معتقـدات الصـورييـن

 

كانت ديانة الفينيقيين مجموعة من الطقوس والعبادات تقيمها المدن الفينيقية ، وتختلف بإختلاف الأمكنة التي تقام فيها ، بالرغم من اشتراكها جميعاً في النظرة ذاتها للاله وللظواهر الكونيّة والطبيعيّة  

وكانت طقوس عبادتهم منبثقة عن حياتهم الزراعية وعن اعتمادهم في معيشتهم على الفلاحة وتربية المواشي ، فوجودهم كان رهناً  برحمة الطبيعة أو بقسوتها عليهم : كان القحط يهدد مواسمهم احياناً كثيرة ، والرياح الحارّة التي تهبّ من الصحراء كانت تقضي على زرعهم ، كما كانوا مهددين بقلة المطر او بسقوط  البر الذي يتلف ثمار حقولهم .

ولذا قام الفينيقي منذ اقدم الأزمنة بمحاولة من أبدع وأروع نشاطات الفكر البشري لادخال النظام الى هذه "الفوضى" التي تحيط به وتهدد وجوده ، مظهرة عداءها له في كثير من الأحيان .

وليتمكن الإنسان الفينيقي من مخاطبة هذه القوى ويستدر عطفها ، أضفى على الطبيعة وظاهراتها صفات انسانيّة وجعلها قريبة منه يسترحمها ويطلب حمايتها ويقدم لها الهدايا والقرابين يسترضيها بها ، وأوجد سلسلة من العبادات ليؤثر بها على هذه الطبيعة ، وكانت الآلهة التي أضفى عليها هذه الصفات كمرآة تنعكس عليها الطبيعة بتقلباتها وأحوالها المختلفة .

وكالطبيعة التي تتلاشى فيها الحياة في فصل الشتاء ، ثم تعود لتستيقظ لحياة جديدة في الربيع ، وبعد أن تبلغ النضج في الصيف تعيد دورة الشيخوخة والموت والبعث من جديد ، كانت آلهتهم تمر في التحولات ذاتها التي تمر فيها الطبيعة ، فمقتل الإله موت على يد الربة أنات كان يعني الإحتفال بإنتهاء الحصاد ، واحتفالات أدونيس كانت تحدث أيضاً  في نهايته ، بين حزيران وتموز ، وعند انتهاء هذا الموسم كانت تقام احتفالات لاستجلاب المطر في الخريف .

وفي اساطير اوغاريت الفينيقية تعيد وفاة الإله موت ، عليان بعل وبعلاً للحياة ، وعندها يتسطيع الإله الأكبر إيل أن يبشّر : " ستمطر السماء سمناً وتفيض الأنهار عسلاً "  تماماً كما نجد في الكتاب المقدس " أرض تفيض لبناً وعسلاً " ، معيداً للأذهان الأصول الأولى لديانة اسرائيل .

وكان الإله الشاب يعبر عندهم عن حياة الطبيعة التي تستيقظ في بداية كل عام في الربيع ، وكان موته وبعثه من جديد يمثلان التطورات التي تحدث في الطبيعة المحيطة بالانسان والتي تظهر له وكأنها سلسة لا تنقطع من ولادة وموت ... عاكسة آماله باستمرار الحياة الانسانية بعد الموت ، أو ببعثها .

وفي تاريخ سنكن ياطون الفينيقي نجد تحليلاً لنظرة الفينيقيين  وآرائهم في نشوء الحياة والوجود .

فالكون ـ عندهم ـ نشأ عن تطور المادة والقوى الموجودة في الفوضى ، وليس بارادة خالق ، إذ كانت ، في البدء ، الريح والظلام نتج عنها " وحل أول " تكوّنت منه الشمس والقمر والكوكب والنبات والحيوان والانسان وأخيراً الآلهة:

 

" كانت بداية الأشياء كلها هواء معتكراً وعاصفاً ، دون حدود ، امتزج بالفوضى المظلمة . وعندما بدأت الرياح بأن تحب مشتقاتها ( الهواء والفوضى) نتج عنها كائن دعي الشوق ، تسبّب بولادة موت على شكل مادّة مائيّة موحلة حوَت في ذاتها بذور الخليقة كلها ، وقد أدى ذلك الى نشوء مخلوقات لاواعية توالدت وأنجبت مخلوقات مفكّرة واعية دعيت زوفاشميم ، أي المتطلعة إلى السماء .

