مـع خلفــاء الاسكنـدر

 

بعد موت الاسكندر قسمت مملكته الى اربع دول ، فتولى بطليموس على مصر وفلسطين وشبه جزيرة العرب ، بينما كانت سوريا وفينيقيا ومن جملتها صور من نصيب لاومدون الذي تولى حكمها حتى سنة 322 عندما رغب بطليموس بتوسيع مملكته بضم فينيقيا وسوريا اليها .

وقد بدأ هذا بالاستيلاء على المدن الفينيقية ووضع حاميات فيها استطاع بواسطتها المحافظة عليها حتى سنة 315 عند رجوع انتيغون ، أحد قادة الاسكندر ، من بابل فاسترجعها كلهت ماعدا صور .

كان قد مضى ثمانية عشر عاما ً على خراب صور على ايدي قوات الاسكندر ، ولكنها استطاعت خلال هذه الفترة - القصيرة في تاريخ المدن – أن تستعيد قوتها وتسترجع زعامتها على مدن فينيقيا .

وبالرغم من ان المدينة قد اصبحت الان متصلة بالبر بسد عريض ، فإن فتحها كان صعبا ً على عدو لا يسيطر على البحر ، ولذا لجأ انتيغون الى محاصرتها من البر ، ثم جمع ثمانية آلاف عامل لقطع الارز والسرو من الجبال ، وامر بإحضار الف زوج من الثيران لجرها الى البحر وسحبها الى جبيل وصيدون وطرابلس ، لتصنع منها السفن الحربية . واستطاعت صور أن تصمد أمام قوات انتيغون المهاجمة طوال خمسةعشر شهرا ً .

وانتقلت صور حوالي سنة 290 ق م الى سلطة البطالسة . وفي سنة 275 اصبحت صور جمهورية واتخذت دستورا ً هللينيا ً ظل معمولا ً به حتى منتصف القرن الاول بعد الميلاد .

وفي النزاع بين البطالسة والسلوقيين تأثرت صور وباقي المدن الفينيقية كثيرا وكانت كالحنطة بين حجري الرحى .

وفي سنة 198 ق.م تصبح صور تحت السيطرة السلوقية ومركز صك النقود للملكة كلها.

وعقب هزيمة قرطاجة في الحرب الفونية الثانية (218-201) لجأ هنيبعل الى صور ، فاستقبلته بكل مظاهر الحفاوة والاجلال ، وساعدته في اقناع السلوقيين بالاشتراك في الحرب ضد روما ، وساهمت في المعارك البحرية في سنتي 192 و190 ومنيت بخسائر كبيرة في اسطولها .

ورجوعا ً الى عادات صورية قديمة وتقربا ً الى الدولة السلوقية الهللينية ، كانت تقام في صور ، مرة كل خمس سنوات ، مهرجانات واحتفالات رياضية كبيرة لملقرت تصحبها قرابين وتقدمات .

وخلال احتفالات سنة 175 ق.م التي اشترك فيها وفد من اورشليم أرسله الكاهن الاعظم ياسون مع ثلاثمئة قطعة فضة انفقت على تجهيز سفينة الاله، حضر انطيوخس ابيفانس الرابع الى صور :

" ولما جرت في صور المصارعة التي تجرى كل سنة خامسة ولملك حاضر، أنفذ ياسون الخبيث ( الكاهن الاعظم ) رسلا ً من أورشليم إنطاكيي الرعوية ومعهم ثلاثمئة قطعة فضة لذبيحة هركليس ، لكن هؤلاء طلبوا أن لا تنفق على الذبيحة لأن ذلك غير لائق ، بل تنفق في شيئ آخر " .

وما حضور الملك هذا الاحتفال ، ورجوعه بعدها بثلاث سنوات الى صور ، والاقامة فيها مدة طويلة ، إلا دليل المحبة والتقدير اللذين كان أنطوخيوس أبيفانس يكنهما لمدينة ملقرت .

ومن مظاهر عطف انطيوخس ابيفانس على صور ، سماحه لها باصدار نقود تحمل صورته على احد وجهيها . ولذا لم يكن مستغربا ً أن تشترك صور سنة 163 مع بقية المدن الفينيقية في ملاحقة اليهود الذين اعتبروا اعداء الدولة .

