مبنى نبع حيرام في صور :عنده جلس السيد المسيح فبارك المدينة

 

موقع يا صور - 22/11/2007 

مبنى نبع حيرام في مدينة صور

 

كأن التاريخ قد حط رحاله هنا فوق رمال هذه المدينة . فألقى عليها كل ما في جعبته من قصص وحكايات نسجها الدهر عبر سنين طوال حتى تلون كل حجر وكل زاوية منها بألف قصة ورواية تشهد على مجدها وعظمتها وتاريخها الحاضن والشاهد على حقبات مضيئة من عمر الحضارة الإنسانية . فبين صور وعدد من حضارات العالم القديم قامت علاقات وإرتباطات وطيدة ، والقارىء لتاريخها القديم يعرف معنى هذا الكلام بوضوح ، فتلك الجزيرة الرابضة في قلب البحر على مساحة هكتارات قليلة ، كانت لأيام خلت سيدة هذا العالم وقبلته التجارية وملهمته الحضارية ، فهي أم الحرف ومكتشفة الأرجوان ، والمتربعة على عرش الإقتصاد العالمي آنذاك لسنين وسنين . هذا التاريخ المجيد لحبيبتنا الساكنة حبات قلوبنا صور أعطاها إرثاً تاريخياً وغنىً وتنوعاً آثرياً تحسدها عليه بقية المدن .   

وأنت تسير في شوارعها تصادفك العشرات من المشاهد والصور لمعالم هي تاريخية بإمتياز وهذا ليس بغريب على مدينة عرف تاريخها كل الحضارات الإنسانية ، ولكثرة ما شاهدت أعين أبناء المدينة هذه المعالم والمباني الاثرية أضحت بالنسبة إليهم شيئاً عادياً ، فمن العادي جداً عند إبن صور أن تقع عيناه على عامود رخامي يرجع تاريخه إلى ما قبل ميلاد السيد المسيح ، وأقل من عادي لديه أن يشاهد ناووس يعود إلى العهد الفينيقي أو الروماني أو البيزنطي فيمر عليه مرور الكرام ، لا لشيء إلا لكون تلك المناظر والمشاهد قد إعتادتها العين الصورية منذ أن دلفت تتنقل بين شوارع المدينة وأزقتها فتصادف يومياً العشرات من هذه الصور التي لم تعد تمثل بالنسبة إليها أي جديد . ولعلنا نحن أبناء صور نكاد لا ننتبه بتاتاً إلى تلك الصروح التاريخية والأثرية التي تشهد على عظمة مدينتنا ، فقوس النصر بالنسبة إلينا مشهدٌ مألوف وعادي ، وآثارات الجعفرية لا ننتبه لوجودها إلا حين تصادفنا طلائع السواح القادمة لزيارتها . لا بل أكثر من ذلك فإن البعض منا أحياناً يستغرب مدى دهشة هؤلاء بعظمة أثارنا ، ونبدو أكثر إستغراباً عندما تنطلق عدسات كاميراتهم لتصوير كل حجر وزاوية وركن فيها .

أردنا هذه المقدمة كإستهلال لموضوعنا اليوم والذي سنتناول فيه مبنى نبع حيرام الموجود في قلب المدينة . قد يستهجن البعض هذا الإسم الذي قد يبدو غريباًُ عليه ويتساءل عن موقعه ومكانه مع العلم أنه أمضى حياته في صور حتى حفظ شوارعها وأزقتها ومطارحها عن ظهر قلب . وسيجد البعض صعوبة بالغة في إدراك ماهية ومكان هذا المبنى، الذي  هو وللعلم موجود في قلب المدينة ونشاهده يومياً كلما غدونا إلى السوق عابرين شارع الحسبة القديمة ، وكلما قفلنا منه عبر ذات الشارع .

إذاً إنه مبنى نبع حيرام هذا البرج المشيد في قلب المدينة ، وتحديداً في محلة الحسبة القديمة التي تحولت اليوم إلى سوق تجاري هام ، يكاد يمثل عصب الحياة الإقتصادية في صور . هذا المبنى القديم المتهالك الذي حفظناه عن ظهر قلب دون ان ندرك ماهيته وأهميته ، هو هذا البرج الذي يقف منتصباً شامخاً في مكانه منذ آلاف السنين ، فلم تستطع كل رياح الدهر العاتية أن تقتلعه أو تغيبه ، وبقي مستعصياً على الزوال . لكن في الوقت ذاته يئن تحت وطأة الإهمال واللامبالاة ، مما أفقده الكثير من رونقه وقيمته التاريخية . ولهذا سيكون لنا وقفة مع نهاية الحديث .