وعن الوحل الأول انبثقت الشمس والقمر والنجوم ومجموعات الكواكب كلها ومن توهج الأرض واليم نجمت رياح وسحب وسقوط أمطار كثيرة . ومن حرارة الشمس الحارقة نشأ البرق والرعد ، ومن قصف الرعد استفاقت المخلوقات وأخذت تتحرك على الأرض وفي البحر ، رجالاً ونساءًا .

وتولدت بعدها مخلوقات فانية دعيت : النار والنور واللهب وأوجدت هذه المخلوقات النار وعلـّمت طريقة استعمالها ، وأنجب هؤلاء الثلاثة أبناءً فاقوهم في كبر القامة والمهارة ، وبأسمائهم دعيت الجبال التي كانوا أسيادها، فسمّي جبل الطور ولبنان ولبنان الشرقي (أنتيلبانون) وحرمون (براتي) نسبة لهم .

ومن هؤلاء انحدر شميم رومس الذي يدعى أيضاً هبسورانيوس (السماء العالية) وأوزوس  . وسكن شميم رومس في صور (البريّة) وبنى أكواخاً من الغزار و البردي ، واختلف مع شقيقة اوزوس الذي كان أول من صنع ثياباً من جلود الحيوانات التي يصطادها .

وعدما هبّت عواصف قويّة وتسببت باحتكاك الأشجار ببعضها ، نشب حريق كبير أتى على الغابة قرب صور ، فأخد أوزوس شجرة نزع عنها أغصانها ونزل بها إلى البحر ، وكان أول إنسان يتجرأ على النزول إلى البحر والسفر عليه . وعندما وصل إلى جزيرة صور نصب فيها عمودين للنار والهواء وقدم لهما قرابين من دماء الحيوانات التي يصطادها .

وبعد موت الاثنين  نصبت ذريتهما أعمدة يقدسونها ، كما أنهم كانوا يحتفلون بذكراهما ويقيمان لهما الأعياد السنوية .

وبعدها بأزمنة طويلة انحدر من نسل شميم رومس أغريوس وهاليوس مبتكري فن صيد البر وصيد البحر ، ومنهما انحدر أخوان كانا أول من اكتشف الحديد وطرق استعماله . وكان خوسر (الماهر الحاذق) يستعمل عبارات سحريّة ويهتم بالوحي ، وقد ابتكر سنارة الصيد والطعم وخيط الصيد والزورق ، وكان أول من سافر بسفينة في البحر ، ولذا كُرم كإله ، واطلق عليه زفس اسم مليخيوس (الملاح) .

وحكم على البلاد عشترت الكبرى وزفس دامورس حسب ارادة كرونوس (إيل) . وجعلت عشترت رأس الثور على رأسها رمزاً لحكمها وسيطرتها ، وعندما تجولت في المسكونة عثرت على نجم هوى من السماء ، فأخذته معها إلى صور ، الجزيرة المقدسة .

وعد حصول قحط ومجاعة رفع الناس أيديهم إلى السماء معتبرينها إله الكون الوحيد داعينها بعل شميم (بعل السماء) .

وحسب رأي سنكن ياطون لم يكن لآلهة فينيقيا ـ ولا لغيرها ـ أي وجود حقيقي ، بل كانت إما أجساماً طبيعيّة مؤلّهة كالاجرام السماوية والجبال ، أو بشراً كان لهم أهمية سياسية أو إجتماعية عند أبناء بيئتهم فرفعهم هؤلاء بعد موتهم إلى مصاف الآلهة .

وبما أن الآلهة لا توجد إلا في مخيلة البشر ، لم يذكر التاريخ الفينيقي عنها شيئاً إلا بعد أن بحث في نشوء الانسان .

