صــور في العصـر العثمانـي

 

 إن الصيت الذائع الذي عرفته صور في التاريخ القديم ، وخاصة في العهد الفينيقي ، جعلها محط أنظار الرحالة والمستشرقين والبحاثة والمؤرخين فهي بما إشتهرت به من تقدم عمراني ، وإزدهار ثقافي ، ونشاط إقتصادي خاصة على صعيد التجارة ، جعل منها مركزا ًبحريا ً هاما ًعلى الشاطىء الشرقي للمتوسط .

وتعتبر صور من أقدم المدن الفينيقية وأكثرها حيوية ، فهي كما قال راولنسون في كتابه" تاريخ فينيقيا " : (( إن لم تكن أقدم المدن الفينيقية ، فقد كانت في كل الأدوار التاريخية أهم مدن فينيقيا على الإطلاق )) .

وقد جعلها الرحالة محطة هامة أثناء زياراتهم إلى الشرق ، فإستفاضوا في وصفها . ودققوا بكل ما شاهدوه من آثار لدراسة ما تبقى من أمجاد هذه المدينة ، والمتمثلة في أقنية المياه وينابيع رأس العين والخرائب والكنائس المهدمة إنتقالا ُ إلى مرفأي المدينة في الشمال والجنوب ، أي المرفأ الصيدوني والمرفأ المصري ، إلى الممر الذي أقامه الأسكندر في البحر لوصل المدينة البحرية باليابسة ، وكيف أن الزمن والهزات الأرضية عملت على تدمير صور ، والقضاء على معالم حضارتها بإخفاء الكثير من آثار المدينة القديمة .

ومما لاشك فيه أن الرحالة الذين قصدوها أو مروا بها ، ألقوا الضوء ، من خلال تدوين مشاهداتهم ، على جانب من تراث إحدى أهم المدن الفينيقية والعهود التي مرت بها ، خاصة في الحقبات الرومانية والبيزنطية والعربية والصليبية . ويمكن التعرف بالعودة إلى كتاباتهم ، على أحوال هذه المدينة والدمار الذي ألحق بها ، والإنهيار الإقتصادي والعمراني خاصة في العهد المملوكي ، وفي مرحلة كبيرة من العهد العثماني وكيف أنها بقيت مغمورة ومنسية حتى منتصف القرن الثامن العشر ، عندما بدأ السكان بالتوافد إليها لتستعيد من جديد بعضا ُ من نشاطها وحيويتها .

 ولإلقاء الضوء على أحوال صور ووضعها في العهد العثماني ، لابد من العودة إلى كتب الرحالة الفرنسيين نظراً لغزارتها بالمقارنة مع كتب بقية الرحالة والمستشرقين ، والسبب في ذلك هو الوضع الخاص والمميز الذي حظي به الفرنسيون في السلطنة العثمانية ، كما كان لوجود قنصليات لهم في بعض مدن الساحل اللبناني ، أثر في تشجيع رعاياهم من محبي الإستطلاع والمغامرة لزيارة الشرق وإستكشاف تراثه وحضارته .

سنة 1516 ، وعلى أثر موقعة مرج دابق إنتزع العثمانيون سوريا ولبنان من المماليك وسيطروا عليهما . ودان لهم الساحل بما فيه صور . لكن سلطتهم على المدينة كانت ترتكز على إستيفاء الأموال الأميرية للخزانة السلطانية . تجمع بواسطة ملتزمين يعينهم الوالي من بين الوجهاء والمتنفذين

وبقيت صور على حالها من الخراب والدمار ، كما كانت في العهد المملوكي. وقد حاول الأمير فخر الدين المعني أن يعيد لصور بعض حيويتها لكنه لم يفلح .

 

أوضاع صور الإقتصادية والإجتماعية من خلال كتب الرحالة الأجانب

- الأوضاع في القرن السابع عشر

    لم يكن لصور طيلة هذا القرن شأن يذكر على الصعيدين الإقتصادي والإجتماعي ، إذ أن حالتها في هذا القرن هي إمتداد لما كانت عليه في السابق من خراب ودمار ولم تحظ بأية أهمية لا من قبل السكان المحليين ولا من قبل السلطة الحاكمة . وقد أجمع على ذلك جميع الرحالة الأجانب الذين قصدوها لزيارتها والتعرف إليها . وكذلك الذين عبروها وهم في طريقهم إلى الأراضي المقدسة . ومن الرحالة الذين يمكن الإستناد إليهم للإطلاع  على أحوال المدينة  في هذه الفترة نذكر :

 1- ساندي 1610 :

      سنة 1610 قام الرحالة ساندي بزيارة إلى صور فوجدها لا تزال "كومة من تراب " .  وهذا دليل على أن المدينة كانت مهدمة كليا ،ولم يكن فيها أي عمران أو حياة تسترعي إنتباه وإهتمام هذا الرحالة .

