في منتصف
القرن الخامس بعد الميلاد الــَّف الشاعر نونوس ملحمة في
ثمانية واربعين كتابا ً اشتهرت ببلاغتها ولهجتها
الحماسية وقد دعيت " الديونيزية " نسبة الى بطلها الاله
ديونيزوس ( باخوس ) الذي يرسله والده زفس ليخلص العالم
من الشرور والاثام ويجلب الخير للبشرية ، ثم يرجع اليه
في السماء ليجلس الى يمناه .
وفي
الكتاب الأربعين من الملحمة ( الأبيات 198- 580 ) يزور
ديوزينوس صور ، موطن قدموس وأوروبا فيتعرف على معالمها
ويعجب بجمال موقعها ، ثم يزور هيكل إلهها ملقارت الذي
يرحب به ويقص عليه تاريخ المدينة وتاريخ سكانها :
" ترك
باخوس بلاد العرب وارفة الظلال مسرعا ً بخطاه ووجهته
سوريا ، راغبا ً في أن يتفرج على موطن قدموس وبلد
الصوريين . وفي أسواقها لفتت نظره المنسوجات الثمينة ،
وأعجب بالأقمشة المطرزة في مشاغل آشور، والمزخرفة بالفضة
من متاجر بابل ، والمناديل المصبوغة بعصارة الصدفة
الصورية .
وتجول في
أنحاء المدينة التي لم يلتهمها البحر كلها ، بل فصلها
على شكل السيدة "لونا" عندما تكون في السماء مقاربة
كمالها لا ينقصها له سوى قطعة صغيرة .
وعندما
وجد اليابسة موصولة بالبحر تملكته دهشة مزدوجة ، إذ إن
صور تقع في وسط البحر قطعة من اليابسة تلتف حولها المياه
من جوانبها الثلاثة ، تستلقي فيها كما لو كانت عذراء
تسبح تاركة ً للمياه الرأس والعنق والصدر ، ناشرة ً
ذراعيها إلى الجانبين ، بينما يضفي الزبد على جسدها
بياضا ً ناصعا ً وترتكز برجليها إلى الأرض ، تضم اليم في
معانقة ٍ متينة . وإزدادت دهشة باخوس عندما دخل إلى صور
الحصينة ، ففيها فقط يجاور راعي البقر ملاح السفينة ،
وسائق الأغنام الصياد يسحب شباكه من البحر ، وعلى أصوات
المجازيف تضرب الماء فاتحة ً طريقها ، تشق سكك الفلاحة
الأرض الغنية الخصبة . وهكذا يختلط في مكان واحد هدير
البحر بضحكات الأطفال وحفيف السنابل ، هنا مرساة سفينة
وهناك شجرة مثمرة ، على هذه الجهة سفن وملاحة وناقلات
وعلى تلك سكة الفلاحة والمواشي مع ناي الرعاة والمناجل
. هنا الشبكة والشراع وهناك الدرع والسلاح .
ولم يسع
الإله عند هذا المنظر إلا أن يهتف : إيه ! هل هذه هي
جزيرة على اليابسة ؟ هل لي أن أقول أنني لم أشاهد قط
جمالا ً كهذا فالأشجار التي تنتصب حتى السماء تتمايل على
نغم الأمواج ، وعندما تتناجى حوريات البحر في مخابئهن ،
تسمعهن جنيات البر اللواتي يرقصن على الأشجار . وعندما
تهب رياح الجنوب على الأمواج وعلى الحقول قادمة ً من قمم
لبنان، تحمل مع النسيم المنعش خصبا ً للمواسم وهدى ً
للملاحين .
أيتها
المدينة الشهيرة مالكة روعة الأرض وفتنة السماء إن البحر
ليقبلك من جهاتك الثلاث !