                                                 

وكان لكل من مدن فينيقيا آلهتها وربّاتها ، ومن بينها ثلاثي كان يمتاز عن غيره بأهميته وبالروابط الخاصة التي تربطه بالمدينة : إله مسنّ سيّد مدينته ، وربّة أنثى لها صفات الأمومة وصفات الأمومة وإله شاب هو رمز للنبات الذي ينبثق عن هذه الأم ، ثم يموت ليُبعث حياً في السنة التالية .

" وهذه الفكرة ، فكرة إله يموت ليقوم منتصراً على الموت . أصبحت جزءًا حيوياً من المأثور المسيحي " .

وكان إيل الإله المسن في جبيل ، وما لبثت بعلة جبيل أن حلّت محله في تزعم المدينة فأصبحت سيّدتها ، يقدم ملوك جبيل والفراعنة ولاءهم لها ، والى جانبهما الإله الفتى أدونيس .

ويقابلهم في صيدون عشترت وبعل صيدون واشمون الذي كان ـ كأدونيس ـ إلهاً فتياًً يحتفل بموته وببعثه كلَّ سنة ، ثم أصبح فيما بعد إله الشفاء في فينيقيا كلّها . وكان ثلاثي صور مؤلفاً من إله السماء بعل شميم ومن عشترت ام الآلهة والبشر والنبات ، واهبة الحياة للطبيعة ، ومن ملقرت الفتي الشاب سيد المدينة وملكها .

وإلى جانب كل ثلاثي كانت آلهة أخرى تمثل قوى الطبيعة ومظاهرها . فكان هدد إله البرق والرعد إذا شفق وأرضي أنزل المطر وأخصب الأرض ، وإذا غضب أحدث الفيضانات التي تهلك الزرع والماشية ، وموت إله الحر والصيف والحصاد ، وبعل لبنان وبعل كاسيوس (الجبل  الأقرع) وبعل صافون وبراتي (حرمون) آلهة الجبال . ثم الربّة شمش (الشمس) والآلهة يم ويوم  وشَهَر (القمر) .

وقد رأينا كيف يفسر سنكن ياطون نشوء عبادة بعل شميم الذي اعتبره الناس سيّد السماء الوحيد ،  وهو الإله الذي أعاد حيرام الكبير بناء هيكله والذي دعه الاغريق زفس الاولمبي .

ويذكر أسرحدون في اتفاقيته مع بعل ملك صور (677 ق م)  بعل شميم على رأس آلهة صور الذين يستشهد بهم على احترام الاتفاقيّة ، ويليه بعل صافون وملقرت وأشمون وعشترت . ويظهر أنه كان يحظى في صور باحترام كبير وأن السيطرة على الرياح والأمواج من اختصاصه ويعاقب من يخلّ بالاتفاقيّة باحلال الكوارث على سفنه .

وقد جمع بعل شميم في ذاته صفات إيل أبي الآلهة وهدد إله العواصف والصواعق ويم إله البحر ، وانتشرت عبادته من صور إلى فينيقيا وبلاد الاراميين وبين اكثر شعوب سوريا .

ومن المحتمل أن يكون بعل حامون الذي عبد في غرب المتوسط وقرطاجة ، وبعل لبنان الذي قدم له عامل حيرام على قرت حدشت في قبرص الآنية البرونزية هو بعل شميم ذاته ، إله السماء في صور .

وكان بعل شميم عند الصوريين إله الكون بأجمعه ، مرتبطاً أقل من غيره من الآلهة بالاعتبارات المحلية او السياسية : القبيلة او المدينة او الشعب ، كما كانت هي الحال بين آلهة ذلك العهد ، ولذا انتشرت عبادته بسرعة وامتدت من بلاد ما بين النهرين في الشرق ، حتى سردينيا في الغرب .

