صـور والكلـدانييـن

 

تصمت مصادر الأنباء في الفترة ما بين ٦٤٠ و ٥۹٠ قبل الميلاد صمتا تاما عن صور، ومن المحتمل ان تكون المدينة الجزيرة قد استغلت هذا الظرف الذي بدأت دولة أشور فيه بالانحطاط،لاستعادة قواها،كما انها تمكّنت من أن تحافظ على استقلالها امام نخو فرعون مصر الذي استغل هو الآخر انهيار أشور ليجعل نفسه  سيد فلسطين وسوريا خمس سنين متواصلة(٦٠۹-٦٠٥).

وبعد ان تغلب نبو بلاسر ملك بابل على الاشوريين، جهز ابنه نبوخذ نصر بجيش قوي وأرسله لاستعادة المناطق التي سيطر عليها نخو، فتمكن بعد أن هزم المصريين في كركميش، من ﺇجلائهم عن سوريا كلها، وظلت صور محايدة طيلة هذه الأحداث.

لم يكتف نبوخذ نصر بردﱢ قوّات مصرعن فينيقيا وسوريا،اذ كان يطمح الى السيطرة على المدن الفينيقية ومعها على المتوسط ، وأمام هذه الخطه لم يكن بامكان صور سوى التأهب جامعة كل ما تستطيع اعداده من القوى. وترسل صور، بالاشتراك مع صيدون وعمون وأدوم ومؤاب رسلا ﺇلى بلاط صدقيا ملك يهوذا لاقناعه باتخاذ موقف موحّد تجاه الخطر الكلداني الجديد.

ويولي نبوخذ نصر انظاره ﺇلى مصر، ولكن غزوها كان غير ممكن قبل السيطرة على فينيقيا و فلسطين، فيستولي على فينيقيا كلها ما عدا صور، ويقود حملة ضد اورشليم التي تسقط سنة ٥۸٦ في يده، وبدا يغدو الموقف حرجًا جدًا بالنسبة لصور التي تصبح هدف نبوخذ نصر ومحور جهوده.

وحملة نبوخذ نصر ضد مصر كانت لحماية مكاسبه من غزواته السابقة، التي كانت معرضة للخطر والافلات من قبضته ما دامت مصر قوية؛ وكانت صور مفتاح البحر المتوسط ، وبالسيطرة عليها وتسييرها حسب رغباته كان يأمل بالسيطرة على البحر الذي كان يعتبر دوله الحدّ الطبيعيّ لمنطقة نفوذه في الغرب.

وقد امضى نبوخذ نصّر ثلاثة عشر عامًا (٥۸٦-٥۷۳) لتحقيق هذه الرغبة والتسلّط على الجزيرة التي كان ﺇخضاعها سيثبّت سيادته على فينيقيا وسوريا وفلسطين.

وتنحصر المراجع التي تبحث في حصار نبوخذ نصّر لصور في بعض مقاطع من كتب يوسيفوس في التاريخ اليهودي ، ونبوءات العهد العتيق في أسفار اشيعا وأرميا وحزقيال.

ووصف حزقيال للحصار يذكر بمحاولة أشور بانيبال للاستيلاء على المدينة، ﺇذ يستولي نبوخذ نصّر على المنطقة الساحليّة كلها ويقطع صور من كل اتصال بالبر ، ليقوم من بعدها بالهجوم ، ويتنبأ حزقيال للمدينة بزحف الجياد والفرسان ﺇلى داخلها وتدميرها:"أجلب على صور نبوخذ راصر ملك بابل من الشمال بخيل و بمركبات وبفرسان وجماعة وشعب كثير ، فيقتل بناتك بالسيف ويبني عليك معاقل...ويجعل مجانيق على اسوارك ويهدم ابراجك بادوات حربه، ولكثرة خيله يغطيك غبارها. من صوت الفرسان والعجلات والمركبات تتزلزل اسوارك عند دخوله ابوابك كما تدخل مدينة مثغورة. بحوافر خيله يدوس كل شوارعك. يقتل شعبك بالسيف فتسقط ﺇلى الأرض أنصاب عزّك وينهبون ثروتك ويفنون تجارتك ويهدّون اسوارك ويهدمون بيوتك البهيجة،ويضعون حجارتك وخشبك وترابك في وسط المياه. وابطل قول أغانيك وصوت أعوادك لن يسمع بعد".

ومن المعتقد أن نبوخذ نصّر حاول ردم سدّ يصل الجزيرة بالبر،ويروي أريانوس مؤرخ فتوحات الاسكندر أن الملك المقدوني وجد تسهيلات جمّة عند بناء سده وأن البحر كان موحلاً على مسافة لا يستهان بها.

