لم يتسبّب
إنتقال السلطة من السلوقيين إلى الرومان ، بالنسبة لدول
الشاطىء الفينيقي، بحرمانها من إستقلالها ، بل إنَّ
الرومان إعترفوا بهذا الإستقلال الذاتي واحترموا
مقوّماته . وكان اميليوس سكورس ، مفوّض بومبيوس في صور
وآمر قواته ، يظهر كثيراً من التقرّب والتودّد للمدينة ،
حتى أنها إحتفلت حوالي سنة 60 ق م بالمناداة به حامياً
لها .
واستفدت
صور تجارياً من توطيد السلطة الرومانيّة التي أحلّت
النظام بعد الفوضى التي سادت من جراء المنازعات
السياسيّة ، ومن تطهير البلاد من عصابات القراصنة التي
كانت موانىء المتوسّط الشرقيّة تعج بها .
و كان على
صور قبل أن تنعم " بالسلم الروماني
Pax Romana
" أن تتحمّل ويلات الحرب الأهليّة الرومانيّة ، إذ هرب
باسوس ، أحد أنصار بومبيوس ، بعد موقعة فارساليا سنة 48
ق م إلى صور وأخذ يحرّض الجنود والسكّان على يوليوس قيصر
، الذي كان مشغولاً بحروبه في أفريقيا، ثم أعلن
إستقلاله بحكم سوريا . وبعدها بخمس سنوات تمكّن كاسيوس
لونجينوس قاتل يوليوس قيصر من أن يصبح سيّد سوريا كلها ،
فعرف كيف يستغلّها لملء جيوبه وجيوب حاشيته ، ونصب
ماريون ملكاً على صور ، وكان محبوباً جداً من سكانها .
وبدأ
ماريون حال تولّيه الحكم سياسة توسّعية ، فضم الجليل الى
الممتلكات الصوريّة، ولكنه اضطر ، بعدما اتخذه هيرودس
ضده من تدابير ، إلى أن يرجع قسماً منه .
و بعد
موقعة فيلبي في مقدونيا ، التي انتصر فيها اوكتافيان
وأنطونيوس على بروتوس وكاسيوس ، كان الشرق من نصيب
أنطونيوس ، فألغى التدابير التي اتخذت في عهد سلفه ، كضم
الجليل إلى صور واسترقاق اليهود وبيعهم، ثم خلع ماريون .
و عندما
وهب انطونيوس الساحل الفينيقي ومدنه سنة 36 لكليوبترا ،
استثنى صور وصيدون من هذه الهبة " نظراً لإستقلالهما
المورث منذ أقدم الأزمنة " ، وبالرغم من أن كليوبترا
كانت ترغب في الحصول على هاتين المدينتين، قد ظلَّ
أنطونيوس محافظاً لهما على إستقلالهما وقد أظر الصويون
إمتنانهم الكبير لأنطونيوس ، فأحلصوا له وتعلّقوا به .
وعند مجيء
اوغسطس قيصر إلى الشرق في سنة 20 ق م ، حُرمت المدينتان
من الإستقلال الذاتي الذي كانتا تتمتعان به ، ولكن هذا
لم يدم طويلاً، إذ يصف سترابون الذي زار صور بعدها بقليل
ـ حوالي سنة 20 م ـ المدينة بأنها مستقلة و تتمتع
بالامتيازات والتسهيلات ذاتها التي كانت لها أيام
البطالسة والسلوقيين .
وأحدث
دخول المسيحية إلى صور تغيراً جذرياًَ في حياة المدينة
وتاريخها .
ويرجع
إنتشار المسيحية في مدينة ملقرت إلى زمن ظهور السيد
المسيح ، ومن الممكن أن تكون شهرة الناصريّ في الجليل
وصلت إلى فينيقيا في أوائل تبشيره برسالته : " والذين
حول صور وصيداء جمع كثير ، إذ سمعوا كم صنع ، أتوا إليه"
.
وقد قام
يسوع بزيارة ضواحي هاتين المدينتين ، وقرب صور شفى
إبنة المرأة الفينيقية السورية .
وحوالي
منتصف القرن الميلادي الأول كانت في صور جالية مسيحيّة
، بين أعضائها جماعة من مسيحييّ أورشليم الذين لجأوا
إليها " من جراء الضيق الذي حصل بسبب استفانوس ،
فاجتازوا إلى فينيقية " .