وعندما قام الملك سليمان بحركته الاصلاحية في عاصمته ، لم يكتفِ بأن يكون الهيكل الذي بناه له الصوريّون قد شيد حسب مخططاتهم وهندستهم ، بل أن الاله الذي أقيم له الهيكل أخذ الكثير عن بعل شميم الصوري وعن صفاته ، وهذه النظرة الجديدية إلى يهوه إله إسرائيل تبرز بوضوح في الصلاة التي تلاها سليمان عند تدشين الهيكل .

وزينة هيكل سليمان : الملائكة والبحر ، التي ترمز إلى النظرة الكونية للإله ، إنما هي مأخوذة عن هيكل إله السماء الصوري ، وتفهّم الإله على هذا الشكل الواسع يجعلنا ندرك الموقف الذي يتخذة دين إسرائيل من الآن فصاعداً تجاه الغريب :       " وكذلك الأجنبي الذي ليس من شعبك إسرائيل وجاء من أجل إسمك ، فمتى جاء وصلى في هذا البيت ، فاسمع أنت من السماء مكان سكناك وافعل حسب ما يدعو به إليك الأجنبي " .

هذه النظرة الكونية المفاجئة لإله إسرائيل الذي يصبح من منفتحاً يتقبل دعاء الغريب، ويرفع الملاحون في البحر صلاتهم إليه ، "الرب إله السموات الذي صنع البحر" بعد أن كان قبلها " رب إسرائيل " ، " شعبه إسرائيل " ، والتي أخرجت هذا الدين عن تحجره البدائي ومهدت له الطريق ليصبح أول الأديان الموحّدة ، ولتنبثق عنه أديان سماوية أخرى ، إنما ترجع إلى صور ودينها المنفتح على العالم وإلى إله الكون فيها بعل شميم .

ولذا ليس علينا أن نعجب عندما نرى يهوه يظهر بصفة الإله خالق العواصف والارياح ، يعبده لا الاسرائيليون فقط  ، بل الملاحون الذين يدعونه إله السماوات (يونان 1/4) الذي يسكن في الضباب وفي أعالي الجبال .

وبعل شميم هو الذي جلب الصوريون عبادته إلى إسرائيل في القرن التاسع ق . م . ، والذي أقام له أحاب " مذبحاً في بيت البعل الذي بناه في السامرة " ثم عبده وسجد له.

ويدل عنف هجمات الكتاب المقدس على عبادة هذا البعل على افتتان العقول اليهودية به وبالطقوس والعبادات التي كان الصوريّون يمارسونها ، حتى أنه لم يبقَ في منتصف القرن التاسع في يهوذا واسرائيل سوى سبعة آلاف لم يعبدوا البعل ولم يسجدوا له .

ويذكر الكتاب المقدس هذا البعل الذي جلبت عبادته من صور ، اثنين وعشرين مرّة (في سفري الملوك الأول والثاني) ، وكانت ايزابل ابنة ايتوبعل الصوري وزوجة أحاب ملك إسرائيل ، وابنتها عتليا Athalie زوجة أحزيا ملك يهوذا تشجعان عبادته وتساعدان على نشرها بكل الوسائل ، وكان هو الاله الذي حاول أنطيوخس أبيفانس الرابع أن يفرض عبادته على اليهود " ويرتدوا عن شريعة آبائهم ويدنس هيكل أورشليم ويجعله على اسم زفس الاولمبي ، ويجعل هيكل جرزيم على اسم زفس مؤوي الغرباء " .

أما عشترت ، فكانت ربة الصوريين الرئيسيّة ، وقد حمل المهاجرون الصوريون عبادتها عبر البحار إلى جميع الأنحاء : مصر وقبرص ومالطا وصقلية وسردينيا وقرطاجة ويصفها الكتاب المقدس بالالهة الغريبة و إلهة الصيدونيين ، ومن كتابات العهد العتيق نعلم أن عبادتها كانت منتشرة  بين الاسرائيليين الذين " تركوا الرب وعبدوا البعل وعشتروت " وأن سليمان عبَدَها " فذهب وراء عشتروت إلاهة الصيدونيين " وشيّد " المرتفعات التي بناها... لعشتروت " ، كما كان لها هياكل في بلاد الفلسطينيين .

