مديرة ثانوية البنات الحاجة مريم عطوي في لقاء خاص مع موقعنا : لست قاسية ولكني اطبق القانون ، تمنيت ان اكون والدة شهيد ، واطالب بصور الكبرى

 

موقع يا صور - 29/8/2007

حاورها : علي عطوي

تصوير : علي الرفاعي 

الحاجّة مريم عطوي إسمها يسبق طلّتها، تمكّنت على مدى عشرينَ عاماً من إدارتها لثانويّة صور الرسميّة للبنات أن تحصد المراتب الأولى بينَ مدارس المنطقة وتتبوّأ موقع الصدارة في مدارس التعليم الرسمي، وحافظت بصبرها ومثابرتها على النجاح، حتّى باتَ إسمها لصيقاً بالثانويّة وبقيَت أسيرة هذه الصفة بعدَ جهدٍ وعناءٍ طويلين، لكن وبعدَ 16 تمّوز 2006 أضيفَت صفة جديدة إليها، ليست غريبة عن إمرأة جنوبيّة مناضلة، فنالت وسام الشرَف بشهادة زوجها وابنها، معها هذا اللقاء.

ثانويّة صور للبنات أم ثانويّة الحاجة مريم:

يصفها معظَم طلاّبها أنّها حازمة وصارمة في تطبيق القوانين، إلاّ أنّها تنفي هذه الصفة ولا توافق مطلقيها " فأنا فقط ألتزم تطبيق القوانين بعدالة وتجرد ، لكن بِمَا أنّ مجتمعنا معتاد على إيجاد منافذ للهروب من النظام، أبدو قاسية لأنّي ألتزم القانون "، فهل يعود هذا النجاح الدائم والشهرة الذائعة الصيت إلى عدم خرق القانون فقط ؟ .

 

 

مديرة ثانوية صور الرسمية للبنات الحاجة مريم عطوي

 

تنطلق في حديثها، قائلةً " من الأمور المعروفة في القطاع التربوي، أن المدارس التي تحقق النجاح تعرف بأسماء مديريها، كثانويّة الزعتري في صيدا مثلاً، فنجاح المدرسة يعزوه الناس إلى الإدارة، بالرغم من أنّي لا أوافق هذه القاعدة الخاطئة، لأنّ النجاح لا يكون وليد شخص بمفرده، إنما وليد مجموعة متعاونة مترابطة، تجمعهم المحبّة وهذا الأمر موجود بينَ سائر أفراد الهيئة التعليميّة في الثانويّة التي أتولّى إدارتها " .

" لست صارمة ، ولكني التزم تطبيق القوانين بعدالة وتجرد "

 

تُعيد الحاجّة مريم سرّ التفوّق والنجاح في مدرستها، إلى " اتباع النظام الداخلي الموضوع من قِبَل وزارة التربية والتعليم العالي، ولو تطبّق هذا النظام بدءاً من المدير نزولاً إلى جميع أفراد الهيئة التعليميّة دونَ تمييز بينَ أحد، حينها تمشي أمور الطلاّب بشكل تلقائي، فالإصلاح المدرسي دائماً يأتي من الرأس نزولاً إلى قاعدة الهرم " .

في المقابل، تعتبر " أنّ المحافظة على مستوى التفوّق والنجاح ليسَ بالأمر الصّعب " إذا تمّ  المحافظة على أسباب النجاح التي تلخّصها بثلاث عناصر : " أولاً: العدالة في تطبيق القوانين على الطلاب والمعلّمين، ثانياً: التعاون بين أفراد الهيئة التعليمية والطلاّب وأهاليهم، وثالثاً: النيّة والتصميم في تحقيق النجاح " .

لكن لماذا تنجح مدارس وتفشَل مدارس أخرى، في حين أنّ كلاها تنتمي إلى التعليم الرسمي ؟ تجيب قائلة: " يجب على كلّ المدارس أن تعطي نتيجة وأن يدرّس الأساتذة كما يجب، ولا يوجد مبرر أن يكون هناك مدرسة ناجحة وأخرى غير ناجحة،فالأستاذ  الذي يدرّس في أيّ مدرسة يجب أن تتوافر له مواصفات، وهذه المواصفات عامّة وموجودة في كلّ المدارس، يبقى أن نزيد من التصميم ونحسّن من النوايا " .

