسية التي كانت تشكل المدينة ، والجزيرة الصغرى الى الجنوب الغربي .

وقد سد حيرام القناة المائية التي كانت تفصل بين الجزيرتين ووسع مساحة المدينة وجلب كميات كبيرة من الصخور الى  شرق الجزيرة الرئيسية حيث ربح مساحات اضافية توسعت المدينة عليها ، وفي عهده اصبحت صور تتألف من ثلاثة اقسام :

أ :  الحي الامامي الذي نتج عن توسع الجزيرة الى الشرق و ب : المدينة الجديدة التي نشأت على الجزيرة الصغيرة بعد وصلها بالجزيرة الكبرى ، ولم يكن على هذه الجزيرة من قبل سوى هيكل بعل السماء( بعل شميم او زفس الاولمبي ) الذي دعيت صور بسببه بالجزيرة المقدسة . وهذه الجزيرة كانت تعتبر سكن الالهة ومحل اقامتها ، ومكانا ً حراما ً لا يدخله سوى الكهنة والحجاج وهي التي كانت السبب بشهرة صور كجزيرة مقدسة وكمنزل للالهة ، و ج : المدينة القديمة على النصف الغربي من شبه الجزيرة الحالية وتشمل اكثر مساحتها ، وهي اول ما انشئ من المدينة .

وفي هذا القسم كان القصر الملكي ، والى الشمال منه الاجنوريوم – حرم آجنور- ومعبدا عشترت وملقرت اللذان كانا موجودين قبل توسيع المدينة .

وعدا عن ذلك كانت صور تتباهى بحيازتها لكثير من بيوت العبادة ، ومنها معبد هرقل تاسوس الذي انشأته جالية هذه الجزيرة المقيمة في صور ، عندما كانت تاسوس من اهم المستعمرات الصورية .

ويروي اخيلس تاسوس الذي زار صور في اواخر القرن الميلادي الثالث ، عن ساحة مقدسة في وسطها شجرة زيتون تشتعل من حولها النيران دون ان تؤثر في شيئ على نموها . ورواية نونوس عن شجرة الزيتون التي تنبعث النار من بين غصونها تجعلنا نتساءل عما اذا كانت صور قد حوت فعلا ً اعجوبة كهذه .

 

التحصينات :  ولم يكن لصور في الازمنة القديمة تحصينات ذات شأن ، إذ لم تكن المدينة تخشى اية قوية برية لا يساندها اسطول قوي ، وكانت اسوار بسيطة كافية لرد هجمات القراصنة من كاريين او اغريق او اية شعوب بحرية اخرى .

ولكن لما وجه المصريون والاشوريون انظارهم الى الشاطئ الفينيقي ، انشأت فيها تلك التحصينات القوية التي جعلت الجزيرة كلها قلعة لاتقهر . وهذه التحصينات كانت كافية لرد كل محاولات الاشوريين والكلدانيين لحصار المدينة الجزيرة او للسيطرة عليها ، فقد كانت محاطة على دائرها باستثناء المينائين بأسوار عالية ضخمة مبنية اما في البحر او على صخور فيه لكي لا يبقى للمحاصرين اي مكان او ركيزة يثبتون عليها سلالم الهجوم وآلات الحصار . ولم تعرف طبيعة هذه التحصينات وقوتها الا بعد سقوط الجزيرة على ايدي الاسكندر .

وكانت الاسوار مبنية من الحجارة الضخمة وعلى ارتفاع شاهق ، حتى انها بلغت من جهة الشرق مئة وخمسين قدما ً بينما كانت التحصينات في الجنوب اضعف ، ولذا صب المقدونيين جهودهم – عند محاصرتهم لصور – على احداث ثغرة في الاسوار الجنوبية، ينفذون منها الى المدينة المحاصرة .

 

الموانئ :  عدا عن ميناءي صور الرئيسيين ، كانت الزوارق وسفن الصيد ترسو الى جانب الجزيرة الصغيرة التي تبعد حوالي ثلاثمئة متر عن الشاطئ، والتي كانت تدعى مقبرة رودبا وامام هذه الجزيرة كان المرفأ الصيدوني وقد دعي هكذا لوقوعه الى الجهة المقابلة لصيدون ، ودعي الثاني المصري .

