ليس
بإمكان مدينة صور أن تشذ عن آلية الهجرة التي وسمت تحرك
سكان المدن الساحلية اللبنانية للإقامة والعيش في مختلف
بقاع الأرض : فما دامت المفاصل الأساسية لتطور التاريخ
الإجتماعي الإقتصادي التي تسود المقاطعات اللبنانية هي
واحدة في المدن الساحلية ، فإن الظاهر الإجتماعية في هذه
المدن ، والهجرة إحدى هذه الظواهر ، تتشابه في خطوطها
العامة ، فالكيف والنوع هما قواسم مشتركة في هجرة سكان
المدن الساحلية إنما الإختلاف يبرز في الدرجة والكم بين
مدينة وأخرى ، وبالتالي ، فإن آلية هجرة سكان مدينة صور
هي جزء لا يتعارض مع آلية الهجرة اللبنانية العامة ،
خاصة على صعيد منهجية الدفع والجذب التي أطلقتها خلال
العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر .
لكن هذا
الأمر لا يمنع تشكل معالم بارزة في هجرة سكان كل مدينة
لبنانية ، ومعالم هجرة سكان مدينة صور إلى افريقيا بدت ،
كما ورد في البحث ، تكثيفاً وإيجازاً ، كما يلي
أولاً :
إن ضمور مدينة صور كمركز اقتصادي وإداري للمنطقة المحيطة
بها خلال عدة قرون سابقة على انطلاقة الهجرة اللبنانية
الحديثة جعل منها تجمعاً سكانياً مهملاً ، مما زاد في
تدني مستوى المعيشة فيها نسبة لما هو سائد في المدن
الساحلية ، فساهم هذا الأمر في اشتداد الطلب على الهجرة
من قبل سكانها ، فتزامنت ، نسبياً ، هجرتهم مع هجرة سكان
الأرياف اللبنانية ، وتقدمت صور المدن الساحلية الأخرى
في اقتحام الهجرة الحديثة باتجاه افريقيا والأكريكيتين .
ثانياً :
رغم وجود اشارات تدل على أن هجرة سكان مدينة صور باتجاه
افريقيا بدأت خلال العقد الأخير من القرن التاسع عشر ،
فإن هجرتهم تشكلت بشكل ملموس خلال الفترة التي سبقت
الحرب العالمية الأولى ، فقد أمكن تحديد أسماء أحد عشرة
من الرواد الأوائل دخلوا افريقيا حتى عام 1910 .
ثالثاً :
منذ انطلاقة هجرة الصوريين لم يتوقف حجمها عن النمو
المستمر ، متبعاً خطاً متصاعداً ، دون أن ينخفض خلال
فترة ثلاثينات هذا القرن رغم أن الهجرة اللبنانية العامة
مالت إلى انخفاض بنسبة 70% تقريباً خلال هذه الفترة.
رابعاً :
سجلت حصة الصوريين نسبة 12.1% من حجم الهجرة اللبنانية
إلى افريقيا الغربية عام 1950 . وتعتبر هذه النسبة
مرتفعة جداً إذا علمنا أن افريقيا كانت مفتوحة دون قيود
لدخول المهاجرين من مختلف المدن والأرياف اللبنانية .
خامساً :
انتشر الصوريون في كل أقاليم افريقيا الغربية دون
استثناء خلال النصف الأول من القرن العشرين ، إلا أن
وجودهم كان أكثر تكثفاً في أربعة أقاليم هي ، بالتوالي ،
السنغال ، غينيا الفرنسية ، سيراليون ، وشاطىء العاج .
غير أن اتجاهات هجرتهم تبدلت بدءاً من سنوات ستينات هذا
القرن نحو أقاليم أخرى في وسط وجنوب افريقيا ، وذلك
تبعاً لإختلافات منهجية الجذب في مختلف دول افريقيا .
سادساً :
تقدمت السنغال خلال النصف الأول من القرن العشرين بقية
أقاليم افريقيا في استقبال مهاجري مدينة صور ، وذلك
لسببين: الأول أن السنغال ، قبيل وبعد الحرب العالمية
الأولى ، كانت أكثر أقاليم افريقيا الغربية انفتاحاً على
نهضة اقتصادية عمرانية ، فاستدعى ذلك فتح باب الهجرة
واسعاً أمام الوافدين وأمام اللبنانيين بشكل خاص نظراً
لخضوع لبنان والسنغال ، آنذاك، لسلطة استعمارية واحدة
(الامبريالية الفرنسية) حتى شكلوا قرابة 64% من مجموع
المهاجرين إلى السنغال .
السبب
الثاني هو أن قرابة نصف الرواد الأوائل لهجرة سكان مدينة
صور توجهوا إلى السنغال في مطلع القرن العشرين ، فشكلوا
عامل جذب لعائلاتهم وأنسبائهم ومعارفهم ، فازداد عدد
الصوريين فيها حتى بلغوا قرابة 13.2% من حجم الهجرة
اللبنانية إلى السنغال .