وكانت عشترت إلهة الخصب لا في صور وحدها ، بل في فينيقيا كلّها وكانت العفّة والامتناع عن الزواج مفروضة على كهنتها وكاهناتها ، وفي معابدها وهياكلها كان يتم البغاء المقدس ، فتضحي العذارى ببكورتهن لهذه الربة ، ويستلمن مقابلها أجراً يقدمنه لهيكلها .

وكانت عشترت الربة التي تلد كل حياة في الطبيعة ، بينما كان الاله الشاب يرمز الى النبات الذي ينبثق عنها كل سنة ، ثم يتلاشى ليرجع فيتفتح من جديد في السنة التالية .

وتروي الأسطورة أن عشترت اختفت مرة في الظلام في أول الشهر القمري فلحق بها ملقرت إلى الغرب مفتشاً عنها ورجع بها إلى صور .

وفي اسطورة ثانية ، شاهد الصوريون ذات ليلة في منتصف الليل  شعاعاً ساطعاً ينتشر في أجواء صور وينير المدينة ، فهبوا من رقادهم متراكضين إلى الشاطىء ، وإذا هم أمام صبية رائعة الجمال تخرج من بين الأمواج وتنشر معها النور والسرور: كانت تلك عشتروت ، بعد جولتها في المسكونة ورجوعها إلى الجزيرة المقدّسة ، صور .

وإله المدينة الرئسي ، بعل صور كان ملقرت الذي دمجه الاغريق بإلههم هرقل وأضفوا عليه الكثير من صفات ملقرت ومن شخصيّته .

وفي زمن عظمة الجزيرة وازدهارها أصبح  بعل صور أكبر إله فيها ونال لقب ملك المدينة ـ ملقرت ـ واسمه يُظهر بجلاء دوره في إدارة المدينة وشؤون أهلها .

وكان ملقرت في أول أمره إله نبات يجمع في ذاته صفات بعل عليان ، فيرمز إلى النبات الذي يتفجّر من الأرض عند المطر ، وصفات الاله موت الذي يعبّر عن النبات الناضج بفعل حرارة الشمس ثم يحترق بها .

وإلى هذه الصفات التي تدلّ على أصله كإله نبات اتّخذ ملقرت شخصيّة إله بحري ، الإله يم ، كما تمثله نقود  صور منذ القرن الخامس ق . م . ، راكباً حصاناً بحرياً فوق الأمواج ، ومن تجته الدلفين ، وممسكاً القوس بيسراه ، تعبيراً عن تساويه بهرقل.

هذه الصفات المزدوجة : إله نبات من جهة وإله بحري من جهة ثانية ، عبّرت عنها صور في العمودين الذين كانا يزينان هيكله ، أعظم وأكبر اماكن العبادة في صور ، وكذلك كان العمودان اللذان نصبهما أوزوس للريح والنار، تعبيراً عن هذه الطبيعة المزدوجة : فالنار السماويّة كانت من إختصاص بعل، بينما كانت الريح نخضع للإله يم ، ومن المحتمل أن تكون العبارة الجغرافية " أعمدة هرقل " ترجع إلى عمودي البرونز اللذين كانا يزينان مدخل هيكل ملقرت في قادش على أبواب المحيط، ثم أصبحت فيما بعد تعني المضيق الذي يفصل افريقيا عن اوروبا .

وقد طغت مآثر ملقرت البحريّة وفتوحاته على صفاته الزراعية التي لازمته بصفته "بعل" والتي بقيت هامة بالنسبة لطقوس عبادته وتفسير موته ثم بعثه كل سنة .  

وبالرغم من أنه كانت لملقرت كباقي الآلهة الكبار ، صفات كونيّة ، إلا أنها لم تكن هي البارزة بالنسبة لطقوس عبادته ، إذ كان هو الملك ، ملك مدينته المقدس هادي شعبه الصوري الذي وضع فيه كل ثقته وايمانه ، وقائده الى الأنحاء البعيدة .