و زار صور
سنة 57 م . بولس الرسول عند عودته من رحلته الثالثة ،
فوجد فيها كنيسة أنشاتها جالية المدينة ، وهي من أولى
الكنائس التي انشئت في تاريخ المسيحيّة ، وقد تبعته
الجالية وكانت مؤلفة من نساء ورجال واطفال ، إلى المرفأ
، حيث ركع الجميع وصلّوا : " وأقبلنا إلى صور لأن
السفينة كانت تضع وسقها هناك ، فلما صادفنا التلاميذ
مكثنا هناك سبعة أيام ... ولما قضينا الأيام خرجنا
وسرنا وهم يشيعوننا بأجمعهم مع النساء والأولاد إلى خارج
المدينة ، فجثونا على الشاطىء وصلّينا . ثم ودّع بعضنا
بعضاً وركبنا السفينة " .
وفد قويت
الطائفة بعدها وزاد عدد أفرادها وأصبح لها أهمية بالغة
في حياة المدينة وتاريخها .
وعند تولى
الأمبراطور كلاوديوس مقاليد الحكم في روما (41 ـ 54 م)
سمح للصوريين ان يطلقوا على مدينتهم إسم " كلاوديابولس "
(مدينة كلاوديوس) دليل عطفه عليها وتقديره لها وإعجابه
بتاريخها وحيويتها .
وقد بوشر
في سنة 56 م . في عهد الإمبراطور نيرون بشق الطريق
الدولي الذي يمتد من إنطاكية إلى مصر ، ماراً بصور
وبتولمايس (عكا) . ولم تكن أهمية هذا الطريق تقتصر على
النواحي العسكريّة ، بل ان صور قد استفادت منه كثيراً من
الناحية التجاريّة .
وفي أيام
الإمبراطور فسبسيان (69 ـ 79 ) بدات صور بإصدار النقود
للولاية السورية كلها ، إلى جانب النقود التي كانت تصكها
كمدينة ذات إستقلال ذاتي .
واشتركت
صور سنة 66 م مع باقي المدن الفينيقية وفلسطين بملاحقة ،
مبرهنة بذلك على ولائها الشديد للرومان .
وفي أيام
الإمبراطور ترايان (98 ـ 119) ذاعت شهرة صور بصك النقود،
فجعلها هذا الإمبراطور أهم مركز لصكّها ، وأصدر فيها
تترادرخمات فضية تحمل صورته على أحد وجهيها ، وملقرت أو
إحدى شعاراته على الوجه الآخر ، وجعلها قيد التداول في
مناطق كثيرة ، مستفيداً من نشاط الصوريين التجاري لتقوية
النفوذ الروماني في تلك الأنحاء .
وبعد كلمة
بليغة ألقاها الخطيب الصوري باولوس امام الأمبراطور
هدريان (117 ـ 138) منح الامبراطور صور لقب متروبولس
(الحاضرة أو العاصمة) واضعاً بذلك حداً للنزاع بين صور و
صيدون على هذا اللقب ، وقد ساند هذا الامبراطور جهود
الصوريين الرامية إلى الحلول محل إنطاكيا كمركز ديني لكل
المقاطعة السورية .
وعلى إحدى
الكتابات التي عثر عليها في بوتيولي ، أحد مراكز تجارة
الصوريين ، وأكبر مدينة تجارية إيطالية في العهد
الروماني تظهر صور كمدينة " مستقلّة مقدّسة وحرام ،
وعاصمة فينيقيا " .
وأخذت
أهمية صور التجاريّة والسياسيّة تزداد يوماً بعد يوم ،
حتى طغت على مركز صيدون التي كانت قد إنتزعت منها
الزعامة لفترة .
وفي سنة
193 حدث ما يعكّر الجو السياسي في صور ويضرّ بهذا
التقدم ، إذ كانت المدينة ضحيّة للنزاع على عرش روما ،
الذي نشب بين نيجر والي سوريا ، وسبتيموس سفيروس والي
بابونيا ، وكان نيجر يقود قوات الشرق ، ولكن صور
ولاوديسيا أيدتا سفيروس . وعندما وصلهما أن نيجر أخفق
في صد سفيروس عن ممرات طورس ، اعلنت المدينان ولاءهما
جهاراً لسفيروس ، ودمّرتا إشارات نيجر العسكريّة وأعلامه
، فأرسل هذا قوات موريتانية لتدمير المدينتين و وضع
الحدّ على سكانهما ، فقام هؤلاء بما أوكل إليهم ونهبوا
صور وأحرقوها بعد إراقة كثير من دماء أهلها .
وبعد
هزيمة نيجر سنة 194 كافأ سفيروس صور على ولائها و
إخلاصها فأعاد إعمارها وجلب إليها سكّاناً جدداً كان
اغلبهم من الفرقة الثالثة التي كانت ترابط في المنطقة .
وساعد صور
على سرعة إزدهارها ما عمد إليه سفيروس من تقسيم سوريا
إلى ولايتين : سوريا الداخلية وسوريا الفينيقية ، وقد
انتدّت سوريا الفينيقيّة إلى أكثر بكثير مما كانت تمتد
فينيقيا ، فشملت حماة (اميزا) وتدمر ، وجُعلت صور
عاصمتها ومركز مجلسها الاتحادي (koinon)
ومقر رئيسه .
