نشطت صور
كثيرا ً في نهاية القرن الثاني للميلاد في المجالات
الدينية ، وكان لمطرانها الاسقف كاسيوس تأثير كبير وكلمة
مسموعة في المسائل التي كانت تشغل المسيحية يومها ،
وأهمها مسألة عيد الفصح التي كانت أول نزاع داخلي في
تاريخ الكنيسة .
وكان
لكاسيوس – وهو أول اباء الكنيسة في صور الذين نعرف عنهم
شيئا ً – دور كبير في الوصول الى اتفاق في هذا الموضوع
في مؤتمر نيقيا المنعقد سنة 197 م .
وحوالي
سنة 250م يعرّف مطران الاسكندرية ديونيسوس الاسقف
مارينوس مطران صور بانه من اشهر أساقفة الشرق .
وقد اصبحت
صور ، بالاضافة الى مركزها كعاصمة لولاية فينيقيا
البحرية ، عاصمة كنسية دينية .
وفي منتصف
القرن الثالث تعرضت الطائفة المسيحية في صور للاضطهاد
والملاحقة ، ومن ضحاياها كان أوريجين الذي قدم سنة 233م
الى صور ليعلـّم فيها ، فقد اودع سجنا ً مظلما ً وأُثبت
طوق من الحديد في عنقه ووضعت رجلاه في القيد ، وبالرغم
من الافراج عنه سنة 251 فانه لم يعمر طويلا ً بعد ذلك
العذاب ومات شهيدا ً حيث دفن في صور وبقي قبره مزارا ً
مدة طويلة ، ويقول عنه القديس هيرونيموس : " الجاهل فقط
هو الذي لا يعرف أن اوريجين كان بعد الرسل أكبر معلمي
الكنيسة " .
" وكان
اوريجين لسعة معلوماته وخصب افكاره وتهذيب اخلاقه مجد
الكنيسة في عصره ، وبعد موته بنصف قرن كان كل كبير بين
رجال الكنيسة الشرقية ، إما تلميذا ً لهذا المعلم الكبير
، او متاثرا ً بطريقة ما بإشعاعه " .
وعندما
بنيت كاتدرائية صور نقلت اليها رفات هذا المعلم ودفنت
وراء المذبح كما كان العرف آنذاك .
وفي نيسان
سنة 303 اصدر ديوكلسيان تعليماته بهدم الكنائس وجعلها في
مستوى الارض ، فهدم معها بيت الطائفة في صور ، وبدأت
عملية اضطهاد المسيحيين من جديد، وبقسوة وعنف شديدين ،
فقضى الكثير من الصوريين شهداء باذلين دمهم ثمن اخلاصهم
للدين الجديد ، " ومن آباء الكنيسة الذين تميزوا عن
غيرهم باستشهادهم وأظهروا حقيقة الدين ، تيرانوس اسقف
صور ، الذي القي به مقيدا ً في يديه ورجليه الى البحر "
.
وفي هذه
الاثناء طالب وثنيو صور الامبراطور مكسيمين بتخليص
مدينتهم من المسيحية ولكن بعد صدور بيان ميلان في اواخر
سنة 312م واطلاق الحريات الدينية تغيرت الحالة تماما ً ،
فباشر باولينوس مطران صور ببناء كاتدرائية صور الكبيرة
.
وفي حفل
مهيب
– سنة 323
– ألقى المؤرخ الكنسي اويزيب كلمة الإفتتاح، مضمنا ً
إياها وصفا ً مفصلا ً لهذا المعبد الكبير .
وقد أصبح
باولينوس فيما بعد أسقف إنطاكيا ، وخلفه زينون على كرسي
صور ، وإشترك في مجمع نيقيا المسكوني الذي عقد سنة 325
للنظر في القضايا التي أثيرت ضد الأريانية .
واختيرت
صور لتكون مركز المجمع المسكوني الذي عقد سنة 325 بسبب
عذا النزاع الذي شغل الامبراطورية الرومانية طوال نصف
قرن تقريبا ً وقسم المسيحية يومها إلى فئتين .
وكانت
جلسات المجمع في صور صاخبة لدرجة أن الجنود الرومان
المرسلين للمحافظة على النظام إضطروا للتدخل لقمع الشغب
ومنع أعمال العنف . وكان أكثر الحضور من الأساقفة على
نهج آريوس ، فاتـُّهم مناوؤه أتنازيوس بالقسوة وقلة
التقوى وممارسة السحر ، وإعتبر خارجا ً على الدين
وخـُلـِع من منصبه وحكم عليه بالنفي .