 2- الأب روجيه 1634 :

     زار الأب روجيه صور سنة 1634 ووصف مشاهداته للمدينة بوضعها المدمر وموقعها على بعد 700 أو 800 خطوة من البحر . وقال بأن الوصول إليها يتم عبر ممر بعرض حوالي 50 خطوة أقامه الإسكندر أثناء حصاره للمدينة . كما وصف مرفأي المدينة ، وتوصل إلى معرفة القبر الذي يعتقد بأنه يعود إلى أوراجينوس ويقع على بعد 700 أو 800 خطوة شمال المدينة ، والذي إختفى بين تلال الرمال المكدسة .

3- لوران دارفيو 1658 :

    دارفيو فارس فرنسي قام بزيارة صور سنة 1658 ، وتكلم عن مشاهداته وعما يعرفه عن هذه المدينة وعن الكتاب الذين تكلموا عنها . تحدث عن تاريخها في العهد القديم وعن بقايا قصر كان يقام في الجهة الشرقية للمدينة بقيت بعض آثاره ظاهرة وغير ذلك من الأنقاض التي إستخدمها الأتراك لبناء حصن صغير ، ركزوا فيه حامية عسكرية مع بعض المدافع لحماية الشاطىء ومنع القراصنة من دخول المرفأ  .

كما لاحظ في المكان ذاته  بعض الأعمدة المهدمة ، وقد بنى الأمير فخر الدين الثاني قصرا ً بالقرب من ذلك تدل بقاياه على شيء من العظمة التي كان عليها . وكان مدمرا ً بسبب الإهمال رغم أن الأتراك أجروا عليه بعض التصليحات ، والقسم المتبقي منه يستخدم لإقامة الأجانب الذين يؤمون المدينة، أما صور بحد ذاتها ، فلم يلاحظ من بقاياها إلا كوخا ً وخرائب مدمرة لأبنية لم تعد معروفة ، وبعض المنازل يقيم فيها التجار أثناء مجيئهم إلى المدينة ، وأخرى يقطنها فلاحون يعملون في الأراضي الزراعية المجاورة .

تعرف دارفيو في صور على أحد السماسرة الفرنسيين يعمل وسيطا ً في تخليص البضلئع وأعمال التجارة . وقام هذا الوسيط ويدعى كولر بإستقبال دارفيو ورفاقه وبقي معهم أثناء تجوالهم وحتى مغادرتهم للمدينة .

ثم ينتقل الكاتب إلى وصف آبار رأس العين ، وكيف أن أكثرية مياهها تذهب هدرا ً إلى البحر ، في الوقت الذي يسهل جرها إلى المدينة بواسطة الأقنية ، كما كانت في السابق . لكن السلطات المسؤولة لم تكن لتعير هذه الناحية أية أهمية . ويقول عنها دارفيو أنها تتصف بالكسل والإهمال ، فعوضا ً عن أن تبني ، كانت تعمل على تهديم ماكان قائما ً أو تتركه عرضة للإتلاف . لكنه بالمقابل لاحظ وجود عدة بساتين بجوار المدينة تروى بمياه تجر إليها من ينابيع رأس العين بواسطة السواقي . ومن مكان إلى آخر وعلى مسافات متفاوتة ، كانت توجد بيوت صغيرة يسكنها الفلاحون الذين يزرعون الحقول والبساتين .

وكان السكان المحليون يطمحون إلى بناء منازل جديدة لسكن أولادهم ، فعمدوا إلى التخلص من المنازل القديمة بهدمها وبناء أخرى جديدة مكانها ، وحجتخم في ذلك أن البيوت القديمة لم تكن لتروق لأبنائهم ، ومن الأفضل ترك الحرية لهم بإختيار أبنية تتناسب مع تطلعاتهم وأذواقهم .

وشاهدوا على قمة مرتفعة ومنفصلة وسط الجبل جامعا ً صغيرا ً يتصوف في داخله أحد الدراويش . وفيه ضريح أحد أولياء المسلمين المدعو الشيخ " أبو غرة " . ويعتبر هذا المقام محجة لمسلمي المنطقة ، وهو ذائع الصيت في كل أنحاء البلاد . أما الدخول إليه فليس مسموحا ً إلا لحافي القدمين وبعد غسل الرجلين جيدا . ولهذه الغاية وضعت في الخارج أجران مملؤة بالمياه للإغتسال والتطهر قبل الصلاة ليكون ذلك مقبولا عند الله .

ًومما لاحظه دارفيو أن مرفأ صور كان مخربا ً ومهدما ً ككل المرافىء الواقعة على الشاطىء اللبناني السوري منذ رحيل الصليبيين عن هذه البلاد . وقد جرى ترميمه بعض الشيء في عهد المماليك ، لكنه بقي صغيرا ً وغير صالح للملاحة .

 4 – الأب ميشال نو 1668 :

       قام الرحالة الفرنسي الأب ميشال نو بزيارة صور سنة 1668 ، وأكد مشاهدات أسلافه الذين سبقوه إلى زيارة المدينة في النصف الأول من القرن السابع عشر لناحية وضعها الإجتماعي – الإقتصادي ، إذ كانت لم تزل قرية صغيرة يغمرها الإهمال وبعيدة عن أي إهتمام . وكانت كناية عن مجموعة من الخرائب والأنقاض يسكنها بعض الفلاحين الذين وفدوا إليها حديثا ً . وإنتقلوا بعد ذلك إلى جوار ينابيع رأس العين . ولاحظ أن مشهد المدينة المدمر هو شبه دائري .