وبعد قليل
رفع الامبراطور صور إلى درجة مستعمرة تتمتع " بالشرع
الروماني
Jus Italicus
"
وكل الإمتيازات التابعة لهذا اللقب ، كاعتبارأهل
المستعمرة رعايا رومانيين ، لهم ما لأبناء روما من
الحقوق ، واعفائهم من الضرائب الثلاث : الخراج والجزية
والمكوس ، والسماح لهم برفع دعاويهم من ديوان الحاكم
المحلي إلى ديوان الامبراطور في روما ، وأصبحت المدينة
تحمل لقب : "صور العاصمة مستعمرة سبتيموس سفيروس " ،
ومقراً للكتيبة الرومانية الثالثة .
ونزع
إيلوجبال (إله الجبل) (218 ـ 222) عن صور الزعامة ولقب
المستعمرة ومنحهما لصيدون وحماة ، كما أنه نقل منها
الكتيبة الثالثة إلى صيدون .
ولكن صور
إستعادت ، بعد مصر إله الجبل الفاجع في شوارع روما ،
حقوقها كاملة وأصبحت من جديد مقراً للكتيبة الثالثة .
وشهد
العام 250 ـ 251 اضطهاداً عاماً للمسيحيين في كل
الامبراطورية الرومانية بناءً على اوامر الامبراطور
دسيوس الذي كان يرغب في احياء الديانة الرومانيّة
الوثنيّة ، فزجَّ من جراء ذلك بكثير من المؤمنين في
ظلمات السجون ، وبينهم المعلم الكنسي الكبير أوريجين
الذي تعرّض لأقسى أنواع العذاب و وضع في قيد من الحديد .
وعندما أطلق سراحه بعد أن هدأت حركة الإضطهاد وخفّت
الملاحقات ، كان عليل الجسم متهدماً . وبتأثير العذاب
الذي قاسى منه في السجن ، قضى سنة 253 شهيداً .
ولم تستطع
الملاحقات المتواصلة و الإضطهاد الشديد أن تقضي على
كنيسة صور ، التي أصبحت منذ نهاية القرن الثاني مقراً
لأسقفية مسيحية ، فيبرز مارينوس مطران صور " كألمع
أساقفة الشرق و أشهرهم " في هذه الفترة .
خلال هذا
القلق الديني ، كانت صور ماضية في الإزدهار و الإنتعاش
في تجارتها وصناعتها ، وخصوصاً صناعة الأرجوان الصوري
حتى ان روما احتفظت لنفسها بحق الإشراف على هذه الصناعة
فيها .
وفي عهديْ
ديوكلسيان (284 ـ305) ومكسيمين (305 ـ313) أصبحت المدينة
من جديد مسرحاً لأعمال العنف و الإرهاب ، فأهل صور الذين
كانوا لا يزالون على دين آبائهم ـ دين ملقرت وعشترت وبعل
شميم ـ أرعبتهم النجاحات التي كانت تحرزها ديانة يسوع في
مدينة ملقرت ، فاستنجدوا بالسلطة الرومانية لوضع حد
لتوسع المسيحية و انتشارها بينهم ، كما يتضح من المنشور
الذي وجهه مكسيمين إلى أهالي صور ، رداً على عريضة
تقدموا بها إليه :
" يحق
لمدينتكم أن تفخر بأنها مقر الآلهة الخالدين ومكان
إقامتها ، وهذا واضح من البحبوحة و النعم التي تتمتع بها
المدينة ، لسكنى آلهة السماء فيها.
وجلي أن
هذه الفكرة المنقذة قد هدتكم إليها الآلهة لتقواكم
وإيمانكم ، ومن الأكيد أن زفس السامي والعظيم الذي يرئس
على مدينتكم المشهورة ، والي يحمي آلهة آبائكم من كل
فساد ، ويصون نساءكم وأطفالكم ومنازلكم ، هو الذي أرشد
أرواحكم إلى هذه الإرادة المحرّرة .
... وإذا
ما بقوا على ضلالهم وتمادوا في غوايتهم ، فانبذوهم
بعيداً عن مدينتكم وعن جوارها " .