وحصلت صور خلال 141-140 ق.م على الحرمة وحق اللجوء ، إذ رأت – وهي المخلصة للدولة السلوقية ولعاهلها دمتريوس الثاني – انها كانت معرضة للاخطار من جراء الاضطرابات التي كانت تسببها المنازعات على السلطة آنذاك ، ولذا كان من الاجدى أن تضيف الى الحماية بالسيف نوعا ً آخر من الحماية : الخوف الديني الذي كان يمنع الهيئات والافراد من الاعتداء على ممتلكات إله او مخصصاته .

وكان على الملك ان يكرس المدينة للاله ملقرت ثم اعلانها مقدسة وإذاعة هذا النبأ ، فتحصل من عدد من المدن ومن معابدها على الاعتراف بقدسيتها ، التي يعتبر المساس بها او التعدي على حدودها كفرا ً وانتهاكا ً لكل الحرمات الدينية .

وقد اضفى دمتريوس الثاني على صور أفضلية لا مثيل لها عند منحها هذا الحق ، اذ سمح لها بنقش هذا النبأ على نقود المملكة التي تحمل شعاراته ، وهذه النقود كانت تنتشر في جميع ارجاء البلاد ، فتولت اعلان هذا النبأ بأقصى ما يمكن من سرعة .

وفي الحروب التي نشأت في السنين 145-138 و 129-125 بين دمتريوس الثاني ومنازعه على العرش اسكندر سابينا ، وقفت صور الى جانب دمتريوس ، وعندما هزم هذا سنة 125 في ضواحي دمشق التجأ الى صور ، ولكن اعداؤه نصبوا له كمينا ً في المرفا وتمكنوا منه .

وفي السنة ذاتها استطاعت صور أن تزيد من استقلالها عن السلوقيين ، وبدأت لهذه المناسبة باصدار نوع جديد من النقود . كما انها اتخذت تأريخا ً جديدا ً واعتبرت سنة 126 ق.م السنة الاولى فيه .

وفي الاربعين سنة التي تلت هذه الاحداث والتي ضعفت فيها الدولة السلوقية وانهارت سلطتها استطاعت صور ان تحافظ على استقلالها الداخلي وتمكينه، وظلت محافظة عليه عندما بسط تيغرانس ملك ارمينيا سلطته على فينيقيا وسوريا مدة أربعة عشر عاما ً

وفي سنة 69 استطاع لوكوللس بعد انتصاره على تيغرانس ان يعيد السلطة الى السلوقيين ، فحكموا حتى سنة 64 ق.م عندما تمكن بومبيوس من ان يجعل البلاد كلها مقاطعة رومانية .

وقد مارس البطالسة والسلوقيون سيطرتهم على صور بأن عينوا فيها ناظرا ً تحت أمرة الحاكم العسكري على فينيقيا وسوريا ، يشرف على ادارة الشؤون الداخلية للمدينة .

وكان يطلب من صور أن تسلم الضرائب والمكوس بصورة منظمة ، زكانت تقوم بذلك بكل سهولة ، إذ انها استطاعت بعد أن اعاد الاسكندر بناءها ، ان تسترد خلال فترة قصيرة ، الكثير من ازدهارها ونشاطها التجاري ، بعد كل ما اصابها من جراء الحصار.

وإذ ما تضررت صور بعض الشيئ من مزاحمة الاسكندرية لها في بعض المجالات ، فقد عوضت عن ذلك بالاسواق الجديدة التي نتجت عن فتوحات الاغريق في الشرق ، وعن الامان الذي عم طرق القوافل البرية ومسالكها .

ولكن عندما شيد بطليموس الثاني (285-264) ميناء برنيس على البحر الاحمر وأنشأ طريقا ً ذات محطات ومستودعات للتموين بالمياه ، وأعاد فتح القنال الذي يصل النيل بخليج السويس اصيبت بصور بضربة لم تعوض عنها ابدا ً ، إذ أن المواصلات في البحر الاحمر والمحيط الهندي ، التي كانت اساطيل صور تربطها بالمتوسط عبر العقبة اصبحت تمر الان عبر القنال الى الاسكندرية التي اصبحت تتمتع بكل الازدهار والترف اللذين كانا من قبلها من نصيب صور .

 

رجــوع

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©