وفي هذا السياق، تتحدّث الحاجة عن " مواصفات معيّنة يجب أن تتوافر فينا  نحن مجتمع المقاومة، باعتبارنا الوحيدين في العالم العربي الذين تفرّدنا بقهر الجيش الذي لا يُقهَر، فأهلنا وشبابنا ناضلوا وحققوا النّصر، أمّا نحنُ علينا أن نساهم في بناء مجتمع مقاومة يليق بتضحيات المقاومين الذين ضحّوا واستشهدوا " وتسأل: " وإلاّ ما هو دورنا ؟ " وتجيب قائلة: "  نحنُ دورنا أن نساهم في رفع مستوى المجتمَع ".

" نحن شعب المقاومة يجب ان تتوافر فينا صفات معينة نتفرد بها "

 

تتمنّى الحاجّة مريم لو كانَ هناك ثانويّة أخرى للبنات في صور كما في صيدا وبعلبك وطرابلس وتنتقد القرار الصادر عن وزير التربية والتعليم خالد قبّاني، الذي تمّ بموجبه تحويل ثانويّة صور الرسميّة للبنين إلى ثانويّة مختلطة، وتقول " إنني من ناحية تربويّة مع فكرة عدم الإختلاط في المرحلة المتوسطة والثانويّة، وأفضّل الإنصراف للتحصيل العلمي في هذا العمر، فعندما يكون الطلاّب من جنس واحد يتوافر مجال للتحصيل العلمي أكثر " .

على صعيدٍ آخر، بادرت الحاجة مريم وأولادها مؤخّراً، إلى إطلاق جائزة ماديّة قيمتها خمسة آلاف دولار من أموالهم الخاصّة، وهي مخصصة للمتفوقين من أبناء المقاومين من شهداء وجرحى وأسرى في دراساتهم العلمية الجامعية ، وهي تقول " مهما قدّمنا تظل تقديماتنا ضئيلة أمام تضحيات المقاومين التي لا تُقدّر، هناك شباب مقاومين كثر استشهدوا وتركوا وراءهم عائلة من أربع أو خمس أولاد، من هنا على المجتمَع إحتضان هؤلاء والإلتفات لهم أكثر، ومهما فعلَ المجتمع يبقى مقصّراً تجاههم " .

 

"زوجي كان شريكاً في نجاحي وابني عاش حليماً وتقياً "

 

زوجها وإبنها :

على صعيدٍ آخر، فقدَت الحاجة مريم ( علي ) آخر العنقود من أبنائها وزوجها الذي شاركها صناعة نجاحها، وذلكَ في مجزرة مريعة ارتكبها العدوّ الإسرائيلي في أوائل أيّام حرب تمّوز، وقعَت في مبنى الدفاع المدني في صور، لكن كيفَ حصلَ ذلك ؟ .

تروي قائلة " فجر الخميس بدأت الحرب، واستهدف منزل هنا في دير قانون، استشهد فيه ثلاثة كانَ أحدهم إبن عمّ زوجي، وبما أنّ بيتنا متطرّف عن البلدة، قررنا أن نتّجه إلى صور حيثُ يوجد بيت أخي، كنّا نعتبر صور مدينة سياحيّة لا يمكن استهدافها، ومكثنا في الملجأ، لكن مع الأسف الضّربة الأولى كانت في الملجأ، والثانية في الدفاع المدني، فهذه أوّل حرب يكون فيها تصميم على الفتك بالمدنيين وتوجيعهم " .

تتحدث الى الزميل علي عطوي

 

 

 

 

وفي هذا الإطار، تستعيد من ذاكرتها محطّات من سيرة الفقيدين، وتتناول الحاج محمّد علامي الدين " فهو قبلَ أن يكون زوجي كانَ زميلي في مهنة التعليم وتعرّفت عليه من خلال ذلك، وقد سهّل علينا التقارب في العمر والمستوى التعليمي والمهنة وجعلنا نعيش في إنسجام وتفاهم، وفي غيابه فقدت أمور كثيرة، لكننا نعيش في وطن لا يُبنى إلاّ بالتضحية وهي عنوان صمود وبقاء، وكلٌ منّا عليه أن يضحّي في ميدان عمله " .

وتتابع : " لقد كانَ شريكاً في نجاحي، هذا النجاح كان يشدّ أواصر الأسرة فهو نجاح لكلينا ، وهو ساعدني في تحريك مرسوم ثانويّة البنات عام 1985 بعدَما كانَ مجمّداً منذُ أن صدرَ في العام 1972 ، وافتتحت الثانويّة أبوابها في العام الدراسي الأول 1985-1986 واستلمت الإدارة " وتشير إلى أنّ هناك " إقتراح من الزملاء في الثانويّة بإطلاق إسم الشهيد محمّد علامي الدين عليها " .