هذا ما
قاله الإله متمشيا ً عبر المدينة ، متطلعا ً بأعين ٍ
شرهة إلى الجمال المتدفق من كل ما يراه ، ففي الأسواق
ذات الطرق المرصوفة والمعبدة جذب لمعان المعادن وبريقها
عينيه الباحثتين ، وشاهد منزل آجنور وساحته ، وبيت قدموس
والغرفة التي قضت آوربا فيها صباها ، راجعا ً بأفكاره
إلى قصة إختطافها ، ذاكرا ً الإله الثور ، وأعجب كل
الأعجاب بالينابيع القديمة التي تـُفجـِر المياه من
أعماقها ، على أشكال مختلفة وبالتناوب فتتدفق ساعة
وتنقطع ساعة . وبعد أن تأمل كل شيء في المدينة سار إلى
هيكل " مرتدي النجوم " وسيد الكواكب وخاطبه بصوت ٍ خشوع
ٍ عال ٍ : " يا هرقل ، أيها المرصع بالنجوم ، آمر النار
وسيد الأكوان ، يا شمس ، يا راعي الحياة ، يا من يطوف
السماء من طرف إلى طرف ويقود أبناء الزمان – الأعوام –
في نهاية قمرها الثاني عشر إلى مقرها ، يا عين السماء
الصافية ، جالب الشتاء بعد الخريف ومحول الربيع إلى صيف
، لك تحيتي ! "
هذه
الكلمات تدفقت على شفتي الإله ديونزيوس فظهر " مرتدي
النجوم " بصورته الإلهية ومد يده إلى زائره الكبير ،
مشعا ً من لحيته الشقراء ، وإستضاف باخوس على مائدته ،
فسأله هذا بفضول زائد " أيها المرصع بالنجوم ، أخبرني عن
هذه البلاد وعن شكل الجزيرة ! أي إله بنى المدينة ، وأي
إبن سماء وضع تصميمها ؟ من الذي رفع صخورها وثبتها في
البحر من خلق هذه الروعة وأعطى الينابيع أسماءها ؟ من
ربط إلى اليابسة هذه الجزيرة المنشقة عن البحر ؟ "
ورد عليه
هرقل بجواب لطيف أشبع فضوله : " سأخبرك يا باخوس عن كل
شيء فع ِ كلامي . منذ الآزل سكن البشر هنا ، عمرهم كعمر
الكون ، ولدوا يومها من التربة البكر التي لم تفلح ،
وأنشأوا مدينة على أرض صخرية ثابتة لاتزعزعها الدهور ،
وقد بقوا في غفوتهم بينما كانت الأرض تتلظى من حرارة
الشمس ، وكنت أنا ، بقلبي المفعم بالحب للمدينة واقفا ً
على روؤس أبناء الطين فظهرت لهم على صورة إنسان قائلا ً
كلمتي الإلهية وصوت نبوءتي : إنزعوا عنكم هذا النعاس يا
أبناء الأرض ، وبفؤوسكم الحادة إقطعوا سنديانات الجبل
وأصنعوا مركبة ً تسيرونها على سطح البحر وقوموا بمأثرة ٍ
تأخذها عنكم باقي الأمم . قصوا ضلوعا ً للسفينة وأجعلوها
كثيفة ً حول المحور ، وسمروا ألواح الخشب فوق هيكلها ،
وأربطوا الكل رباطا ً متينا ً لاتحله العواصف ، وأعطوا
لمركبتكم شكل السمكة التي تسبح في اليم وأثقلوها
بالحجارة لئلا تتلاعب بها الأمواج لو بقيت خفيفة .
شقوا سطخ
المياه بمركبتكم ، حتى تصلوا الى المكان الذي اختارته
لكم الاقدار . وهناك تجدون صخرتين عائمتين تتقاذفهما
الامواج وتدعيان العنبريتان ( الامبروزية ) لعبيرهما
الطبيعي ، وفي وسطهما شجرة زيتون عظيمة في اعلاها عقاب ،
ومن الشجرة تنبعث السنة من اللهب ، كما تتأجج النيران
عند جذعها ، فتلتهب ولكن لا تحترق . وحول جذعها يلتف
ثعبان مخيف .
امسك
بالطائر النبيه وقدموه قربانا ً لذي الجدائل الزرقاء ،
واسكبوا من دمه على الصخرتين الهائمتين ، فتتوقفا عن
الحركة والدوران ، وتقترب احداهما من الثانية لتؤلفا
جزيرة واحدة ، ثابتة لا تتزعزع ، اسسوا هناك مدينة وسط
البحار ، حصينة من جانبيها.
هذه
الكلمات الالهية اسمعتها لابناء الارض فتململوا من
غفوتهم وفي اذن كل منهم تطن كلمات نبوءتي كما لو كانت
هاتف الوحي الذي لا يخطئ .