 5- كورنليوس لي بريين 1676 :

     سنة 1676 مر الرسام الهولندي كورنليوس لي بريين ، أثناء رحلته إلى الشرق ، في مدينة صور وشاهد بعض بقايا المرفأ الذي إشتهر قديما ً وقد تعرض للخراب وأصبح كأنه خارج المياه . وإنطلاقا ً من كونه رساما ً رسم مشهدا ً للمدينة أظهر فيه الدمار الذي أصاب السور المحيط بها .

 6- جان دو لاروك 1689 :

     كانت فرنسا قد إنتدبت بعض التجار لإستقبال سفينة فرنسية متوجهة إلى مرفأ صور بدلا ً من مرفأ صيدا لأن هذا الأخير لم يكن آمنا ً في فصل الشتاء .

 وكان الرحالة دو لاروك قد قام بزيارة إلى الشرق للإطلاع على معالمه وآثاره . فجاء إلى صيدا ومنها إمتطى جوادا ً وتوجه مع التجار المنتدبين إلى صور بتاريخ 29 كانون الثاني سنة 1689 ، وبرفقتهم عدد من الحراس المسلحين تسليحا ً جيدا ً . وكانوا يدونون مشاهداتهم ويصفون مايونه في الطريق . قطعوا خرائب الصرفند فشاهدوا جامعا ً صغيرا ً تعلوه قبة ، وبالقرب من الشاطىء مقاما ً دينياً  يسمى " مصلى إيلي " والأرجح أنه" مصلى علي " ، وزاوية لأحد الدروايش المتصوفين ، ثم عبروا جسر القاسمية ووصلوا مساء إلى صور منهكي القوى بتأثير الشمس الحارقة في ذلك النهار الكانوني المشمس .

توجهوا أولا ً لملاقاة السفينة الفرنسية التي كانت قد وصلت لتوها إلى مرفأ صور . إستقبلهم القبطان إستقبالا ً حارا ً وأطلق المدافع إحتفاء بوصولهم، وقدم لهم عشاء فاخراً. وكان في نيتهم قضاء الليل داخل السفسنة لكن وبما أن البحر كان هائجا ً ومرتفع الموج ، وجد دو لاروك نفسه خائفا ً ومتعبا ً ففضل العودة إلى البر . وتبعه صحبه وقرروا قضاء ذلك الليل في خرائب مشرعة لأحد القصور ، حيث لانوافذ فيها ولا أبواب .

في صبيحة اليوا التالي ، إهتم الرحالة بالإطلاع على الخرائب ودراسة أحوال هذه المدينة ، فوجدها حزينة وبحالة يرثى لها ، إذ بقي من مجمل معالمها القديمة جزء بسيط من كنيسة كبيرة بناها الصليبيون . كما شاهد بعض أعمدة الغرانيت الواقعة أرضا ً.

بعد تناول طعام الغذاء ، إمتطى جواده وبصحبته أحد التجار الفرنسيين ويدعى السيد مونين دو ليون وتوجها لرؤية ينابيع رأس العين فأعجبوا بها إعجابا ً كبيرا ً .

يستنتج من هذه الرحلة أن صور كانت حتى ذلك الوقت مهدمة ومخربة وليس فيها ما يستحق التوقف عنده إلا بعض الخرائب والأعمدة المهدمة وينابيع رأس العين الغزيرة المياه .

7- ماندريل 1697 :

     عندما زار ماندريل صور سنة 1697 لم ير فيها منزلا ًقائما ً . وقال إن ما رآه هو " بابل من الجدران " . ولم يكن يسكنها يومها إلا عدة صيادين فقراء يعيشون تحت الأدراج والقناطر والقبب المهدمة ، يعتمدون بشكل رئيسي على الصيد البحري . لكنهم ما لبثوا أن هجروها لتعرضهم لهجمات القراصنة وتجار الرقيق الذين كانوا يغيرون عليهم بين الحين والآخر . والأهمية الوحيد التي بقيت لصور في تلك الأيام أنها كانت مقلعا ً لا ينضب من الحجارة الجيدة والرخام ، تنقل بالسفن وتوزع في جميع أنحاء البلاد.

 

الأوضاع اللإقتصادية والإجتماعية لصور في القرن الثامن عشر

 دخلت صور القرن الثامن عشر وهي لم تزل ترزح تحت وطأة الفقر والحرمان وتعيش في غربة كلية عن ماضيها القديم المعروف بعراقته وعنفوانه . وإبتداء من النصف الثاني من هذا القرن زارها العديد من الرحالة الأجانب . ويظهر من خلال مشاهداتهم وكتاباتهم أن صور بدأت تلملم أشلاءها وتضمد جراحاتها المزمنة ، إذ إبتدأت من جديد ، وكطائر الفينيق ، تنبعث محاولة إستعادة بعض عزها ووقفاتها البطولية عبر التاريخ . لكن هذه المحاولات بقيت خجولة ومتواضعة وظلت صور نتيجة لذلك مدينة مهجورة يتآكلها الخراب ويشلها الدمار . وقد تعاقب على زيارتها في هذا القرن عدد من الرحالة سوف نذكرهم بحسب الفترات الزمنية لرحلاتهم .

