في سنة
980 ق م تولى حيرام بن ابي بعل عرش صور وعمره عشرون عاما
ً ، ووصلت صور في ايامه الى مركز حضاري وتجاري لا يجارى
، وأصبحت بحق " درة البحر الأبيض وسيدة الاوقيانوسات "
.
وكان
حيرام نشيطا ً ومهتما ً بالمحافظة على ما حققه اسلافه من
نجاحات خارج الحدود الصورية ، فشن حربا ً ضد الكتيين (
القبارصة ) لعصيانهم وتمنعهم عن دفع الجزية ، وارجعهم
الى الطاعة .
وفي عهده
شهدت صور حركة عمران واصلاح لم يعرفها تاريخ المنطقة من
قبل ، إذ وجه عنايته بادئ ذي بدء الى حاضرته وعاصمة ملكه
. وكانت صور حتى القرن العاشر تتألف من جزيرتين الشمالية
( الرئيسية ) التي كانت تقوم عليها المدينة ، والصغرى
الى الجنوب الغربي ، التي لم يكن عليها آنذاك سوى هيكل
بعل السماء .
وقد سد
حيرام القناة المائية التي كانت تفصل بين الجزيرتين ،
ووسع مساحة المدينة وجلب كميات كبيرة من الصخور والحجارة
من الجبال الى شرق الجزيرة الرئيسية ، فربح بذلك مساحات
اضافية توسعت المدينة عليها .
وأولى
حيرام دور العبادة عناية خاصة ، فرمم القديمة منها ،
وجلب خشب الارز من جبال لبنان لسقفها وأعاد بناء هيكلي
ملقارت وعشترت ، وأقام عمودا ً من الذهب في هيكل بعل
السماء .
ولم يقتصر
الاعجاب بهذه المنجزات على الصوريين وحدهم ، بل تعداهم
الى جيرانهم الذين بهرتهم عظمة صور وتألقها في عهد ملكها
الشاب ، فأخذ ملوك وأمراء الدويلات المجاورة يتوددون
اليه وينشدون صداقته ، وكان داود ملك الاسرائيليين ابرز
هؤلاء ، فلم يبخل عليه حيرام بذلك ، وأرسل له " خشب ارز
وبنائين ونجارين ".
وبعد موت
داود ارسل حيرام وفدا ً الى سليمان لتهنئته " لأنه سمع
أنهم مسحوه ملكا ً مكان ابيه ، لأن حيرام كان محبا ً
لداود كل الايام " .
ورغب
سليمان في تجديد العلاقات التي كانت تربط بين ملك صور
وابيه وأن " يبني بيتاً لاسم الرب إلهه " بمساعدة حيرام
، وطلب منه " ارزا ً من لبنان " و " رجلا ً حكيما ً في
صناعة الذهب والفضة ... ماهرا ً في النقش "
وأرسل له
حيرام " رجلا ً حكيما ً صاحب فهم ، حيرام ابيه ، ابن
أمرأة من بنات دان ، وأبوه رجل ٌ صوري ، ماهرا ً في
صناعة الذهب والفضة والحديد والنحاس والحجارة والخشب
والارجوان والاسمانجولي والكتان والقرمز ونقش كل نوع من
النقوش " " فاتى الى الملك سليمان وعمل كل عمله وصـّور
عمودين من النحاس ، طول العمود الواحد ثمانية عشر ذراعا
ً ... وعمل تاجين ليضعهما على رأس العمودين ، من نحاس
مسبوك " ، ولا شك ان هذين العمودين قد صنعا على مثال
العمودين اللذين كانا يزينان هياكل ملقرت في صور وقادش
وفي باقي الممتلكات الصورية .
وأرسل
حيرام الى سليمان " سفنا ً وعبيدا ً يعرفون البحر ،
فأتوا مع عبيد سليمان الى اوفير " " وكان للملك سفن
ترشيش مع سفن حيرام ... فكانت سفن ترشيش تأتي مرة كل
ثلاث سنوات ... حاملة ذهبا ً وفضة وعاجا ً وقرودا ً
وطواويس " وكانت ارباح سليمان وافرة ، إذ بلغت حصته من
سفرة واحدة الى أوفير اربعمئة وخمسين قنطارا ً من الذهب.
هذه
الارباح التي تدفقت على سليمان لتحالفه مع حيرام
ومشاركته في بعثاته التجارية كافية لتعطينا صورة عن
مقادير الذهب التي كانت تصب يومها في خزائن صور ملكة
البحار الحقيقية .
والمؤرخون
اليهود الذين يروون عن صداقة حيرام للملكين اليهوديين
لا يخفون ان غنى سليمان وازدهار عاصمته كانا نتيجة
صداقته وتحالفه مع جيرانه الصوريين . ولقد بلغ اعجاب
اليهود بملك صور درجة جعلتهم ينسجون حوله كثيرا ً من
الخرافات والاساطير، وما وصف حزقيال له وتشبيهه بملاك
في الفردوس ، يتمشى على جبل الله المقدس بين الحجارة
الكريمة الا تأكيد لما بقي في ذاكرتهم من تقدير لهذا
الملك الصوري العظيم .
وتخللت
علاقات الملكين روابط صداقة وثقافة يخبرنا عنها المؤرخ
اليهودي يوسيفوس: يرسل سليمان الغازا ً الى حيرام ، الذي
يصعب عليه حلها ، فيستعين بالغلام الصوري عبدمون الذي
يكشف مخبآتها دون صعوبة .
وعندما
يأتي دور سليمان لحل الالغاز التي يرسلها حيرام ، يعترف
بعجزه ، دافعا ً مبلغاً
كبيرا ً
من المال لصور ، كما اتفق عند تبادل هذه المسابقات .
وسليمان
الذي كانت فطنته وذكاؤه مثلا ً يضرب ، والذي حل جميع
الغاز ملكة سبأ التي " أتت الى اورشليم بموكب عظيم جدا ً
لتمتحنه ... فأخبرها سليمان بكل كلامها ولم يـَخفَ عن
سليمان أمر " وجد في حيرام ندا ً يفوقه حكمة وذكاء .
وبعد
حيرام يرتقي العرش ابنه بعل بازورس الذي يحكم من 935 ق
م حتى 919 ، ويخلفه ابنه عبد عشترت ( 918- 910 ) الذي
يذهب ضحية مؤامرة يدبرها ابناء مربيته ، فيتولى اكبرهم ،
متوس عشترت الحكم من 909 الى 898 ، ويليه اخوه عشتريموس
من 897 الى 889 الذي يغتاله اخوه فلس ، ويبقى هذا الاخير
تسعة اشهر على العرش ، يرجع بعدها الحكم الى اصحابه على
يد ايتوبعل كاهن عشترت .