وبعدها
اظهرت لهم ايات ثانية دليل محبتي الكبيرة لسكان مدينتي
انا سيد الجزيرة المقبل ، وأخرجت من وسط البحر دلفينا ً
كالسفينة ، يتهادى في سيره بين الامواج ، فامعنوا النظر
مليا ً في هذه " السمكة " وسرعان ما تعلموا منها بناء
سفينة صالحة ، إذ صنعوا زورقا ً على شكل الدلفين وزعوا
في ارجائه اربع حجارة لحفظ توازنه مقلدين بذا البجعة في
هجرتها عندما تحمل ثقالة من الحجارة بين قوائمها كي لا
تبقى خفيفة تتقاذفها الرياح في طيرانها . وتجرأوا
بالنزول بسفينتهم الى اليم فدفعتها الرياح الى المكان
الموعود ، وربطوا زورقهم الى الجزيرة وأتوا الى شجرة
أثينا مفتشين عن العقاب الذي قدم نفسه للهلاك عن طيب
خاطر ، وأمسك ابناء الارض بذي الجناحين الالهي وقربوه
لزفس ولاله البحر . ومن عنق الطائر النبيه سالت دماء
زكية مقدسة أدّت الى ارتباط الصخرتين العائمتين بالاعماق
قرب صور.وعلى صخور لا ينال منها الزمن بنى ابناء الارض ،
المدينة الأم الحصينة .
لقد قصصت
عليك ايها الفاضل ديونيزوس عن شعب هذه المدينة النابع من
الارض لتتعرف على تاريخ اسلافك وأصلهم الصوري .
والآن
اريد أن احدثك عن الينابيع ، لقد كانت في الاصل ثلاث
عذارى كلهن فطنة وذكاء ، لا يردن سماع شيئ عن الزواج ،
فتدخل إيروس " إله الحب " مطلقا ً عليهن سهامه التي تبعث
الرغبة والشوق وجمع في الحب ابناء الارض وحوريات الماء ،
وهكذا توالد أهل صور المنحدرون من الآلهة ".
كل هذا
قصه سيد السماء هرقل على باخوس الذي تنصت اليه بأذن
صاغية وسرور عميق ، وقدم لإله صور كأسا ً ذهبية براقة من
صنع إلهي ، فخلع عليه هرقل جبة موشاة بالنجوم .
وبعد أن
ودع باخوس سيد صور ، الإله بثوب النجوم ، تابع سيره
ووجهته باقي بلاد سورية .
* * *
* * * * *
صور
المدينة التي زارها الاله باخوس ولم يتمالك نفسه عن
الاعجاب بها وعن أن يهتف عند مغادرتها " أيتها العذراء ،
لن اقطن السماء بعد الان لحبي لك ، فمثواك اجمل من
الاولمب " ، صور التي يشيد الكتاب المقدس دوما ً
بمحاسنها : " صور المتوجة تجارها ومتسببوها موقرو الارض
" ، " المعمورة من البحار ، المدينة الشهيرة التي كانت
قوية في البحر وسكانها الذين اوقعوا رعبهم على جميع
جيرانها " ، " الساكنة عند مداخل البحر تاجرة الشعوب " ،
" بناؤوك تمموا جمالك " ، " أية مدينة كصور كاملة
الجمال " ، " عند خروج بضائعك من البحار أشبعت شعوبا ً
كثيرة ، وبكثرة ثروتك وتجارتك أغنيت ملوك الارض " ، "
صور أغنى الشعوب " ، " كومت الفضة كالتراب و الذهب كطين
الاسواق "
صور التي
وصفها القديس هيرونيموس بأنها اشرف واجمل ما شاهد ، كانت
مهمة لدرجة ان الاغريق اطلقوا على المنطقة اسم سيريا
المشتق من صور وهو الاسم الذي لا يزال مخلدا ً حتى الان
في كلمة سوريا .
ونحن
أبناء صور الحاليين لا نرتبط بهذه المدينة العظيمة
بالاسم والموقع فقط، فصور اليوم ، وإن مضى على غفوتها
حوالي سبعة قرون ( منذ 1291)، ما زالت محافظة على اثمن
تراث تركته لها صور الامس : روح المبادرة الشخصية ، التي
كانت تعرض تجارها لمجابهة الاخطار الحقيقية والوهمية ،
والتي لم تمنع سكانها عن ترك رفاهية القصور الصورية ،
مفضلين عليها ان يكونوا الطليعة الهادية وممهدي الطريق
الى اطراف العالم البعيد ، روح المبادرة هذه في ميادين
التجارة والسعي وراء المكاسب والارباح اينما تكن، تتجلى
بوضوح في اكثر من عشرة آلاف مغترب من مدينة ملقرت
وضواحيها ، منتشرين في جميع انحاء المعمورة ، مضحين
بصحتهم ورفاهيتهم في المناطق الاستوائية والصحارى راضين
عن العذاب والحرمان، ليعيدوا الى مدينتهم عزها الماضي
ومجدها السابق .
صور هذه
علينا أن نكتب تاريخها من جديد! ........