 

 1- الدكتور شاو 1722 :

     الدكتور شاو هو رحالة إنكليزي زار صور سنة 1722 بهدف إكتشاف الأماكن الأثرية في المدينة ، فرآها قرية شبه مصحرة في ذلك الوقت ، ولم يعثر على أي آثر للمرفأ الذي كان من أبرز خصائص المدينة في العهد الفينيقي .

 

2- الدكتور بوكوك 1737 :

     بوكوك هو بدوره رحالة إنكليزي زار صور سنة 1737 فوجدها خرائب متناثرة وأبنية مدمرة . وقال بأنها كانت لجهة الغرب محاطة بثلاثة أسوار تهدمت مع مرور الزمن .

 

3- هاسكلايت 1751 :

    مع مطلع النصف الثاني للقرن الثامن عشر ، وبالتحديد سنة 1751 زار الرحالة السويدي هاسكلايت صور فلم يجد فيها إلا عشرة أشخاص كانوا يصطادون السمك .

الملاحظ هنا أن هاسكلايت لم يتجول في أنحاء المدينة ولم يمعن في التعرف إلى آثارها وسكانها . ويبدو أن العشرة أشخاص الذين شاهدهم هم صيادون ولابد أن لهم عائلات وأولاد يعيشون معهم داخل المدينة وأن العدد الفعلي للسكان لابد وأنه كان أكثر من ذلك .

وبالعودة إلى التاريخ ، نذكر أنه بعد سنة 1751 بقليل نشأ خلاف بين أحفاد علي الصغير على حكم جنوبي جبل عامل ، إنتهى بتحكيم الشيخ ظاهر العمر، والي عكا ، الذي أعطى صور للشيخ قبلان " فرفض بحجة أنها بلدة خربة ولايوجد بها إلا ملاحة " . فأعطيت للأمير الشيخ عباس بن محمد بن نصار ، من أبناء عمه فجاء إليها وبنى فيها دارا ً للحكومة وشاد مسجدا ً وكنيسة وسوقا ً ودورا ً كبيرة ، وأسكن فيها عائلات كثيرة من المسلمين والمسيحيين  من سكان جبل عامل وجبل لبنان ، وجعلها مقر حكومته .

وأصبحت صور خلال أربع سنوات مركزا ً تجاريا ً ترد إليها السفن التجارية لإبتياع حاصلات البلاد من حبوب وتبغ وقطن وحنطة .

ومن الدلالة على تحسن وضعها الإقتصادي في تلك الفترة ، أنه لما رأى الشيخ قبلان إزدهار صور وتقدم العمران فيها ، ندم على تركها لإبن عمه ، وأخذ يفاوضه ليتنازل له عنها ، فلم يقبل الشيخ عباس وعزم قبلان على الإستيلاء عليها قسرا ً ، وهاجمها بأرعمائة فارس ، مغتنما ً فرصة غياب حاكمها ، ونهب دورها ومتاجرها وحلي نسائها . واللافت أن قيمة المسلوبات بلغت مئة وتسعين الف قرش من عملة تلك الأيام .

 

4- ف . غيرين 1766 :

    يقول الرحالة غيرين أنه حتى سنة 1766 ، بقيت صور مدينة مهملة وفقيرة ، لكن إعتبارا ً من هذه الفترة ، نزح إليها العديد من شيعة المناطق المجاورة فسكنوها وإستقروا فيها وبنوا الجدران المحيطة بالمدينة الصغيرة من الشرق . وقال إن الثقوب كانت تنتشر بكثرة فيها عندما زارها .

 

5- ماريني 1768 :

    ككل الشعوب وخاصة سكان الشرق ، كان لأهل صور عادات وتقاليد يتناقلونها في ما بينهم من جيل إلى جيل ، تعطي فكرة عن أوضاعهم الإقتصادية والإجتماعية وعن شؤونهم الداخلية الوجدانية والعاطفية . فبعد سنتين من رحلة غيرين ، قام الرحالة الإيطالي ماريتي سنة 1768 بزيارة صور وروى عن إحتفال شعبي كان يجري فيها قرب العين فقال : " لقد سمعت من الصوريين أشياء عجيبة عن مياهها ، ففي أوائل تشرين تصبح عكرة ويقارب لونها الأحمر ، على الأغلب بسبب الطين الأحمر الذي تحمله معها ، ولاتعود صالحة للشرب ، فيأخذ الأهالي خمس أو ست جرار من ماء البحر ويصبونها فيها ، فيعود إليها بعد ساعتين أو ثلاث صفاؤها المعتاد ، وهم يفعلون ذلك كل سنة ولايعرفون له سببا ً ، ويقولون أنهم يقلدون آباءهم وأجدادهم في ذلك ، ويطلقون على هذه العملية إسم " زفاف مياه البر إلى اليم  " . وكان هذا الحدث يحضره أهالي المدينة كافة ، فيأتي هؤلاء إلى العين بالموسيقى والغناء ، ثم يعودون إلى بيوتهم بعد صب ماء البحر فيها ، مبتهجين مسرورين ليعودوا بعد ثلاث ساعات ويملأوا جرارهم منها .

