الحانوتي ابو سمير صبراوي ( بقلم د . حسن فاخوري )

 

موقع يا صور - 28/11/2007 

بقلم : الدكتور حسن فاخوري

الدكتور حسن فاخوري

 

الحانوتي ابو سمير صبراوي

حباه الله بصوت اقرب الى المذياع وبأعلى صوته ( الاجر يا عباد الله ) انه الحاونتي ابو سمير صبراوي ، قارب الثمانين عندما اقتربت منيته ولم يزل بكامل قوته منادياً بأن فلانا انتقل الى رحمة الله تعالى محدداً ساعة الدفن واخذ الخاطر والاقرباء والاولاد والمكان ... عندها تعرف المدينة وطائفته ومكان مثواه ... مسلماً كان ام مسيحياً مشاركاً الاذان في العلم والجرس في الايحاء انه بائع في شبابه يعتمر القلنسوة ، يدور في الشوارع دافعاً العربة المليئة بالخضار والفاكهة لاهثاً متهالكاً مقاوماً للتعب ، وفي الليل يحمل طبلته في رمضان داعياً الناس الى الاستفاقة لاخذ حصتهم من السحور .

هذا في الصيف اما في الشتاء فانه يتلطى تحت اسقف " الدروندات " منتظراً هدوء المطر ليكمل مسيرته الرمضانية . والحقيقة لان لا فراغ لديه ونادراً ما يكون عنده فراغ ليجلس مع ابي هادي حاجو ليلاعبه الدامة والشطرنة فتلتئم الناس حولهما ليروا من الفائز ، انه بطل عصره ما بعد ابي هادي وان سألت الحانوتي وبائع الخضار والبحار عن جميع الامور المعيشية يجيبك حاضراً وعارفاَ ببواطن الامور وهو يملك النكات والممازحة بلطف وادب مجيباًُ : ان الموت يليق بييت فلان وفلان فهو غني ومردود الموت يلبي طموح العائلة عنده والتي هي اقرب الى كومة اللحم والافواه الجائعة واللبس والشرب والتعليم والطبابة والاستشفاء الى آخره مكملاً الكلام : اما موت فلان فلا يسمن ولا يغني من جوع مستذكراً رؤيته في احدى الليالي وانا الطفل الملتحف بغطاء الليل كيف ابا سمير بطل الظلام يشق عبابه واسوداده غير خائف متحدياً مجنزرات اسرائيل في كل الاجتياحات معتلياً الدبابة صارخاً بأعلى صوته استفيقوا يا عباد الله والله على الظالم ورغم طلب النازيين منه السكوت لا يبالي مكملاً مهمته الرمضانية حاملاً علبته الفارغة في آخر الشهر لتلقي العيديات من الصائمين حتى انه يعرف كل الناس ويستحق لقب مختار المدينة وهو الذي تعامل مع سكة حديد فلسطين لبنان وقبض يومها خمس عشرة ليرة انكليزية كتعويض اما بعد اربعين سنة من النضال في المدينة انتهى جثة دون تعويض له او لعائلته وحين حصل اجتياح عام 1982 مرض ابو سمير مرضاً شديداً فلا حكيم ولا مشفى ولا ادوية ولا ضمان من الحكومة فهو وجميع الناس يعيشون الهامش ويشاركون الفراغ مما حدا بأبي سمير ملازمة الفراش بعد نضال طويل ولم يجد بعد موته من ينعاه بعد ان نعى المدينة طوال هذا الزمن وبصعوبة صادف من يحمله الى مثواه الاخير اربعة اشخاص معلقاً احدهم ان ذلك فرض كفاية وليس فرضاً عينياً اذا ما قام به البعض سقط عن الكل وقد توقف المحمل اربع مرات لوجود قذائف تطلق على المدينة من قوات الامر الواقع فيكملون السير حتى الوصول الى الجبانة ثم ولوا هاربين بعد قراءة الشهادة ورمي التراب فوق المحمل فرحم الله ابا سمير حيث يوجد امثاله الكثر الكثير ولا من يدري او يسأل .

 

                                                 رجـــوع                                    Hit Counter

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©