تجـارة صـور وصنـاعتـها

 

" فاق الصوريون جميع شعوب العالم القديم بالصناعة والثبات وروح المبادرة  وبرهنوا للعالم أن المجد والشهرة ليسا وقفاً على صاحب السيف فقط ، بل هما أيضاً من نصيب من يتفوّق في ميادين الصناعة والتجارة " .

ولم يغال رولنسن في اعجابه بالصوريّين ، إذ أنَّ الأقدمين ذهبوا إلى أبعد بكثير ، فنسبوا إليهم إستنباط التجارة وكل ما يتعلّق بها : المكاييل والأوزان والنقود وفن الحساب ، وجعلهم من السلعة وسيلة للتقريب بين شعولب غريبة تفصلها عن بعضها الأبعاد الشاسعة .

ومن نصوص رأس الشمرا ـ اوغاريت الفينيقية عن الآلهة الظريفة والجميلة نرى أن نشاط الفينيقيين قد ظهر في وقت مبكر جداً ، بدليل أن الأحداث التي ترويها هذه الكتابات والتي ترجع إلى بدء نشاطهم التجاري  ، قد اتخذت في القرن السادس عشر ق.م.  ، طابعاً أسطورياً . ففي العصور القديمة جداً ظهرت تجارة الكنعانيين الذين أصبحوا فيما بعد الشعب الفينيقي ، وعلى مرحلتين ،  كانت الأولى عبارة عن حلقة من القوافل البريّة تدور بين البحر الأحمر (خليج العقبة) وابحر المتوسّط (منطقة أشدود) ، أي انها كانت محصورة في بلاد الكنعانيين وفي جوارهم القريب .

ونتجت المرحلة الثانية ـ في بدء الألف الثالث ق م ـ عن استيطانهم لصور وصيدون وحبيل . ومنذ هذا الوقت اصبحت غابات لبنان المليئة بالأخشاب الصالحة لبناء السفن، تحت تصرفهم ، فتمكنوا من بناء اسطول تجاري  كانت مهمّاته تنحصر في التنقل على طول الشاطىء السوري . وخلال هذه السفرات من الجنوب إلى الشمال والرجوع على الطريق ذاته ، راقبوا مسير الكواكب بتأنٍ واعتمدوا عليها في تحديد اماكنهم في البحر . ويروي الأقدمون أن الصوريين كانوا أول من عرف أهمية النجم القطبي للملاحة ، وأنهم تعلموا أن يهتدوا به ليلاً ، ولذا دعاه الاغريق النجم الفينيقي ، بينما كان بحّارتهم وباقي شعوب العالم البحريّة ، متجاهلين هذا النجم غير المرئي تقريباً ، يستهدون بالدب الأكبر ، الأكثر ظهوراً للعين ، متخلفين كثيراً في دقة ملاحظتهم  وسلامة سفراتهم  ، عن مستوى الملاحة الفينيقيّة .

وبعد أن استقرّ الفينيقيون في صور وصيدون وجبيل ، كان همهم بناء سفن تفي بغرض مزدوج : أن يسيطروا بها على تجارة البحر الأحمر ، وأن يتمكنوا من الذهاب بسلعهم على طول الشاطىء السوري للاتجار مع اسواق سوريا الشماليّة وبلاد ما بين النهرين .      

كانت تجارة صور تشمل جميع الحاجيات المعروفة آنذاك ، فكل ما كانت تنتجه بلادهم وما تتطلبه أذواق الناس في عصرهم كان يجلبونه من كل قاص ٍ ودان ٍ ليدفعوا به إلى أسواق العالم القديم ، فالزيت الذي تنتجه معاصر اليهوديّة كانوا يحملونه الى ترشيش ويستبدلونه بالفضّة ، والقدور النحاسيّة التي كانت ترد الى اسواق  صور من قبرص كانوا يذهبون بها الى بريطانيا وايرلندا (الكاسيتريد) ويستبدلونها بالقصدير ، وفي مصر كانوا يوسقون العقاقير والدهونات الطبية والعطور والاواني الزجاجيّة مارّين على اثينا آخذين معهم الأواني الفخّارية الى الشواطىء الاسبانيّة ، فيحضرون منها سمك الطونة والحنكليس .

وكان للمنتوجات الزراعية مكان الصدارة في تجارة صور إذ أن فينيقيا نفسها كانت تستهلك القسم الأكبر منها نظراً لكثرة عدد سكانها وانشغال اكثرهم بالتجارة والصناعات اليدويّة ، وكان ملوك صور يسيطرون على تجارة الحبوب ويرسلون السفن لشرائها . وكانت هذه التجارة هامّة إلى حدٍّ جعل النبي حزقيال يُرجع اليها اهمية صورالإقتصادية وغناها الكبير .

وكانت الخمرة احدى السلع المهمة في تجارة صور ، ويروي تاسيوس عن روابط وثيقة بين ديونيزوس إله الخمرة وصور ، وعن أعياد سنوية كانت تقام له فيها ، وأن الصوريّون كانوا يجلون هذا الإله إجلالاً خاصاً و يزعمون  أن الخمرة انعم بها ديونيزوس على البشريّة إثر احتفاء أحد الرعاة الصوريّين به واستقباله بلطف ، فكافأه الإله وهداه إلى طريقة صنعها وأوصاه بأن يرشد أبناء مدينته إليها ، كتقدمة منه للصوريّين .

وكانت شجرة الزيتون نادرة  في مصر ومعدومة في بلاد بابل ، والى هذين البلدين ، حيث كانت صناعة المراهم والبلاسم تحتاج لكميات كبيرة من الزيوت النقيّة الصافية كان الصوريّون يصدرون كل احتياجاتهما .