 

6- فولني 1782-1785 :

    سنة 1759 تعرض الساحل  اللبناني – السوري لزلازل وهزات عنيفة قضت على معظم المدن . وكان الأكثر تضررا ً مدن إنطاكية واللاذقية وطرابلس وجبيل وبيروت وصيدا وصور . وكان الشيعة بدأوا يستقرون في صور وإتخذوا منها مرفأ لهم وجعلوها قاعدتهم البحرية سنة 1770 .

تطرق فولني إلى وصف صور وصفا ً جغرافيا ً فقال بأنها شبه جزيرة تمتد من الشاطىء بإتجاه البحر بشكل مطرقة ، رأسها بيضاوي قائم على الصخر تغطيه تربة سمراء اللون ، خصبة وصالحة للزراعة .

بالدخول إلى شبه الجزيرة ، نلاحظ أن القسم الغربي القريب من البحر كناية عن بساتين يزرعها السكان ، لكن تربتها تنقصها الخصوبة . إذ أن الأشواك تغلب فيها على مزروعات الخضار وتؤثر سلبا ً عليها . أما الجهة الجنوبية فرملية بمجملها .

وكان سكان القرية يؤلفون من خمسين غلى ستين عائلة فقيرة يعيشون حياة بدائية قاسية معتمدين في معيشتهم على زراعة الحبوب والقليل من الصيد البحري .

أما بيوتهم فهزيلة ، ضعيفة البنيان مصدعة وهددة بالإنهيار . ومن الجهة المواجهة للبحر، لم يكن لها من دفاعات تحميها ، لكن الشيعة الذين سكنوها سنة 1766 ، أقاموا لها جدرانا ً بعلو حوالي العشرين قدما ً كانت لم تزل قائمة حتى ذلك الوقت . وفي الحهة الجنوبية الغربية بقايا كنيسة تعود على الأرجح إلى العهد الصليبي . لم يبق منها إلا جزء من المذبح وبعض أكوام الحجارة ، كما يوجد بالقرب منها عامودان من الغرانيت الأحمر. وكان الجزار أحمد باشا قد نقل جميع الحجارة المهمة وإستعملها في نزيين جامعه في عكا . لكنه لم يقدر على نقل عامودي الغرانيت . وعلى بعد حوالي المئة خطوة خارج المدينة ، وجد برج مهدم فيه بئر ، تأتي إليه النسوة لإستخراج المياه منها ، وهي مياه نقية عذبة وصالحة للشرب .

ثم يذكر فولني حادثة تحول المياه إلى اللون الأحمر والتي ذكرها أسلافه من قبل . وكان يمر من حين إلى آخر قرب قناطر مهدمة ، ولم ير في طريقه إلا بيتا ً واحدا ً مخربا ً وقبر أحد الأولياء المتميز بقبته البيضاء . وكان يمتطي حصانا ً أثناء تنقله من مكان إلى آخر في ضواحي صور . كما صادف وجود ثلاث مطاحن للحبوب تعمل بقوة تساقط المياه .

وتكلم عن أراضي المنطقة ، فقال إنها خصبة يميل لونها إلى السواد وتصلح لبعض المزروعات المحلية فتعطي إنتاجا ً قليلا ً من القمح والقطن .

وأنهى فولني كلامه قائلا ً أن صور في أيامه كانت قرية صغيرة ، فقيرة الحال تتركز التحارة فيها على تصدير القليل من أكياس الحنطة والقطن والصوف . أما أعمال السمسرة فيقوم بها شخص يوناني يعمل في خدمة التجار الفرنسيين الموجودين في صيدا لكن مردود عمله هذا كان قليلا ً وبالكاد يكفيه مع عائلته .

 

الأوضاع الإقتصادية _ الإجتماعية لصور في القرن التاسع عشر 

عرف هذا القرن ثورة صناعية هامة وتطورا ً حضاريا ً ونهضة عمرانية وثقافية برزت معالمها في التقدم الإقتصادي الملموس خاصة في أوروبا . وقد ذلك إيجابا ً على أوضاع منطقتنا التي بدأت تتحفز لنفض غبار الماضي والتطلع نحو مستقبل جديد مشرق يليق بالتراث والتاريخ .

طالت هذه التأثيرات مدينة صور التي بدأت تستجمع قواها البشرية وتتهيأ ولو ببطء ، لمواكبة التطورات الحديثة . وكان ذلك يظهر تدريجيا ً خاصة مع إطلالة الربع الأخير من القرن التاسع عشر . وهذا ما سنلاحظه من خلال كتابات الرحالة الأجانب الذين زاروا صور تباعا ً في غضون هذا القرن .