 

وتتوقّف عندَ أصغر أولادها الشهيد علي، وتقول: " عندما كانَ علي جنين في بطني قرأت حديثاً أنّه إذا قُرِأ القرآن وكانت النيّة على هذا الجنين، فيخرج إلى الحياة حليماً وتقياً ، لذلك كنت أقرأ كلّ شهر ختمة قرآن إلى أن خرجَ إلى الحياة، وبالفعل عاش حليماً وتقياً ، ولا أذكر له أخطاء ارتكبها " .

 

 

"ارنو الى صور الكبرى التي تشمل كل قضاء مدينة صور "

 

وتضيف: " عندما عرفت أنّ علي استشهد تذكّرت حادثة كانَت قد حصلَت معي، في تشييع رمزي للشهيد هيثم دبوق، حيثُ كنت عند أهله وتحدّثت عن الشهيد وفضله وكرامته، وأذكر أنني تأبطت أمه وقلت لها: " مين بيصحّلوا يكون عندو ولد شهيد " وبيني وبين نفسي تمنّيت ووضعت يدي على الجنين مع أنني لم أكن أعرف بعد إذا كانَ  صبياً ام بنتاً " .

 

 

كنت اغبط امهات الشهداء ولطالما تمنيت ان اكون والدة شهيد

 

 

كيف تنظر إلى واقع المرأة :

تعتبر الحاجّة مريم " أنّ خروج المرأة من المنزل ومساعدة زوجها، هوَ أمر قديم قدمَ الزمن، فأمهاتنا وجدّاتنا كانت تخرج إلى الحقول وتساعد أزواجها، لكنّ الأمر الجديد أنّ المرأة بدأت تأخذ مواقع هامّة في المجتمَع ولم تكتفِ بالمواقع الهامشيّة، ولا أحد لديه اعتراض على عمَل المرأة لكن عليها أن تنوي وتصمم لتصل إلى النجاح في عملها، فلا بأس أن تكون موظّفة أو لديها عملها الخاص " .

"المرأة أهملت دورها التربوي وانصرفت الى العمل "

 

بينما تُعرب عن أسفها لإهمال المرأة الدور التربوي، " فهي لا تضطلع فيه كما يجب،  فأوّل عمَل وأشرف عمَل للمرأة أن تكون مربية، فمقولة الإمام الخميني دخلت التاريخ حينَ قال : " المرأة كالقرآن كلاهما أوكِلَ إليه صنع الإنسان "، فهناكَ مفاهيم خاطئة في التربية يجب إعادة النّظر فيها وفتح باب الحوار لها، مع الأخذ بعين الإعتبار أن لا نمارس التربية بتثاقل بشكل تشعر المرأة أنّها مرغمة، بل تمارسها بمحبّة " .

 

ماذا تقول عن صور :

ترنو الحاجّة مريَم إلى " صور الكبرى تشمل كلّ قضاء صور، كما بيروت لم تعُد محدودة " وتأخذ على الصوريين الأصليين التقوقع في المدينة وعدم الإنطلاق إلى محيط صور، وتسأل: " وإلاّ أين ستكبر صور ؟ في البحر ! .

وفيما تنقل عن أقربائها في الخارج إشادتهم بموقع " يا صور " أثناء الحرب " فقد كانوا يعرفون أخبار صور ومنطقتها قبل أن يسمعوها على وسائل الإعلام " تدعو إدارة الموقع إلى أن يكون : " موقع يا صور الكبرى " .

 

تحت الضوء :

وسطَ حديقة منزلها الخضراء في دير قانون النهر تستقبلنا، تضيع بينَ " عجقة " الألوان الزاهية لكثرة ما تحتوي من أشجار وأزهار، لكنّ اللون الأسود الذي ترتديه الحاجّة مريم حداداً على الفقيدين، يعطي انطباعاً أنّ الفرَح والحزن يمكن أن يتلاقيا في مكانٍ واحد .

 

لدى البدء في الحديث عن الشهيد علي، تترك كوب الشاي من بين يديها وتكاد الدّمعة تنهمر على خدّيها، لكنّها تبقى صامدة أمامَ مشاعرها .

 

تتميز الحاجة مريم بطباع هادئة ولطيفة وتتمتع بمرونة كبيرة في النقاش والحديث بخلاف الصورة التي قد يأحذها البعض عنها .

 

                                                 رجـــوع                                    Hit Counter

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©