ويروي
المؤرخ سب أن أربعين أسقفا ً لايعرفون القراءة والكتابة
إجتمعوا فيما بعد فنقضوا هذا الحكم وأعتبروا أعمال
المجمع في صور لاغية ومنافية للتعاليم الحقة .
وفي هذا
الزمن تم نشر التعاليم المسيحية في بلاد الحبشة ، وتبدو
قصة إنتشارها في هذه البلاد – كما يرويها المؤرخين
الكنسيين – وكأنها قصة مغامرات ذات مغزى أخلاقي ، أكثر
منها بحادثة تاريخية وقعت فعلا ً :
" في رحلة
للتعرف على أقطار الأرض ، وصل فيلسوف ناشىء إلى بلاد
الهند . وقد أثار هذا الحدث فضول عالم من مدينة صور ،
رغب في التعرف على الهند للدوافع ذاتها ، وإصطحب معه
غلامين كانا يدرسان الطبيعة عليه، وهما إيدسيوس
وفرومنتيوس .
وقد جال
الغلامان معه حيثما ذهب وتطلعا إلى كل مايشبع قلبيهما
النهمين إلى المعرفة ، ويشفي فضولهما .
وإضطرت
سفينتهما ذات مرة إلى المرور على الميناء في محلة أكسيوم
( بلاد الحبشة ) للتزود بماء الشرب وبعض الحاجيات .
وكانت
عادة البرابرة من أهل البلاد ، عند سماعهم بسوء في
العلاقات بين جيرانهم والرومان ، أن يقتلوا كل من يفد
إليهم من البلاد الرومانية ، وعندما ألقت السفينة
مراسيها هناك ، قضوا على كل من كان فيها ، بإستثناء
الغلامين اللذين عـُثـِر عليهما يراجعان دروسهما في ظل
شجرة .
وتملكت
أحد أولئك الشفقة ، فأبقى عليهما وأحضرهما إلى ملك تلك
البلاد الذي أعجب بلطفهما ، فجعل أحدهما ( إيدسيوس )
ساقيه وحافظ كأسه ، وعهد إلى الثاني ( فرومنتيوس ) الذي
بانت للملك فطنته وذكاؤه ، بالإشراف على سجلاته وأوراقه
.
وترك
الملك عند وفاته إبنا ً صغيرا ً ، فطلبت الملكة من
الغلامين البقاء عندها لحاجتها القصوى لأصدقاء مخلصين ،
وليساعدها على تحمل أعباء الملك حتى يبلغ ولدها رشده.
فأجاباها إلى ذلك .
وقد أخذ
فرومنتيوس يفتش ، بين الجماعات التي كانت تؤم تلك البلاد
، عن تجار رومانيين فيعطيهم الإمتيازات ، ويدعوهم إلى
عقد إجتماعات ، يقيمون خلالها الصلوات حسب الطقوس
الرومانية ، وبدأ هو من جهته يفعل ذلك لتشجيع الآخرين
على إنشاء دور العبادة ، ونشر التعاليم المسيحية في تلك
البقاع .
وظل يفعل
ذلك حتى تسلم الملك الشاب عرشه ، فودعه الإثنان وقفلا
راجعين إلى عالمنا، بالرغم من أن الملكة وإبنها ألحا
عليهما كثيرا ً بالبقاء .
وأسرع
إيدسيوس ، الذي برح به الشوق إلى أهله ومعارفه إلى صور ،
ولكن فرومنتيوس عرج على الإسكندرية حيث أطلع أسقفها (
أتنازيوس ) على ما حدث ، طالبا ً منه إرسال رجل كفوء
يتولى شؤون المسيحيين المتكاثرين في تلك البلاد ويشرف
على أمور دينهم .
وبعد أن
أصغى أتنازيوس بإهتمام كبير إلى كلماته ووزن أعماله ،
قال له : أين لنا بمن يستطيع أن يتحمل مثل هذه المسؤولية
وقد إختار لك الروح القدس هذا الطريق ، ثم نصبه كاهنا ً
ورفعه إلى درجة أسقف وعهد إليه بالرجوع من حيث أتى .
هذه القصة
ليست حكاية يتناقلها الناس ويتندرون بها ، بل سمعتها من
فم إيدسيوس الذي أصبح كاهنا ً فيما بعد ونذر نفسه لخدمة
الله وكان قبلها مرافق فرومنتيوس " .
وقد أصبح
فرومنتيوس أكبر أساقفة بلاد الحبشة ، ولا يزال بعرف فيها
حتى الآن بإسم " أبا سلامة " ( جالب السلامة ) ويحتفل
بذكراه سنويا ً في عيد القديس فريمونا .