 

1- لويس دوموازو 1833 :

    سنة 1833 ، زار دوموازو الشرق وجمع مشاهداته في كتاب سماه : " رحلة في سوريا والصحراء " .

إنطلق بزيارته من حلب متجها ً نحو الجنوب ، فزار الساحل السوري ثم دخل لبنان لزيارة مدنه الساحلية وصولا ً إلى صور وهو في طريقه إلى عكا والأراضي المقدسة . وبوصوله إلى صور كان متشوقا ً لمشاهدة آبار رأس العين فقصدها ووصف مشاهداته لهذه الينابيع وما رآه من بعض الأعمدة الأثرية التي كانت لا تزال تحتفظ بشيء من رونقها القديم القديم .

وتحدث عن كوخ لأحد "الأتراك" يقصد بذلك أحد السكان المحليين ، يقطنه شخص مهمته الوحيدة تحضير الطعام وتقديمه للزوار كما يعمد إلى بيعهم الحصر يستخدمونها كبسط ويفرشونها للجلوس عليها أثناء إقامتهم ، لكنها لم تكن من الصنف الجيد النوعية .

وقال إن الزوار كثيرا ً ما كانوا يتعرضون لعملية السطو والسرقة على أيدي أناس من المناطق المجاورة ، يتسللون ليلا ً ويقومون بأعمال النهب والسلب لكن هذه المقزلة تنقصها الدقة والموضوعية ، لأن أبواب صور كانت تقفل ليلا ً ولم يكن الدخول إليها سهلا ً .

ويحكي أنه وبوصوله إلى المدينة ، ربط الحصان الذي كان يمتطيه في بستان مجاور لمكان إقامته تناول طعام الغداء ، ثم تابع زيارته واصفا ً كل ما كان يشاهده ، خاصة ينابيع رأس العين ومنسوب المياه فيها ، موضحا ً أن أحد الأحواض كان معدا ً ومجهزا ً لتشغيل إحدى مطاحن الحبوب . وقال إن السكان كانوا يستفيدون في الماضي من الشلالات ومساقط المياه لإقامة المطاحن التي إندثرت لاحقا ً بفعل أعمال التخريب التي ألحقتها بها جيوش تعاقبت على إحتلال المدينة .

كما وصف الأقنية التي ذكرها فولني في رحلته وقال إنها مبنية بنوع ٍ من الأسمنت القوي جدا ً . وذكر أيضا ً حادثة تحول المياه إلى اللون الأحمر خلال أشهر أيلول ، وكيف أن الناس كانوا يقيمون لذلك الإحتفالات الشعبية . واللافت إعتبار هذه الحادثة بمثابة الأعجوبة . لكن دوموازو كان يدحض هذا الرأي ولو يؤمن به معجزة .

 

2- جيرار دو نرفال 1824 :

    في شهر كانون الأول من سنة 1842 قام الرحالة الفرنسي جيرار دو نرفال برحلة غلى الشرق . في مطلع سنة 1843 وصل إلى لبنان وأبحر من صيدا بإتجاه عكا . توقف قليلا ً ، أثناء إبحاره مع رفاقه في مرفأ صور لنقل بعض السواح الذين إنضموا إليهم ، فقال : إن هذه المدينة لم تكن بأهمية صيدا ، ووصفها بأنها كناية عن شبه جزيرة تكثر فيها البساتين والمراعي . وشاهد أطلال كاتدرائية قديمة يعود تاريخها إلى العهد الصليبي ، وبداخلها قبر فردريك بربروسا الذي غرق في نهر القاسمية .

ونظرا ً لفترة توقفه القصيرة في صور ، لم يأت ِ دي نرفال على ذكر الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية إلا لماما ً ، مكتفيا ً بالإشادة بتاريخها العريق . وذكر أن صادراتها كانت مقتصرة على كميات قليلة من الحبوب المنتجة محليا ً ، يبيعها المزارعون إلى التجار اليونانيين الذين كثر عددهم في المدينة .

3- جول دو برتو 1843 :

    يعتبر جول دو برتو من الرحالة الفرنسيين المشهورين الذين زاروا لبنان لأهداف علمية وسياحية بغية تقصي الحقائق والتعرف على معالم إحدى أهم مدن العالم القديم إنطلاقا ً من إختصاصه في علم الطبوغرافيا .

وصل دو برتو إلى صيدا سنة 1843 ، وتوجه منها برا ً إلى صور بطريق وعرة مخربة ، هي كناية عن أطلال تظهر من خلالها آثار الطريق الرومانية القديمة .

وفي طريقهم كانوا يسجلون مشاهداتهم من مجاري المياه والبرك والخزانات، إلى أكوام الرمال المنتشرة على الشاطىء وفي الممرات ، إلى المنتزهات الطبيعية في صور التي يؤمها أهالي صيدا وعكا للإستجمام ، فيتولد نتيجة لذلك نوع من التعارف والتفاعل الإجتماعي بين سكان هذه المدن الثلاث . ثم وصف مرفأي صور وحدد المسافة بينهما .وقال إن مساحة المدينة البحرية لم تكن تتعدى 576508 أمتار مربعة قبل ربطها باليابسة في عهد الإسكندر.