وكان مدخل الميناء الصيدوني ضيقا ً ولم تكن من حاجة لاقفاله بالسلاسل لمنع سفن العدو من اقتحامه ، اذ كانت بضع سفن صورية كافية لحمايته . وقد ظل هذا الميناء خلال القرون الوسطى مرفأ المدينة ، وكان على مدخله برجان لحمايته ، شدت بينهما سلاسل حديدية ضخمة .

وكان مؤرخو الحملات الصليبية يعجبون كثيرا ً بجمال هذا المرفأ وبأمنه ، ويؤكد بنيامين تودلا انه لم يشاهد مثيلا ً له على الاطلاق .

وقد ظل ، لأكثر من مئتي سنة خلت ، يعتبر بالرغم من خرابه وتراكم الرمال فيه ، آمن مرفأ على الشاطئ اللبناني السوري بأكمله ، فتلجأ اليه سفن شعوب كثيرة تحتمي فيه من عواصف الشتاء .

وفي الجنوب كان المرفأ المصري الذي اودت به عوامل جيولوجية وهزات ارضية تعاقبت على صور ، ولا تزال بقاياه في منطقة الصليب في جنوب شبه الجزيرة ، مغمورة بالمياه . وقد ساد الاعتقاد طويلا بأن المرفأ المصري قد طمرته الرمال التي تجمعت على جانبي السد وأنه لا يزال تحتها ومغطى بها ، أو ان هزات ارضية هائلة جعلت القسم الجنوبي للجزيرة يختفي تحت سطح الماء . ولكن الابحاث التي اجراها الاب بوادبار سنة 1934 ادت الى الكشف عن رصيف تحت سطح البحر ، طوله سبعمئة وخمسون مترا ً وعرضه ثمانية امتار ، مع مدخل حصين قوي في وسطه ، مما يبرهن على ان المرفأ المصري لم يكن هبة للصوريين ، بل كان عملا ً جبارا ً تضافرت جهود اهل المدينة على انجازه .

تمديديات المياه :  وقد وصلت المدينة الجزيرة بقنوات تحت الارض توصل اليها احتياجاتها من المياه من ينابيع رأس العين ، والشكل الحالي لبرك رأس العين والرشيدية، وماتبقى من قنوات المياه انما ترجع كلها على الاغلب الى العصر الروماني، بينما كانت صور في القرن الثاني عشر ق م تتمون بالمياه بواسطة القوارب ، ولم يكن فيها في القرن الثامن ينابيع مياه عذبة ، حتى ان سكانها اضطروا – في حصار دام خمس سنوات – الى شرب مياه الخزانات وآبار الجمع لأن العدو ترك على البر حامية لتمنع سكان الجزيرة من الوصول الى مياه رأس العين .

وعلى بعد مئتي متر من البوابة في صور برج قديم مربع الشكل في داخله بئر يبلغ عمقها حوالي خمس عشر قدما ً . بينما لا يتجاوز ارتفاع الماء فيها قدمين ، ومنها كانت نساء صور الى عهد قريب ، يملان جرارهن  بماء الشرب .

ويروي التراث الصوري ان حجرا ً رخاميا ً كبيرا ً كان الى جانب الينبوع ، جلس عليه يسوع ذات مرة ينتظر رجوع بطرس ويوحنا اللذين ارسلهما الى المدينة يجلبان منها الخبز ، وأن المخلص أكل معهما وشرب من ماء النبع .

وروى احد رحالة القرن السابع عشر " ان سكان صور لا يشربون سوى ماء هذه العين، وكذلك ترغب جميع السفن التي تمر على صور في ان تتزود منها بالمياه مفضلة اياها على كل مياه الشاطئ السوري . والدلو فيها لا تغمره المياه الى اعلاه ومع ذلك فهي لا تنضب ، بل تسيل دوما ً محافظة على ارتفاعها المعتاد ".

هذه العين لم تكن موجودة في القرن الثامن قبل الميلاد ، ولكن بعد ان فك سنحريب حصاره عن صور بدئ بانشاء قنوات توصل المياه عبر البحر الى الجزيرة ، وبدونها لم تستطع الجزيرة ان تتحمل حصارا ً دام ثلاثة عشر عاما ً أيام نبوخذ نصر .

 

رجــوع

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©