الرواد الاوائـل في الهجـرة

 

الرواد الأوائل في هجرة سكان مدينة صور

إلى افريقيا الغربية

طبيعة هجرة الأوائل:

من بين رواد الهجرة من مدينة صور "حسن ابراهيم بارود" والذي يمكن اعتباره أول مهاجر على صعيد الهجرة الحديثة لسكان المدينة باتجاه افريقيا الغربية ، فقد غادر الى السنغال عام 1895 بضغط من منهجية الدفع في المجال الأقتصادي . كان والده ، الشيخ ابراهيم بارود "مدرّس كتَّاب" في منزله . كان قد لقنه القراءة والكتابة ، واختتم القرآن عدة مرات ، وكان يهيئه ليصبح مدرّساً ليتابع مهنة التعليم ، لكن "حسن" وهو الابن البكر ، رفض هذا الميراث ونزح الى العاصمة بيروت حيث اشتغل عاملاً في المرفأ لمدة عام ، ثم أبحر إلى مارسيليا ، وهناك أشار عليه أحد المغاربة كي يتابع هجرته الى السنغال ، فدخلها عام 1895 بعد أن بلغ 22 عاماً من عمره ، عمل في صيد الأسماك ثم افتتح دكاناً لبيع الأقمشة . عاد إلى لبنان عام 1919 بهدف الإقامة لكنه جدد هجرته الى السنغال ستة أشهر مصطحباً معه أشقاءه الثلاثة ، كما استولد ثلاثة أبناء ، جميعهم يعيشون ، هم وأسرهم في السنغال ، من بينهم شقيقه الأصغر، "محمود ابراهيم بارود" الذي كان أحد دعائم الجالية اللبنانية هناك ، يعرف مكانته كل من قابلتهم في إطار هذا البحث ، وكان قد توفي في مدينة صور عام 1965 ، وتفيد المعلومات الميدانية أن "حسن ابراهيم داوود" كان ميسوراً دون أن يكون من الأثرياء ، وقد توفي عام                                                1939 في السنغال .   

الرائد الثاني في الهجرة الحديثة لسكان المدينة ، كان "نعمان جبران القبطي" الذي هاجر الى شاطىء العاج في مطلع القرن . تفيد المعلومات الميدانية أن "نعمان" كان في الخامسة عشرة من عمره حين صادرت السلطة التركية أرزاق وأملاك العائلة في صور ورأس العين والقاسمية ، إذ أن والده "جبران" وهو عميد آل قبطي أبدى ميولاً سياسية تجاه الفرنسيين ، خاصة أنه كان ، خلال العقد الأخير من القرن التاسع عشر ، المدعي العام في مدينة صور . وتجنباً لبطش الأتراك ، اختار "نعمان" إثر وفاة والده الهجرة الى أفريقيا ، واستقر في شاطىء العاج حيث عمل في تجارة محصول "الكولا" في قرية "غراند بسام" . لكن تجارته لم تزدهر إلا بعد اتصاله بشقيقه "لويس" الذي كان قد دخل السنغال عام 1918 ، وبعد سنوات قليلة أصبح نعمان وأخوه لويس من كبار أثرياء المهاجرين اللبنانيين في افريقيا . لم يكف السيد نعمان عن زيارة مدينة صور والإقامة في منزل والده داخل الحارة القديمة في المدينة ساعده على زيارة مسقط رأسه ، سنوياً ، وضعه الإقتصادي الممتاز . وتوفي عام 1973 في مدينة صور خلال إحدى زياراته                                                .

وتفيد المعلومات الميدانية أن "نعمان القبطي" كان السبب المباشر في هجرة جميع أفراد آل القبطي إلى شاطىء العاج والسنغال . ويمكن القول إن "نعمان" القبطي كان سبب "انقراض" آل القبطي كعائلة مقيمة في مدينة صور ، فهم جميعهم يقيمون في أفريقيا ، وعلاقاتهم توهن شيئاً فشيئاً بالوطن الأم ، ولم يعد منهم الى لبنان سوى ابنه "ايلي" المذكور أعلاه . كما أن "نعمان" كان السبب المباشر في هجرة العديد من أنسبائه من آل حداد  ومن أبناء مدينة صور .