كما تحدث عن الزلزال الذي ضرب الشاطىء اللبناني سنة 1837 إنطلاقا ً من منطقة البحر الميت فدمر كليا ً مدينة صفد وخلف أضرارا ً كثيرة في مدينة صور . وقد تحدث سكانها بعد أيام من الزلزال قائلين أنهم شعروا ، وخلال بضع دقائق ، وكأن شبه جزيرتهم إنفصلت عن اليابسة وغاصت في أعماق البحر ، وأكد الصيادون إرتفاع المياه أثناء الهزة إرتفاعا ً مخيفا ً مما أدى إلى تغيير بعض معالم الأرض خاصة لجهة الغرب من المدينة . ثم وصف أحواض المياه والينابيع التي يستقي السكان منها وتستعمل أيضا ً لري قسم من بساتين المدينة المزروعة بقصب السكر خاصة في محلة المعشوق .

وبدت صور أثناء زيارته لها ، أقل تعاسة مما كانت عليه عندما زارها ماندريل سنة 1697 . وبلغ عدد سكانها 1200 نسمة يتوزعون مناصفة بين مسلمين شيعة ومسيحيين ويتألف المسيحيون بدورهم من الموارنة والكاثوليك والروم الأرثوذكس .

وتحدث عن مطاحن الحبوب التي تعمل بقوة إنحدار المياه ، منها واحدة تدار من ينابيع رأس العين ، وإن مساقط المياه الموجودة أقيمت من أجل تشغيل المطاحن ومعاصر زيت الزيتون .

ومن الصناعات التي أتقنها الصوريون ، الأرجوان المستخرج صباغه من صفد البحر . هذه الصناعة قديمة العهد في صور إذ أنها كانت السبب الرئيس في شهرتها في التاريخ القديم . عادت هذه الصناعة للظهور من جديد في منتصف القرن التاسع عشر ، لكن منافسة الصناعات الأوروبية لها ، دفع بالصوريين للإحجام عنها من جديد ، كون المصنوعات الأوروبية كانت أقل كلفة وأرخص ثمنا ً مما جعل الناس يقبلون على شرائها بدلا ً من مصنوعات صور .

وقال إن سهل صور خصب جدا ً ، يمتاز بتربته السوداء اللون وبجودة وغزارة إنتاجه . يروى بالمياه المجرورة إليه بواسطة السواقي . وقد عمل السكان على تحاشي ترك المياه تجري على هواها تلافيا ً لتشكيل المستنقعات الفاسدة والموبؤة . وبدت المنطقة في ذلك الوقت كأنها حديقة خضراء وافرة المواسم ، غزيرة الإنتاج . وكانت زراعة قصب السكر مزدهرة جدا ً ، وبالإمكان زراعة الأرز وأشجار النيلة . وإزدهرت فيها أيضا ً زراعة التبغ الجيد والقطن والحبوب المختلفة . وغالبا ً ما كان السكان يتعمدون ترك 6/5 من الأراضي الزراعية بورا ً بغية إراحتها وتهيئتها للسنة القادمة .

ويصف دي برتو سكان صور قائلا ً : " مسكين هذا الشعب غي القادر على جمع الذهب الذي خصته به العناية الإلهية " ، دلالة على خصب الأراضي وغزارة الإنتاج ، لكن إستخدامهم الوسائل البدائية في الزراعة يبقى دون المستوى المطلوب لتحسين أوضاعهم.

 

4- بيدكر 1880 :

    بيدكر هو رحالة ألماني قام برحلة إلى الشرق سنة 1880 ، زار خلالها صور وقال بأن أوضاعها الإقتصادية والإجتماعية تتقدم ببطء ، وأن عدد سكانها بلغ الخمسة آلاف نسمة . وكانت البواخر الكبيرة بدأت تظهر أحيانا ً في مينائها لنقل حاصلات جبل عامل من الحبوب والقطن والتبغ والحرير وأحجار الرحى التي تنقل على ظهور الجمال من حوران إلى صور .

 

5- فيتال كينيه 1896 :

    كان فيتال كينيه مراقبا ً لوزارة الخزانة العثمانية ، وقد إنتدب لهذه الغاية بعد أن غرقت السلطنة بالديون . وكانت مهمته الإشراف على مصادر الأموال وإجراء الإحصاءات .

وفي معرض كلامه عن ولاية بيروت ، يتناول قضاء صور كجزء من هذه الولاية ويصف مشاهداته في نهاية القرن التاسع عشر وعلى مشارف القرن العشرين .

حدد جغرافيا ً قضاء صور ، فقال إنه يقع في القسم الجنوبي لولاية بيروت . يحده من الشمال قضاء صيدا ومن الشرق قضاء مرجعيون ،ومن الجنوب سنجق عكا ، ومن الغرب البحر المتوسط .

 

 التقسيمات الإدارية

  قسمت صور إداريا ً إلى نواح ٍ ثلاث :

·       تبنين .

