قاسم جواد : الى اللقاء عندما تصبح صور مكاناً افضل لابنائها !

 

موقع يا صور - 18/8/2007

- المحرر -

هو وطن لم يعد فيه لابنائه مكان ، هو وطن ضاق بهم وبأحلامهم حتى قهرهم .

هو وطن قد غادره خيرة شبابه بعدما سدت في وجههم الآفاق والسبل فكانت الهجرة سبيلهم الوحيد للبحث عن حياة افضل .

بالامس انضم قاسم جواد الى تلك القافلة اللامتناهية التي يسير فيها خيرة شباب صور والجنوب الى اربع اصقاع الارض من استراليا حتى امريكا مروراً بافريقيا ودول الاغتراب الاوروبية والعربية .

لم يكن قاسم جواد يرغب في ان يترك صور ابداً ، ظل يحاول ان يصنع شيئاً في بلده وفي مدينته ، حاول لسنوات ان يستقر في ربوع المدينة التي احب العيش فيها ... ان يبني له بيتاً يضمنه جزءاً من احلامه وامنياته ... ان يؤسس اسرة صورية ... ان ينجب اطفالاً ينشأون في صور ... يتشربون حبها وعشقها ... ان يكحلوا اعينهم برؤياها متنقيلن بين حواريها وازقتها وشطآنها ... تماماً كما فعل هو ....

 

 

قاسم جواد

ظل يحاول حتى تخطى الثلاثين وبات المستقبل امامه مقلقاً ، تقدم مراراً لوظائف شاغرة في صور ، اجرى امتحانات القبول بجهد وأمل ، اعتقد انه احق من غيره بوظيفة هنا او هناك في قلب مدينته ، وكيف لا يكون كذلك وهو ابن المدينة اباً عن جد ، لم تتطابق حسابات قاسم مراراً مع حسابات من كان يتولى التوظيف ، لم تشفع له " صوريته " بالفوز في وظيفة محلية ، فضلوا عليه آخرين ، ولهذا الحديث بالذات تتمة ليس مكانها الآن وهنا ...

... عندما تبدأ بالحديث عن صفات قاسم جواد يطول الكلام ، وتجد نفسك ودون تكلف تتحدث عن شابٍ صوري خلوق ، صادقٍ ، لطيفٍ ، شديد التهذيب ، مؤمنٍ ملتزمٍ واجباته الدينية ، صديق الجميع ، وهذا هو حال باقي افراد اسرة المرحوم علي جواد ( ابو مصطفى ) تلك الاسرة الصورية الاصيلة التي فطر ابناؤها على الصدق والايمان والاخلاص في اسمى معانيهم.

لم يفترق قاسم في هواياته واهتماماته عن اي شابٍ صوري آخر ، كرة القدم والسباحة ، هوايتان تبدوان ملازمتين  لمعظم شبان المدينة ، شكل مع اقرانه فريقاً شعبياً تنقل بين ملاعب الخراب والجعفرية والآثار وغيرها من امكنة الشاطئ الصوري المستحدثة ملاعباً ذهبية صفراء لاشباع هوايته في اجواء من الالفة باتت تبتعد عنا اليوم رويداً رويداً مع اقفال معظم هذه الملاعب ، ليعود مساءً متابعاً دقيقاً ودؤوباً لانباء واخبار كرة القدم المحلية والعالمية عبر وسائل الاعلام المتنوعة حتى صار موسوعة كروية يحفظ الفرق واسماء لاعبيها وترتيبها في دورياتها وعدد نقاط كل منها وابرز انتقالات اللاعبين وما الى ذلك .

وكمعظم ابناء صور عشق قاسم بحر المدينة وشاطئها وهام بهما حباً ، انتقى مطرحاً معيناً ادى فيه طقوس حبه وعشقه ، هي جولة يومية لا بد منها يقوم بها قاسم منطلقاً من منزله مقابل مقام النبي اسماعيل حيث يقف لفترات طويلة قرب السبع صخرات متأملاً وسارحاً في احلامٍ وآمالٍ تلاشت كزبد موج البحر الذي سرعان ما يختفي بين حبات الحصى على ذاك الشاطئ العتيق لينطلق بعدها جنوباً على الكورنيش بخطوات متثاقلات قبل ان يرجع ادراجه ليتأمل مراراً ومراراً مشهداً الفه منذ سنوات دون ان يمله : السبع صخرات .