وعيد ملقرت في شهر بريتيوس (بين شباط وآذار) كان عيد النبات الذي تدبّ فيه الحياة مع قدوم الربيع ، وفي الوقت ذاته كانت أسراب السمّن ترجع إلى سهل صور من هجرتها ، مبشّرة برجوع الربيع ، وقد أعاد أشمون ملقرت للحياة بأن أدنى طائر السمّن من أنفه ، ومن المحتمل أن تكون هناك صلة وثيقة بين كلمتي أشمون ـ أسمون وسُمّن .

ويرجح أحد كبار علماء التوراة أن تكون فكرة البعث بعد الموت ، التي ترد لأول مرة في الكتاب المقدس في سفر هوشع ، من أصل صوري .

وأهمية ملقرت تظهر  لنا من انتشار عبادته في كافة المستعمرات الصورية وممتلكات الفينيقيين عبر البحار ، فعلى كتابات من قبرص ، يقدم ملكياطون، أحد ملوك الجزيرة حوالي 386 ق . م . مثالاً في ايداليون " لسيده ملقرت الذي سمع نداءه " . والنصب الذي أقامه بن هدد ملك دمشق . كان " لسيده ملقرت قدمه له بعد أن استجاب لندائه " ، وعلى كتابات من مالطا يظهر " سيدنا ملقرت بعل صور " ، وفي دلوس وجدت كتابات ترجع الى القرن الأول ق . م . تبين ان ملقرت كان يعبد فيها ، وكان لملقرت هيكل في جزيرة تاسوس شيد قبل ولادة هرقل الاغريقي بخمسة أجيال ، وفي أولمبيا كان يقدَّس هرقل يختلف بصفاته عن هرقل ـ البطل ( الاغريقي)

وأقدم منه بكثير . ويؤكد هيرودوت بأن هرقل هذا الاله هو ملقرت الصوري، والاله البحري مليكرتس Melicertes الذي عبد في كورنثيا وأقيمت على شرفه الألعاب الرياضية في المضيق الكورنثي ، ذو صلة وثيقة بملقرت صور ، اذ كان ابن اينو إحدى بنات قدموس الصوري وهارمونيا ، كما أن إسم النهر اسمينوس Ismenos قرب ثيبا يرجع الى رفيق ملقرت ومرافقه اسمون او اشمون ، والاسم الفينيقي لمدينة كفالويدون في صقلية كان روش ملقرت ، واسم هرقل مكريس الذي عُبد في مصر وليبيا لم يكن إلا إسماً محرّفاً لهرقل ملقرت ، وعندما أقسم هنيبعل سنة 215 ق . م . على كره روما والثأر منها ـ وهو لمّا يزل صبياً ـ كان ملقرت بين الآلهة التي أقسم بها: ملقرت وعشترت ويولاوس (أشمون)  ، و إذا إعتبرنا الأسماء التي تشكّل مع إسم إله دليلاً على انتشار عبادته ، لوجدنا أن ملقرت كان أهم آلهة قرطاجة وأكثرها شعبية وما عبد ملقرت وخن ملقرت (حنان ملقرت) وهملقار (خادم ملقرت) وبدملقرت ، إلا بعضها ...

وروى هيرودوت الكثير من غنى هيكل ملقرت في صور وعن الاسراف في تزيينه وكذلك فعل أريان وباوسانياس ولوقيان : " في سوريا معابد تضاهي معابد مصر في قدمها وقد رأيت معظمها ، هيكل هرقل في صور ، لا هرقل الذي يشيد بذكره الاغريق بل الاله الصوري وهو أقدم من هرقل الاغريقي بكثير " .

وكانت مراسيم العبادة في هيكل ملقرت في أيدي الكهنة ، وكان هؤلاء بعد الملك مباشرة أصحاب أكبر سلطة ونفوذ في الدولة ، ولذا كانوا يختارون عادة من العائلة المالكة أو من أقربائها . وكانت التقاليد تقضي بأن يرتدي كاهن ملقرت الارجوان ، وانتقلت هذه العادة الى قرطاجة . فكان الارجوان لباس الكاهن الأكبر في هيكل ملقرت فيها ، يذكر الملأ بأن ملقرت هو أول من اكتشف هذا اللون .