وفي سنة
313 إنتصر قسطنطين على مكسنسيوس على أبواب روما وأصدر
بيان ميلان الذي يضمن فيه الحريات الدينية و "حق كل
امرىء بممارسة طقوسه الدينية حسب رغباته " ، وسرعان ما
فتحت السجون المكتظّة بالمؤمنين أبوابها ، ولم يعد
الأتقياء بحاجة لإداء صلواتهم وإقامة شعائرهم في
المخابىء والسراديب ، وأعيد بناء بيوت الله في كل مكان ،
وقامت صور الغنيّة المترفة ، بتوجيه وإشراف مطرانها
الأسقف باولينوس ، بين 313 و 323 ، بإنشاء كنيسة جديدة
على أنقاض تلك التي هُدمت خلال أحداث سنة 303 ، كانت
أروع وأجمل من كل ما ارتفع وشيّد من قبل .
كانت هذه
الكنيسة أفخم ما شيّد في فينيقيا كلها ، وأقدم كاتدرائية
مسيحيّة على الإطلاق ، بُنيت قبل كنيسة القيامة فوق
القبر المقدّس في أورشليم بعشر سنوات ، وقبل كنيسة المهد
في بيت لحم التي شيدتها الامبراطورة هيلانة حوالي سنة
330 . وإذا كان هيكل ملقرت في صور أقدم ما تعيه ذاكرة
البشرية ، فإن كنيسة صور كانت أقدم ما أنشىء من
كاتدرائيات في تاريخ المسيحيّة .
وأمام
جماعة كبيرة من ألمع شخصيات ذلك العصر ، ألقى المؤرخ
الكنسي أويزيب كلمة الافتتاح ، مضمناً إياها وصفاً
مفصلاً للكنيسة وكيفية إنشائها ، أصبح ذا أهمية تاريخية
كبيرة ، بوصفه أقدم وصف لدينا لكنيسة مسيحيّة .
وحوالي
سنة 330 م إقتطع الامبراطور اقتطع الامبراطور قسطنطين من
ولاية سوريا الفينيقية التي كانت صور عاصمتها ، نصفها
الشرقي ودعاه " الولاية العربية اللبنانية العظيمة "
Province Arabia Augusta Libanensis
" ولكن خلفه كونستانس أبطل هذا التدبير وأرجع إلى صور
الولاية المفصولة .
ولم يحدث
خلال القرنين الثالث والرابع ما يعيق تقدّم صور التجاري
والصناعي ، حتى أواخر القرن الرابع عند زحف قبائل الهون
على سوريا وتهديدها لصور ، وقد إضطرت المدينة إلى أن
تتخلّى عن ممتلكاتها البريّة وإلى أن تنسحب منها .
والظاهر
أن هذا الخطر قد مرَّ بها مروراً عابراً ، إذ تظهر في
اواخر القرن الرابع و أوائل الخامس مدينة غنيّة مزدهرة
حافلة بالتحف والكماليّات ، مواطنوها محترمون ومنظورون ،
مشهورة بملعبها الشعبي (السيرك) وحيواناته وممثليه .
وعندما
زار صور القديس هيرونيموس (340 ـ 420) وجدها في ازدهار
وعمران عظيمين منعاه أن يصدق أن هذه المدينة هي التي
تنبأ لها حزقيال بالخراب التامّ ، وأثنى على مرفئها الذي
يستقبل السفن من جميع الأنحاء ، ووصفها بأنها "سوق الجزر
الكثيرة " .
وقسمت
فينيقيا حوالى سنة 400 م مجدداً إلى ولايتين : فينيقيا
البحرية أو سيرو ـ فينيقيا وفينيقيا اللبنانية و ولي على
الأولى قنصل ، بينما تولى الأحكام في الثانية رئيس
Praeses
وقد بقيت صور عاصمة الأولى ـ فينيقيا البحريّة ـ حتى
الفتح العربي .
وفي سنة
501 ـ 502 تعرّضت صور لهزة أرضية عنيفة ، ولكن المدينة
تغلّبت بسرعة على هذه الكارثة الطبيعيّة ، إذ كان الترف
والغنى يسودان جوّها عندما زارها الرحّالة بلاسنتينوس
حواي 570 م .
وترك لنا
أنطونيوس الشهيد ، أحد الحجاج إلى الأماكن المقدّسة ،
صورة مماثلة عن المدينة في ذلك الزمن ، فقد روى " أن في
صور رجالاً ذوي نفوذ كبير ، ولكن الحياة فيها خليعة
والترف والمجون فيها لا يمكن وصفهما، وفي بيوت عموميّة ،
وتحاك في مشاغلها منسوجات الحرير وانواع كثيرة من
الأقمشة " .
وفي أوائل
القرن السابع (604 ـ 628) تأثّرت صور كثيراً بغزوات
الفرس على فينيقيا وسوريا وفلسطين ، وساند اليهود
المقيمون فيها الفرس وأخذوا يقتلون مسيحيي صور ويهدمون
كنائسهم ، ولكن الصوريين استطاعوا بعدها أن ينتقموا
لأنفسهم شرّ انتقام .