قاسم جواد نموذج آخر لشاب صوري خلوق لم يجد له متسعاً في مدينته فغادرها مكرهاً دامع العينين ، ربما لم يشأ ان يغادرها ..... ربما ارغم على مغادرتها .....

على مدى سنة ونيف حاول جاهداً الحصول على سمة دخول اوروبية ( شنغن ) ، لم يتعب وهو يلبي طلبات السفارات من اوراق ومستندات يبدو معظمها بلا فائدة واضحة ولا تفيد بشيئ سوى في الممطالة على عهد هذه السفارات في التعامل مع اللبنانيين ، وعندما منح الفيزا منذ اسبوعين ، لم يكن سعيداً ، خلافاً لما توقع وتوقعنا .

فتحت الفيزا لقاسم آفاق مستقبل جديد كان ينتظره وقد يبدو واعداً  ، الا انها اغلقت في روحه والى الابد باب عشقٍ وحبٍ وأملٍ ودرب احلامٍ طويلةٍ وتطلعات واعدةٍ وذكريات طفولةٍ وآمال صبى وعنفوان شباب ، وربما لن ترجع اليه الروح ثانية حتى تطأ قدماه من جديد شاطئ السبع صخرات ....

عملنا مع قاسم سوياً ومنذ البداية سواء في PowerNet او في موقع يا صور ، كان مثالاً للامانة والوفاء والصدق والاخلاص والالتزام بالعمل ، ورغم ان المردود المادي كان ضئيلاً الا ان هذا كان آخر ما يسأل عنه قاسم .

ترك مجهوده الوافر ابلغ الاثر في تطور العمل وتقدمه باضطراد .

صورة قاسم جواد الشهيرة للسبع صخرات

 

عندما اطلقنا موقع يا صور طلبت منه ان يلتقط بعض الصور لنشرها على الموقع ، اخذ الكاميرا وانطلق ... قادته قدماه من تلقائها الى محراب عشقه ، منطقة النبي اسماعيل ، من هناك عاد بعشرات الصور للمنطقة وللسبع صخرات من زوايا مختلفة التقطها بعيونه وليس بعدسة الكاميرا ، هو يحفظ تضاريس هذه المنطقة تماماً كما يحفظ ملامح وجهه ، ومن ضمن تلك الصور كانت صورته الرائعة التي فازت بالجائزة الثانية في مسابقة صور في صورة وتناقلها عدد كبير من المواقع الالكترونية والمنتديات وهي صورة وبدون مبالغة قد دخلت التاريخ المصور لمدينة صور كواحدة من اروع الصور واجملها واكثرها تعبيراً وإيحاءً وكيف لا تكون كذلك وقد التقطها قاسم بروحه وقلبه وكل اختلاجات مشاعره ...

قاسم جواد ، لن نقول لك وداعاً ، بل نقول الى اللقاء بعد حين في ظروف افضل للجميع وفي مدينة نأمل ان نجعلها تتسع لابنائها المخلصين ...

قاسم جواد اليوم في المانيا ، شاب غريب في بلاد يطؤها للمرة الاولى ، طبعاً سيكون الجنوبيون هناك خير معين لقاسم على تخطي ايامه الاولى حتى يألف المكان وهذا عهدنا بأبناء الجنوب ...

قاسم جواد ، بالامس غادر صور قاصداً المانيا ... ذرف دمعة وحيدة اختصرت حبه ووفاءه ... اختنقت عبراته وهو يلقي نظرة الوداع على اماكن احبها حتى الجنون ....

قاسم جواد غادر صور جسداً تاركاً روحه بين ازقتها وحواريها .....

قاسم جواد ، بالامس رأينا طيفه هائماً بين الصخرات السبع على شاطئ النبي اسماعيل ....

 

                                                 رجـــوع                                    Hit Counter

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©