ولم يكن لنبوخذ نصّر اسطول بحري لتحقيق اغراضه، والمصادر التاريخيّة لا تروي شيئًا عن حصار بحري، والجهود التي بذلها نبوخذ نصّر وجنوده امام الجزيرة طيلة ثلاث عشر عامًا تحتم علينا الافتراض أنه لم يترك وسيلة يجرّبها لكسر شوكة المحاصَرين وعنادهم.

وفي صور كان يحكم ملك لا يقل صلابة عن نبوخذ نصّر، جعل كل همه ايقاف التوسع الكلداني ، وبمرونته وحنكته وسياسته القويّة تحطّمت ﺇرادة الغزاة.

كل هذا يطابق الصورة التي يبرزه فيها النبيّ حزقيال(السفر ٢۸):

"ملاك في جبل الله المقدس، يتعالى على الله، فيقذف به من الأعالي ويطرده من السماء".

كيف انتهى الحصار الذي فرضه نبوخذ نصّر طيلة ثلاثة عشر عامًا على صور؟ﺇن نبوءات حزقيال تستبق ﺇقتحام المدينة الجزيرة على أيدي المهاجمين الكلدانيّين.ومن السجلات الصوريّة نعلم أن نبوخذ نصّر"حاصر صور ثلاث عشرة سنة في الوقت الذي كان فيه ﺇيتوبعل ملك صور".

وقبل أن يزحف نبوخذ نصّر على مصر يتنبأ له حزقيال بأنه سيجد في مصر أجره على تعبه الكبير أمام صور:

"لم تكن له ولا لجيشه أجرة من صور لاجل خدمته التي خدم بها عليها. لذلك هكذا قال السيد الربّ ها أنذا أبذل أرض مصر لنبوخذ نصّر ملك بابل، فيأخذ ثروتها ويغنم غنيمتها وينهب نهبها فتكون اجرة لجيشه".

ونحن لا نستطيع أن نعطي هذه النبوءة معنى سوى أن نبوخذ نصّر لم يحصل على فائدة في حصاره لصور الذي جعل كل رأس في جيشه يقرع(لطول لباسهم للخوذة) وكل كتف تنسحج(من حمل الاسلحة).

والأحداث التي توالت بعد الحصار تدعم هذا الرأي، فنبوخذ نصّر ينتظر خمس سنوات بعد فك الحصار عن صور ليهاجم مصر التي كان يعد العدة لغزوها منذ زمن طويل، وهذا الهجوم يؤجّل لأن كل حملة ضد مصر مصيرها الفشل ما دام الشاطئ الفينيقي غير موالٍِ وقوة صور البحريّة لا تشترك في هذه الحملة، ولذا تأجّلت الحرب ضد مصر، وسكت حزقيال طيلة الثلاث عشرة سنة عن تهديدها، ولكنه عندما يرى نهاية الحصار اقتربت، يعود الى ذكر الحملة المرتقبة على مصر التي سيستولي فيها جيش نبوخذ نصّر على كنوزها لاتعابه التي لم يكفأ عليها أمام صور.

وعلى الأغلب توصل نبوخذ نصّر ﺇلى اتفاق مع صور، يقضي بالتخلي عن ايتوبعل وبيته، مع الاحتفاظ بالنظام الملكي والاستقلال الداخليّ، فيفكّ الحصار عن صور دون أن تدخل جيوشه المدينة.

والانباء التي يوردها هورودوت و ديودور الصقلي توحي بهذا الحلّ السلميّ للنزاع ،ﺇذ يروي الأول أن حبفرع، فرعون مصر "حارب صيدون واشترك مع الصوريّين في معركة بحريّة" و"غزا قبرص و فينيقيا بقوى كبيرة...وبعد أن اشتبك مع القراصنة والفنيقيّين في البحر،رجع الى بلاده".

وهكذا كانت صور زمن الحرب المصريّة القوّة البحريّة الأولى في المنطقة، بقيت محتفظة بممتلكاتها في قبرص وبالزعامة على باقي المدن الفينيقية؛ وبينما لا يذكر هيرودوت سوى المعركة البحرية ضد صور،يتكلم ديودور عن الفينيقيّين ﺇجمالاً،ممّا يبيّن روابط الزعامة التي تربط بين صور من جهة،والمدن الفينيقيّة وقبرص من جهة ثانية، كما كانت زمن الحروب الأشورية، وكما تظهر في نبوءات حزقيال.

