لبرادات وغسالات الحارة القديمة في صور
طبيب واحد هو المعلم علي طحان الذي يُعرف
بمهارته على سبر اغوار الاعطال واصلاحها
مهما كانت درجة صعوبتها او تعقيداتها
لتخرج الغسالة او البراد من تحت يديه
وكأنه قد خرج لتوه من شركته او مصنعه ....
في محله الواسع الارجاء الذي يتوسط حي
الجورة في الحارة القديمة يجلس المعلم علي
او ابو العبد كما يناديه ابناء الحارة على
كرسي قديم في فسحة تشرف على محله من ناحية
وعلى حديقته الكبيرة من ناحية ثانية ، هذه
الحديقة التي جعلها مستودعاً لقطع الغيار
ومقبرة للخردة القديمة رغم انها لم تتخلَ
عن خضارها واشجارها الوارفة المثمرة .
معظم الغسالات والبرادات وافران الغاز
التي تتواجد في محل ابو العبد آتية من زمن
الثمانينات وهذه الادوات المنزلية لم تزل
تستعمل على نطاق واسع في الحارة ويرفض
اصحابها التخلي عنها بسهولة لكونها كما
يؤكد ابو العبد افضل نوعية واكثر قدرة على
اداء مهماتها من البضاعة الجديدة المصنوعة
لاغراض تجارية فقط ، و قوله هذا ينطلق من
خبرة كبيرة في مجاله ......
المعلم ابو العبد كان فيما مضى بحاراً
لكنه هجر البحر ليبتعد عن الخطر كما يقول
ولكون البحر اصبح " قليل الرزقة وشحيح
الخيرات " لاسباب واسباب ...
والمدهش في ابو العبد انه قد تعلم مصلحته
من تلقاء نفسه فلم يتعلمها لدى احد ارباب
المصلحة ، كان يحاول ويحاول مرات ومرات
حتى يكتشف العطل ومن ثم يصلحه وبمرور
الايام تحول الى معلم لا يجارى في قدرته
وسرعته على اكتشاف الاعطال واصلاحها
بمهارة وتقنية عاليتين .
ويذكر ابو العبد بفخر انه قد درب العديد
من الحرفيين الذين اصبحوا اليوم معلمين ،
رغم ان الحرفة في هذه الايام قد شهدت
تراجعاً كبيراً بسبب اعتماد الشركات
الكبيرة على اسلوب الكفالة او التصليح في
معاملها الخاصة .
ويؤكد المعلم ابو العبد ان بمقدوره اصلاح
اي براد او غسالة مهما بلغت درجته حداثته
وحتى لو كان مصنوعاً في هذه السنة ،
فالتقنية واحدة وكل الاشياء تتشابه وتعتمد
على ذات المبدأ .
ولا ينكر المعلم ابو العبد طحان ان
المصلحة هذه تعتبر جيدة وبمقدورها انتاج
مردود مادي جيد لكن ما يؤثر عليها هو اوضاع
الناس التي باتت صعبة وضيقة كثيراً وهذا
ينعكس على مجمل الاوضاع الاقتصادية .
ابو العبد الذي يعمل حالياً بمفرده يصر
على ان يتابع اولاده الدراسة وان يتسلحوا
بالعلم وسيلة لخوض غمار الحياة وفي ذلك
يقول : " العلم سلاح الفقراء " ...
ابو العبد الذي كتب قوله هذا على احد
الجدران القديمة في حارة صور ليقرأه كل
الناس علهم يتعظون ويؤمنون بأهمية العلم ،
لايرى غيرالعلم وسيلة للنهوض والنهضة
والتقدم والرقي ...
المعلم علي طحان ( ابو العبد ) احد ابناء
صور وحارتها الذين صقلتهم الحياة وعلمتهم
افضل تعليماً ليصبح حكيماً من نوع آخر
زاوج بمقدرةٍ فائقة بين حرفيته ومهارته في
مهنته وبين فلسفته الخاصة في الحياة ،فكان
من ذاك الصنف من الرجال الذين عاركتهم
الحياة فعاركوها وهزموها في محطات عديدة
وما زالوا على الدرب سائرون .....