الرائد الثالث في الهجرة الحديثة لسكان المدينة كان "أحمد مصطفى قشور"، الذي هرب من الفقر عام 1903 دو أن يعرف والده وجهة هجرته . وأغلب الظن أنه هو نفسه لم يكن يعرف إلى أين يهاجر . لم يعرف عنه شيء إلا بعد عودته عام 1913 من سيراليون . وبعد أيام قليلة على وصوله ، اعتقلته السلطة التركية لإمتناعه عن تأدية خدمة الإحتياط ، ثم نقلته الى اسطنبول حيث تسنّى له الهرب عام 1916 ليجدّد هجرته إلى سيراليون . بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عاد إلى مدينة صور ليصطحب معه اثنين من أشقائه ، ومات في سيراليون ودُفن فيها عام 1992 من عمر تجاوز الخمس سنوات بعد المئة .

تشير معظم الأبحاث الوثائقية والأبحاث الميدانية إلى أن الرواد الأوائل في مطلع هذا القرن عانوا شظف العيش وواجهوا الأمراض وقسوة الحياة وعنف العمل المتواصل المرهق ، فقد تركوا الفقر وراءهم وقرروا البقاء في المهجر مهما كانت الظروف في سبيل تحقيق رغباتهم وطموحاتهم المادية والمعنوية . ولا يختلف مهاجروا مدينة صور عن زملائهم رواد الهجرة اللبنانية إلى أوروبا وأميركا في المعاناة الأولى سوى أنهم ، في أفريقيا ، عاشوا في بلد يفتقر الى الحد الأدنى من وسائل الراحة والاطمئنان ، ناهيك عن فقدان شبه كامل للرعاية الصحية والغذائية ، خاصة أولئك الذين تنقلوا بحكم عملهم وتجارتهم الأولى بين الأرياف الأفريقية فأمضوا سنواتهم الأولى في بؤس شديد وقسوة لم يواجهها المهاجرون اللاحقون به . أكثريتهم الساحقة تركوا الوطن فقراء معدمين ، باعوا آخر ما يملكون من أثاث أو عقار لتسديد تكاليف السفر الذي كان يطول أحياناً لمدة أشهر . ولأن هدفهم كان التخلص من الفقر والسعي إلى جمع الثروة ، برعوا في ابتكار وسائل وأساليب الادخار كخطوة أولى لتراكم رأسمال يوظفونه في سبيل تجارة أو نشاط اقتصادي يتوخون منه طريقاً لجمع الثروة . لذا ، كانت محالهم الأولى هي "الكشة" ، بحيث لا يدفعون بدل إيجار . وحين ارتقت أعمالهم من "الكشة" إلى الدكان ، كانوا ينامون داخل حوانيتهم ليدخروا بدل إيجار منازلهم . كان النوم في الحوانيت هو السمة الغالبة للبنانيي أفريقيا، حتى أن بعضهم يسعى لاستئجار محل يكون الحاجز الخشبي بداخله (الكونتوار) عريضاً بما يسمح باستعماله للنون ، مدخرين بذلك مصاريف أخرى .

تلك كانت بعض سمات الحياة التي عاشها الرواد الأوائل من مدينة صور ، وهي لا تختلف من حيث طبيعة وحدة البؤس والمعاناة عن سمات حياة الرواد الأوائل للهجرة اللبنانية العامة . أما المهاجرون اللاحقون ، خاصة في الأربعينات والخمسينات وما بعدها ، لم يلقوا صعوبات كبيرة في بداية هجرتهم، وعاشوا في ظروف أقل قسوة وبؤساً ، فقد تلقوا العون من أبناء بلدتهم ، من سكان المدينة أو من اللبنانيين الآخرين ، إلا أن القسم الأعظم منهم لم يحقق الهدف الرئيسي من هجرته ، فالأغنياء منهم كانوا قلة نسبة للمجموع، نجدهم خاصة في المدن الرئيسية ، فيما الباقون حققوا نجاحات متوسطة في مستويات العيش ، يمارسون حياتهم ببحبوحة لا تسمح لهم بتشكيل ثروة كبيرة، وهم القسم الأعظم من مهاجري المدينة الى أفريقيا الغربية ، أما الباقون ، وإن كانوا قلة، مازالوا حتى اليوم يعيشون كفاف يومهم ، ولا يملكون تكاليف العودة إلى وطنهم فيما لو تجرأوا على إعلان فشل هجرتهم وضياع سنوات عمرهم .

 

رجــوع

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©