 

نسوة يملأن الجرار من النبع في القرن الثاني عشر ميلادي

 

 

المبنى هو عبارة عن برج حربي يعود للحقبة البيزنطية ، وبداخله يوجد نبع ماء ولعل هذا ما يفسر سبب الإخضرار الدائم في تلك البقعة حتى في اشد الأوقات حراً وجفافاً . وقد كتب الأستاذ علي بدوي الباحث والمرجع في تاريخ أثار صور في كتاب " صور السيرة والمدينة " الذي أصدرته بلدية صور الكريمة أن (( المبنى هو برج عسكري قائم على نبع مياه لحمايته . والنبع موجود تحت البرج ويتم النزول إليه بدرج . والمبنى في وضعه الحالي يعود للفترة البيزنطية ، ويمكن مشاهدة صليب بيزنطي على عتبة باب المبنى لا يزال في وضعه الطبيعي )) . وقد أضاف السيد علي بدوي في كتاب آخر له صادر باللغة الإنكليزية أن في المبنى يمكن ان نشاهد شبابيك كانت تستعمل لرمي السهام . وهكذا فإنه من الثابت تاريخياً بحسب رأي الاستاذ بدوي الخبير في هذا المجال ان المبنى هو عبارة عن برج عسكري يعود للفترة البيزنطية .

ولكن الأهم في تاريخ هذا المبنى هو الأهمية الدينية والمكانة الروحانية العظيمة التي يتمتع بها النبع الموجود بداخله ، فقد كتب الأستاذ بدوي في كتابه السالف الذكر أنه (( ويحكى أن قرب هذا النبع جلس السيد المسيح على صخرة عند زيارته للمدينة مع القديس يوحنا , وقد قام الحجاج خلال الفترة الصليبية بإقتطاع اجزاء من الصخرة التي أعتبرت مقدسة حتى إختفت )). وهكذا نرى أن النبع الموجود داخل البرج قد رويت حوله حكايات كثيرة أعطته مكانة دينية خاصة ، لناحية زيارة السيد المسيح له مع القديس يوحنا . هذه المعلومات وإن كانت ليست ثابتة تاريخياً بما يفهم من كلام الأستاذ بدوي إلا أنها جديرة بالإهتمام لما فيها من أبعاد جميلة تضيف رصيداً دينياً إضافياً لصور التي ورد إسمها مراراً وتكراراً في الكتاب المقدس مشيراً إلى جمالها وثروتها ومناعتها .

هذا المبنى والنبع الموجود بداخله كان يمثل ذات يوم مصدر المياه الرئيسي لسكان المدينة وقاطنيها . حيث ان المعلومات والصور التاريخية تعطينا فكرة شبه واضحة حول هذا الموضوع . ففي بعضها نرى سيدات صوريات يملأن جرارهن من مياه العين خلال القرن الثاني عشر ميلادي .

إلى ذلك كله فإنه قد كان للنبع الموجود داخل هذا البرج اهمية خاصة في الموروث الشعبي ، حيث كان اهالي صور يقيمون إحتفالات خاصة عند هذا النبع وسط أجواء فولكلورية مصحوبة بالغناء والموسيقى ، هذه الإحتفالات الفولكلورية ثابتة وموثقة تاريخياً بما رواه عدد من الرحالة والمستشرقين الذين زاروا صور خلال القرن الثامن عشر .

