ظل يحاول حتى تخطى الثلاثين وبات المستقبل
امامه مقلقاً ، تقدم مراراً لوظائف شاغرة في
صور ، اجرى امتحانات القبول بجهد وأمل ، اعتقد
انه احق من غيره بوظيفة هنا او هناك في قلب
مدينته ، وكيف لا يكون كذلك وهو ابن المدينة
اباً عن جد ، لم تتطابق حسابات قاسم مراراً مع
حسابات من كان يتولى التوظيف ، لم تشفع له "
صوريته " بالفوز في وظيفة محلية ، فضلوا عليه
آخرين ، ولهذا الحديث بالذات تتمة ليس مكانها
الآن وهنا ...
... عندما تبدأ بالحديث عن صفات قاسم جواد
يطول الكلام ، وتجد نفسك ودون تكلف تتحدث عن
شابٍ صوري خلوق ، صادقٍ ، لطيفٍ ، شديد
التهذيب ، مؤمنٍ ملتزمٍ واجباته الدينية ،
صديق الجميع ، وهذا هو حال باقي افراد اسرة
المرحوم علي جواد ( ابو مصطفى ) تلك الاسرة
الصورية الاصيلة التي فطر ابناؤها على الصدق
والايمان والاخلاص في اسمى معانيهم.
لم يفترق قاسم في هواياته واهتماماته عن اي
شابٍ صوري آخر ، كرة القدم والسباحة ، هوايتان
تبدوان ملازمتين لمعظم شبان المدينة ، شكل مع
اقرانه فريقاً شعبياً تنقل بين ملاعب الخراب
والجعفرية والآثار وغيرها من امكنة الشاطئ
الصوري المستحدثة ملاعباً ذهبية صفراء لاشباع
هوايته في اجواء من الالفة باتت تبتعد عنا
اليوم رويداً رويداً مع اقفال معظم هذه
الملاعب ، ليعود مساءً متابعاً دقيقاً ودؤوباً
لانباء واخبار كرة القدم المحلية والعالمية
عبر وسائل الاعلام المتنوعة حتى صار موسوعة
كروية يحفظ الفرق واسماء لاعبيها وترتيبها في
دورياتها وعدد نقاط كل منها وابرز انتقالات
اللاعبين وما الى ذلك .
وكمعظم ابناء صور عشق قاسم بحر المدينة
وشاطئها وهام بهما حباً ، انتقى مطرحاً معيناً
ادى فيه طقوس حبه وعشقه ، هي جولة يومية لا بد
منها يقوم بها قاسم منطلقاً من منزله مقابل
مقام النبي اسماعيل حيث يقف لفترات طويلة قرب
السبع صخرات متأملاً وسارحاً في احلامٍ وآمالٍ
تلاشت كزبد موج البحر الذي سرعان ما يختفي بين
حبات الحصى على ذاك الشاطئ العتيق لينطلق
بعدها جنوباً على الكورنيش بخطوات متثاقلات
قبل ان يرجع ادراجه ليتأمل مراراً ومراراً
مشهداً الفه منذ سنوات دون ان يمله : السبع
صخرات .
قاسم جواد نموذج آخر لشاب صوري خلوق لم يجد له
متسعاً في مدينته فغادرها مكرهاً دامع العينين
، ربما لم يشأ ان يغادرها ..... ربما ارغم على
مغادرتها .....
على مدى سنة ونيف حاول جاهداً الحصول على سمة
دخول اوروبية ( شنغن ) ، لم يتعب وهو يلبي
طلبات السفارات من اوراق ومستندات يبدو معظمها
بلا فائدة واضحة ولا تفيد بشيئ سوى في
الممطالة على عهد هذه السفارات في التعامل مع
اللبنانيين ، وعندما منح الفيزا منذ اسبوعين ،
لم يكن سعيداً ، خلافاً لما توقع وتوقعنا .
فتحت الفيزا لقاسم آفاق مستقبل جديد كان
ينتظره وقد يبدو واعداً ، الا انها اغلقت في
روحه والى الابد باب عشقٍ وحبٍ وأملٍ ودرب
احلامٍ طويلةٍ وتطلعات واعدةٍ وذكريات طفولةٍ
وآمال صبى وعنفوان شباب ، وربما لن ترجع اليه
الروح ثانية حتى تطأ قدماه من جديد شاطئ السبع
صخرات ....
عملنا مع قاسم سوياً ومنذ البداية سواء في
PowerNet
او في موقع يا صور ، كان مثالاً للامانة
والوفاء والصدق والاخلاص والالتزام بالعمل ،
ورغم ان المردود المادي كان ضئيلاً الا ان هذا
كان آخر ما يسأل عنه قاسم .
ترك مجهوده الوافر ابلغ الاثر في تطور العمل
وتقدمه باضطراد .