والموقف الذي تتخذه مصر تجاه فينيقيا بعد الحصار يعكس هذه الحقيقة: طالما كانت فينيقيا وفلسطين مهدّدتين من الفاتح الأسيويّ، كانت صلات مصر بهما جيدة، ﻔﺇذا تغيّر هذا الموقف، بل انقلب ﺇلى عكسه، وﺇذا رأينا المصريّين يقومون بحرب ﺇبادة ضد حلفاء الأمس، فذلك دليل على أن الحالة السياسيّة في المنطقة قد انقلبت كلّها رأسًا على عقب، بعد فكِّ الحصار عن صور، وأن الكلدانيّين أصبحوا حلفاء الصوريين لا أسيادهم، وباتوا بمشاركة هؤلاء يهدّدون المصريّين ومصالحهم.

ولا يمكن فهم الموقف ﺇذا اعتبرنا أن نبوخذ نصّر تغلب على صور وقضى على قواها، ﺇذ لماذا هاجمتها مصر وحاولت القضاء عليها بعد أن كانتا تقفان سويّة في وجه بابل، وكذا في الحالة الثانية، ﺇذا فرضنا أن صور استطاعت الصمود ﺇلى النهاية في وجه الفاتح الكلدانيّ دون أن يؤثر عليها.

وما حدث مع اشور بانيبال عندعند حملته ضد صور واصطحابه للأمير يهيملكو دليل صدق نوايا الصوريين ،يعاد ثانية، فيصطحب نبوخذ نصّر وليّ عهد العرش الصوريّ ﺇلى بابل، وما تم الاتفاق عليه يومها يتفق عليه اليوم: صور لا تستسلم ولكنها تعترف بسلطان بابل، ونبوخذ نصّر لا يستطيع تحقيق مطامعه والاستيلاء على كنوز صور وثرواتها ولكنه يستطيع متابعة زحفه على مصر.

والحل المعقول هو الحل الوسط وهو فقط يجعلنا نفهم تطوّر الحالة السياسية عندئذ الذي ادّى ﺇلى هجوم فرعون مصر على فينيقيا، وعلى رأسها صور.

ونتيجة الحصار الحقيقية،بالرغم من عدم فتح الجزيرة عنوة،تبقى خسارة فادحة لحقت بالدولة الصّورية:كانت صور زمن الحصار في قمة ازدهارها،متفوقة سياسيًا واقتصاديًا على دول المتوسط كافة، وبفضل هذا المركز أكبر عقبة في وجه التوسّع الاشوري ثم الكلدانيّ في المنطقة، يصوّرها النبي حزقيال تصويرًا بارعًا ويصفها بأنها ملكة التجارة في عصرها،تجّارها أُمراء الشعوب،ترسل القوافل ﺇلى جميع الأنحاء، فتضيف الى ثرواته ثروات جديدة.

وكقوّة استعمارية كانت صور يومها أبرز دول ذلك العهد، مستعمراتها مشكوكة الواحدة تلو الاخرى،يصلُ بينها أسطولٌ بحري لا يصعب عليه الوصول ﺇلى أية بقعة في العالم.

هذا المركز تأثر ولا شك بالحصار الطويل،ﺇذ كانت جهود الصوريّين كلها موجهة لرد الخطر المحدق، فسكنت الحركة التجاريّة، وضعفت الصلات التي تربط الدولة الصورية بمستعمراتها.

وكل هذا دام ثلاث عشرة سنة.

بعد فك الحصار تنازل ايتو بعل عن العرش وخلفه بعل ملكًا على صور كما يتضح من وثيقة لنبوخذ نصّر ترجع ﺇلى حوالي ٥۷٠ق م، تذكر ملوك ست دول على الشاطئ الفينيقي – الفلسطيني، وعلى رأسهم ملك صور معترفة له بالزعامة على هذه المدن.

ويحكم بعل عشر سنوات(٥۷٢-٥٦٢) تنشب في نهايتها ثورة تودي بالملكية،فيتولى الاحكام قضاة (سافت) سبع سنين:أكنيبعل (عتيق بعل) الذي حكم شهرين ثم انتخب بعده شلبس بن عبداي للباقي من السنة،وعند انتهائها يختار متّان وجر عشترت  بن عبدليم (عبد الالهة) فيحكما سوية ست سنوات (٥٦١-٥٥٦)،وفي السنة الخامسة من حكمهما يطرأ بعض التعديل على نظام الحكم،فينتخب بلاتور ملكًا يمارس السلطة ﺇلى جانب القاضيين.وفي نهاية حكم الثلاثة يستدعي الصوريّون مربعل- وهو من سلالة ايتو بعل الثاني التي أخذت سنة ٥۷٢ ﺇلى بابل – فحكم أربع سنوات ثم يخلفه أخوه حيرام الذي يملك عشرين سنة.

وفي أيامه بدأت فتوحات كورش الفارسي.

  

رجــوع

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©