فقد كتب المؤرخ الصوري الكبير معن عرب في كتابه القيم والرائع " صور حاضرة فينيقيا "  (( وقد زار صور سنة1768 الرحالة ماريتي،وروى عن احتفال شعبي كان يجري قرب«العين»فيها:

«لقد سمعت من الصوريين أشياء عجيبة عن مياهها ، ففي اوائل تشرين تصبح عكرة ويقارب لونها الأحمر، على الأغلب بسبب الطين الأحمر الذي تحمله معها، ولا تعود صالحه للشرب، فيأخذ الأهالي خمس او ست جرار من ماء البحر ويصبونها فيها،فيعود اليها،بعد ساعتين او ثلاث،صفاؤها المعتاد.وهم يفعلون ذلك كل سنة،ولا يعرفون له سببا، ويقولون ﺇنهم يقلدون آبائهم وأجدادهم في ذلك؛ وهم يطلقون على هذه العملية اسم:زفاف مياه البرالى اليم.

وقد روى لي بعض البحارة الأوروبيين المتقدمين في السن،الذين ارسو مرارًا في صور، أن هذا كان يحدث بحضور أهل المدينة كافة، فيأتي هؤلاء الىالعين، بالموسيقى والغناء، ثم يرجعون الى بيوتهم بعد صب ماء البحر فيها،مبتهجين مسرورين،ليعودو بعد ثلاث ساعات ويملأوا جرارهم منها. وقد اكّد لي أولئك الملاّحون أن المياه التي كانوا يرونها قبل ساعات متعكرة، تصبح بعدها نقية و صافية )) .

وأيضاً ورد في بعض الكتب الاخرى عن اوضاع صور الإقتصادية والإجتماعية خلال القرن الثامن عشر ذات المعلومات التريخية فشرحت بأن ((ككل الشعوب وخاصة سكان الشرق ، كان لأهل صور عادات وتقاليد يتناقلونها في ما بينهم من جيل إلى جيل ، تعطي فكرة عن أوضاعهم الإقتصادية والإجتماعية وعن شؤونهم الداخلية الوجدانية والعاطفية . فبعد سنتين من رحلة غيرين ، قام الرحالة الإيطالي ماريتي سنة 1768 بزيارة صور وروى عن إحتفال شعبي كان يجري فيها قرب العين فقال : " لقد سمعت من الصوريين أشياء عجيبة عن مياهها ، ففي أوائل تشرين تصبح عكرة ويقارب لونها الأحمر ، على الأغلب بسبب الطين الأحمر الذي تحمله معها ، ولاتعود صالحة للشرب ، فيأخذ الأهالي خمس أو ست جرار من ماء البحر ويصبونها فيها ، فيعود إليها بعد ساعتين أو ثلاث صفاؤها المعتاد ، وهم يفعلون ذلك كل سنة ولايعرفون له سببا ً ، ويقولون أنهم يقلدون آباءهم وأجدادهم في ذلك ، ويطلقون على هذه العملية إسم " زفاف مياه البر إلى اليم  " . وكان هذا الحدث يحضره أهالي المدينة كافة ، فيأتي هؤلاء إلى العين بالموسيقى والغناء ، ثم يعودون إلى بيوتهم بعد صب ماء البحر فيها ، مبتهجين مسرورين ليعودوا بعد ثلاث ساعات ويملأوا جرارهم منها )) . 

أيضاً الأستاذ علي بدوي في كتاب صور السيرة والمدينة روى أنه (( كان أهل صور خلال القرن التاسع عشر ميلادي يقيمون إحتفالات خاصة حول النبع في أول شهر تشرين حين يصبح لون المياه أحمر ةكانوا يحضرون جرار المياه من البحر ويسكبونها في مياه العين فتعود المياه صافية وكانوا يسمون هذا الإحتفال زفاف مياه البحر إلى اليم وكانت هذه الإحتفالات تتم وسط جو من الموسيقى والغناء )) .

 

هذه هي حكاية مبنى نبع حيرام القائم في وسط المدينة الذي يستحق كل الإهتمام والرعاية بالنظر إلى قيمته التاريخية الهامة التي تتطلب من جميع الجهات المعنية ان تفيه حقه وأن تعيد له مكانته عبر ترميمه وإعادة تأهيله .

موقع يا صور في هذا التحقيق المتواضع أراد ان يعرف الصوريين اكثر وأكثر على أهمية الأثارات والمعالم التاريخية التي تزخر بها مدينتنا .

 

واجهة مبنى نبع حيرام لناحية طريق الحسبة القديمة

 

المبنى بداية القرن العشرين

 

                                                 رجـــوع                                    Hit Counter

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©