·       قانا .

·       معركة .

 

  تؤلف مجتمعة 133 بلدة وقرية ومزرعة .

   

سكان القضاء

 بلغ مجوع سكان قضاء صور 16443 نسمة ، وقد بلغ عدد المسيحيون منهم 10702 نسمة والمسلمون 5722 نسمة والأقليات 18 نسمة . هذا بالنسبة للقضاء بشكل عام ، أما المدينة ، فبلغ عدد سكانها ستة ألاف نسمة ، 2722 منهم مسلمون و3260 مسيحيون.

 

حاضرة صور

ويضيف كينيه بأن صور هي مركز قضاء يحمل الإسم نفسه ، ومحل إقامة القائمقام ، ونائب الحاكم ، وكرسي مطران الروم الملكيين ، الذي يحمل لقب مطران صور . وفيها محكمة الدرجة الأولى المدنية والجزائية . وتطبق بحسب الأوضاع القانون البدائي أو الشريعة الإسلامية ، وتضم أيضا ً مكتب بريد ومحطة تلغراف للخدمات الداخلية وغيرها .

 

المدارس

كان يوجد في صور مع نهاية القرن التاسع عشر سبع مدارس منها واحدة ثانوية وست إبتدائية وتكميلية ، تضم 689 تلميذا ً ، منهم 420 تلميذا ً ذكرا ً و269 تلميذة .وهذه المدارس هي :

·       الثانوية الإسلامية .

·       تكميلية ملحقة بالجامع .

·       فرنسيسكان إبتدائية للصبيان .

·       كاثوليك إبتدائية للصبيان.

·       راهبات مار يوسف للبنات ، إبتدائية .

·       روم أرثوذكس إبتدائية للصبيان .

·       بروتستانت إبتدائية مختلطة .

 

 الأوضاع الإقتصادية :

كانت مساحة صور الإجمالية أثناء زيارة كينيه لها حوالي 576508 أمتار مربعة .

وبسبب تراجع أعمال الزراعة والمزروعات ، بدت المدينة حزينة ، ولا يزينها إلا بعض أشجار النخيل . لكن جمالها يكمن في موقعها القائم على البحر وفي المنحدرات الجبلية المطلة عليها من جهة الشرق .

لم يكن للتجارة والملاحة أهمية تذكر ، لأن التجارة الخارجية كانت حكرا ً على بيروت بشكل عام . وإقتصرت صادرات صور على كميات قليلة من الحبوب والقطن والتبغ ومنتجات أخرى مصدرها حوران .

وكان القمح يتصدر المحاصيل الزراعية في قضاء صور ، يليه في ذلك الذرة والذرة البيضاء والفول والعدس والبزلياء والسمسم والفواكه والتين والعنب والخرنوب وغيره . إضضافة إلى الزيتون الذي يستخرج منه الزيت والتبغ والقطن والتوت الذي يساعد في إنتاج الحرير .

 

نويل فيرني وجورج دامبمن ، 1900 :

    زار هذان الرحالتان صور سنة 1900 ، ووجدا أن المرفأ الجنوبي للمدينة ، المسمى المرفأ المصري ( هذه المنطقة تعرف حاليا ً من قبل أهالي المدينة بإسم " الجمل " والمرفأ المصري هو المنطقة الواقعة بالضبط مقابل المقاهي البحرية هناك ) ، قد غطى بالمل كليا ً . أما المرفأ الشمالي وهو المرفأ الصيدوني ، كان الوحيد الصالح للملاحة ، إذ يستقبل المراكب الخفيفة المحمولة ، وبالإمكان توسيعه دون كلفة مادية كبيرة . وكان على البواخر الكبيرة نسبيا ً إلقاء المرساة والتوقف على مسافة من المرفأ قبل أن تأتي المراكب لنقل البضائع .

 

 إستنتاج أخير :

 يستنتج مما تقدم أن إنحطاط صور وتعثر تقدمها إستمر فترة طويلة إمتدت منذ الزلزال الكبير الذي ضرب المدينة سنة 1202 وحتى الربع الأخير من القرن الثامن عشر ، عندما بدأت المدينة تستعيد بعض نشاطها وحيويتها ، وأخذ الناس يتوافدون للسكن فيها . لكن الزلزال الأخر الذي حصل سنة 1837 عاد ليؤخر من جديد حركة تقدمها ويحد من عجلة إندفاعها . وفي النصف الأخير من القرن التاسع عشر وعلى مشارف القرن العشرين ، بدأت صور تستقطب إهتمام السكان أكثر فأكثر فشرعوا بالإهتمام بالزراعة وتربية الماشية والعمل في الصناعات الخفيفة وإمتهان الصيد البحري . وساعد في ذلك جو الإستقرار العام الذي عرفته المنطقة . ودأبت صور على التقدم والسعي نحو الأفضل حتى وصلت إلى ما هي عليه الأن من وجه مشرق ومتقدم في مختلف المجالات خاصة على الصعيدين الإجتماعي والإقتصادي.

 

رجــوع

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©