وكان نفوذ الملك ملقرت كبيراً جداً ، والطريقة البسيطة التي يذكره فيها المؤرخون توحي بأن كاهن ملقرت ليس بحاجة للتعريف .

وكان الكاهن يدير من صور شؤون ومراسيم العبادة و كل ما يتعلق بالاله ، وكانت هياكل ملقرت في الخارج ، في المستعمرات وفي الأسواق الصوريّة على اتصال دائم بالهيكل الرئيسي في صور وبكاهنه الأكبر الذي كان يتلقى من كل المستعمرات الصوريّة أعشار دخلها مع الوفود الآتية لتحج إلى هيكله وتشترك في أعياده . ومع هذا الارتباط الديني كانت العلاقات السياسيّة والتجاريّة بين الوطن الأم والمستعمرات تبقى ثابتة .

واللوحة النافرة Bas-relief  الموجودة حالياً في متحف جامعة بيروت الأميركية ، التي تمثل منظر ولادة أمام شجرة ملتهبة يلتف حولها ثعبان والى جانبها غزالة ترضع طفلاً وعلى ظهرها نسر ، تبرز لنا الروابط العائلية بين أكبر آلهة صور ، إذ يعبر النسر عن زفس  ـ بعل شميم الذي يتطلع الى زوجته النفساء عشترت ، وبالقرب منهما الطفل ملقرت الذي ترضعه الغزالة، ويرمز الثعبان فيها الى المصير الذي يترقب ملقرت في شبابه ، وهلاكه بسم " تيفون " في ليبيا .

وكتابات " معصوب " المكتشفة في أم العمد جنوب صور التي يقرؤها H.seyrig : " إلى ملك (قرت) (ابن) عشترت " ، وسلسلة الأنساب الإلهية التي تعتبر ملقرت ابن زفس دامورس ـ أي بعل شميم ـ تؤكد مع كثير من المؤرخين هذه الروابط بين عائلة صور المقدسة وتجعل ملقرت ابناً لبعل شميم وعشترت .

ليس لدينا إلا معلومات قليلة ومتفرّقة عن طقوس العبادة ومراسيمها عند الفينيقيين ومنها أن من يضحّي للآلهة ويدخل الى باحة الهيكل ، كان عليه أن يتطهّر ويستبدل ثيابه الدنيوية بأخرى جديدة ، وكانت الخنازير تبعد عن هيكل ملقرت لئلا تدنسه بقربها . ومن المؤكد أن هناك أساساً اسطورياً لدعوة الشهر الخامس ، الذي يموت فيه الاله (ويبدأ فيه الحصاد) بإسم حزيران ، أي شهر الخنزير .

وعند الاحتفال بموت الاله كان الناس يحلقون رؤوسهم ويضربونها ويقيمون المناحات ويعلنون الحداد في جميع الأنحاء ، وفي اليوم الذي يرجع فيه إلى الحياة يقولون إنه أصبح في السماء .

وكان يعتقدون أن للانسان نفساً مسؤولة عن القسم الحيواني من صاحبها ، وروحاً مسؤولة عن النواحي العقلية عنده ، وكانت النفس في معتقدهم ـ تبقى مع الجسد عند موت صاحبها .

وكان الاله يظهر لعابديه كأب أو أم أو أخ أو قريب وأحياناً كسيّد أو ملك ، ومن الصفات التي كانوا يطلقونها على آلهتهم ، كما وردت في كتاباتهم : " الاله متعال وعظيم وقوي ، وهو يعلم ويعمل ويسمع ويبني ويعطي ويرجع للحياة ويقدر المصير ويحاسب ، وهو عادل ورحيم يسمع الاستغاثة ويخلّص ويحمي وينقذ ويحرر ويساعد ويجير ويبارك " .

 

رجــوع

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©