بوسطة المدرسة الانجيلية : حمّالة الاحـلام تحتضـر بمرارة

 

موقع يا صور - 26/2/2008 

المحرر

 

حملتنا صغاراً وحملت احلامنا الى حيث امضينا اجمل ايام العمر ... هناك ... الى حيث لعبنا وضحكنا وركضنا وراء ايامنا وهي تمضي مسرعة لتأخذ معها احلى اوقاتنا ولتغيّب عنا احلى صداقاتنا واصدق كلمات حبنا وفرحنا .... هي بوسطة المدرسة الانجيلية ...

هناك حيث تركنا في ملاعبها صدى ذكرياتنا وبصمات طفولتنا وشقاوتنا ... هناك حيث حفرنا فوق مقاعدها الخشبية العتيقة احرف اسمائنا ورسائل حبنا .... هناك حيث اودعنا زوايا ملاعبها بعضاً من اسرارنا وبعضاً من اشواقنا ... هناك حيث الحياة لا تمضي الا لتحرمنا من حلوها ولتسير بنا قدماً نحو مرها ... هناك حيث اجمل لحظات العمر التي لن تتكرر ....

في باص كبير ضخم بمقاعد جلدية واسعة كنا نتوافد اليها ، الى المدرسة الانجيلية ... ومضات حنين ترجع بنا عشرات السنين في لمحة خاطفة ... ابو نزيه يقود الباص الكبير ...  يفرغ في الباحة الخارجية لملاعبها عشرات الاطفال يستقبلهم جنرال المدرسة بملامح توحي بالجدية المفرطة ولكنها لا تخفي طيبة قلبه ، انه الاستاذ كمال خوري .. كان لظهوره على الساحة وقع مخيف ورهبة لا توصف ....

تقرع مسز ابو شديد جرساًَ حديدياً كبيراً تتدلى منه سلسلة معدنية طويلة ، يكاد من فرط ثقله ان يجذبها نحو الاعلى .... على عجل ، يجتمع التلامذة في الملعب الاساسي ... فجأة تظهر امام الجميع سيدة فاضلة ومربية كبيرة ... كانت الوحيدة التي تطغى بحضورها على حضور الاستاذ كمال ... هي تحظى باحترام كل زملائها ومحبة تلامذتها وايضاً .. خشيتهم ... تومئ برأسها نزولاً فيصدح المذياع بالنشيد الوطني اللبناني ... مع المذياع ينشد التلامذة نشيدهم الوطني ملئ حناجرهم .... بعد النشيد الوطني يأتي دور نشيد المدرسة الانجيلية .... دارنا كوكب انور .. مشرق في سماء الوطن....

الى الصفوف در ... يصدر الامر وعلى الجميع التنفيذ دون اعتراض ، فالعلم في المدرسة الانجيلية رسالة مقدسة ويزيد من قداستها وجود المسز عبود ، وفي قاعات الدراسة اسماء لا تنسى بسهولة ، فقد خط اصحابها اسماؤهم في ذاكرة اجيال توالت على الانجيلية وما زالت تتوالى .... مسز ابو شديد ، طناسي ، ابو جمرة ، خياط ، مالك ، شرشر ، ساسين ، ثابت وغيرهم ... اسماء واسماء طبعت اجيال صورية بطابعها الخاص وادت فعلاً لا قولاً رسالة تربوية عظيمة اين منها اليوم ما تشهده الساحات التربوية من طارئين ومتطفلين ومقاولين وسماسرة .....

اما في قاعات الدراسة فجدية مفرطة وأسلوب متين وإن شابه احياناً شيئ من القسوة ولكن حتى هذه القسوة يبقى لها دورها في صقل شخصية التلامذة ومدها بوسائل القوة والثقة بالنفس واين من ذاك المنهاج القديم واساليب التدريس تلك هذا المنهاج الحديث الذي يبدو انه لا يؤدي الا الى مزيد من التراخي والانحدار في المستوى العلمي والثقافي ، ولا يندر ان نرى اليوم جامعيين شبه أميين والفضل للمنهاج الحديث!!!

وتمضي الساعات لتعود مجدداً مع بوسطة الانجيلية وابو نزيه يدور حول المدينة يوصل الامانة مجدداً الى اصحابها يرافقه في ذلك معلمة او اثنتين ، واما الرحلات فحدث بلا ملل ، حملتنا هذه البوسطة مراراً في امكنة صور ومناطقها وخاصة ما بين القاسمية والناقورة ، شهدت على ايامنا الحلوة وعاشت لحظات هنائنا ....

وتعود بنا الذاكرة .... نراها مهملة في جانب من جوانب ارضٍ فناء .... عارية الا من صدأ حديدها ووجع وحدتها .... غابت ايامها واندثر دورها فبقيت وحيدةً تنتظر مصيرها المجهول ... ولكنها رغم ذلك ورغم بردها والمها فهي ما زالت تحتضن ذكرياتنا وتشهد على احلامنا وامانينا على فرحنا وحزننا وضحكات ايام طفولتنا وايام دراستنا وما زال عالقاً بين ثنايا مقاعدها المتهالكة بعض من اوراق دفاترنا وخيطان حقائبنا المدرسية وعندما صعدت لاتفقدها وجدت بين شقوق نوافذها قلم رصاص يبحث عن تلميذ فقده ذات صباح ....

 

 

 

                                                 رجـــوع                                    Hit Counter

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©