وكانت بلاد اوروبا حتى القرن السادس ق م ، تفتقر الى زيت الزيتون ، فكانت سفن صور تجلب إليها هذا السائل وتستبدله بالفضّة :

" كان الصوريّون يستبدلون الفضّة بالزيوت وبسلع ثانية ليس لها أدنى قيمة . وفي أول مرة أتوا فيها إلى هذه البلاد حصلوا على كميات كبيرة من الفضّة لم تستطع سفنهم أن تستوعبها كلّها ، فاضطرّوا الى رمي آنيتهم وأوعيتهم المعدنيّة وإلى استبدالها بأخرى من الفضة ، كما أنهم رموا مراسي سفنهم واتخذوا بديلاً عنها مراسي من الفضّة الخالصة " .

وكانت تجارة العطور والبهارات والافاويه احتكاراً لصور منذ أقدم العصور، حتى أن اسماء أكثر هذه المواد أخذت عن الفينيقيّة إلى اللاتينيّة واليونانيّة .

أما البلدان الزراعية المجاورة : سوريا وفلسطين ، فقد تدفقت اليها الفضّة والذهب من المناجم الصوريّة ومن تجارتها مع صور ، فازداد غنى هذه البلاد وتضاعفت ثرواتها مزيدة بذلك من غنى صور بتجارتها بسلع هذه البلاد ومنتجاتها التي كانت تنقلها الى جميع الانحاء .

وبينما كانت الأساطيل الصوريّة  تتبع ثروات الشرق حتى منابعها جالبة الى الوطن الأم كنوز اوفير وسلع الهند الثمينة ، وصلت التجارة البحريّة في الغرب حتى المحيط الأطلسي ، حتى تدفقت فضّة المناجم الاسبانيّة وتبر أفريقيا الغربية الى خزائن صور التي " كانت تجمع الفضة كالتراب والذهب كطين الأسواق " .

والقصة التي يرويها هرودوت (الرابع 169) عن الطرق التي اتبعها الصوريون والقرطاجيون بالتعامل مع سكان افريقيا ، جديرة بأن تروى هنا لغرابتها وطرافتها ، إذ كانوا يضعون سلعهم على الشاطىء وينسحبون الى سفنهم بعد ان يوقدوا النار لتنبيه الأفريقيين الى وجودهم ، فيقترب هؤلاء منها ويتفحصونها ، ويضعون الى جانبها من تبر الذهب ما يعتقدون انه يعادلها ، ثم يعودون الى سفنهم ، وعندها يرجع تجارنا ، فإذا ما وجدوا كميّة الذهب تناسب بضاعتهم أخذوها وانصرفوا ، وإلا تركوها ورجعوا الى سفنهم ينتظرون الزيادة . ويقال ان احداً من الطرفين لم يكن يخدع الآخر ، اذ لا يمسّ الفينيقيّون الذهب اذا ما لم يجدوه مساويا ً للبضاعة ، ولا يلمس الافريقيون السلع قبل أن يأخذ التجّار الغرباء ثمنها .

ويُعتقد أن مسرح أحداث هذه التجارة الطريفة كان منطقة ريو دي اورو ، او المنطقة بين نهري غامبيا والسنغال .

ولعل اروع واشمل وصف لتجارة صور هي تلك الصورة التي رسمها النبي حزقيال للمدينة ، مشبّها ً إياها بالسفينة المثقّلة بالكنوز ، وسطا العاصفة :

 

" أيتها الساكنة عند مداخل البحر

تاجرة الشعوب

أنتِ .. كاملة الجمال

تخومك في قلب البحار

بنّاؤوك تمّموا جمالك

عملوا كل ألواحك من سرو سنير

أخذوا أرزاً من لبنان ليجعلوه لكِ سواري

صنعوا مجاذيفكِ من بلوط باشان

صنعوا مقاعدك من عاج مرصّع في الشربين

كتان مطرز من مصر هو شراعك

الاسمانجولي والارجوان ... كانا غطاءك

أهل صيدون وأرواد كانوا ملاّحيك

وحكماؤك يا صور ... هم ربابينك

شيوخ جبيل وحكماؤها كانوا قلافيك

جميع سفن البحر وملاحوها كانوا فيك ليتاجروا بتجارتك

ترشيش تاجرتك بكثرة كل غنى

بالفضّة والحديد والقصدير والرصاص اقاموا أسواقك

ياوان وتوبال وماشك هم تجّارك

بنفوس الناس وبآنية النحاس أقاموا تجارتك

آل توجرمة بالخيل والفرسان والبغال أقاموا أسواقك

بنو ددان تجّارك ، وجزر كثيرة أدوا هديتك قروناً من العاج والابنوس

ارام تاجرتك بكثرة صنائعك

تاجروا في أسواقك بالبهرمان والارجوان والوشي والكتان والمرجان

والياقوت

 يهوذا وأرض إسرائيل متّجرتان معك

وبالحنطة والحلاوى والعسل والزيت والبلسن أقامتا موسمك

دمشق تاجرتك ... بخمر حلبون وبالصوف الأبيض

ددان تاجرتك بطنافس للركوب

العرب ... هم تجّار يدك بالخرفان والكباش والأعتدة

تجّار شبأ ورعمة متّجرون معك

وبأفخر أنواع الطيب و بكل حجر كريم وبالذهب أقاموا

أسواقك

سفن ترشيش قوافلك بتجارتك

فامتلأت وتمجّدت في قلب البحار

عند خروج بضائعك من البحار أغنيت شعوباً كثيرة

وبكثرة أموالك وبضائعك أغنيت ملوك الأرض .

 

وكان الصوريّون ملاحين حاذقين وتجاراَ مهرة ، ولكن النجاح في هذين المجالين لم يحل دون تفوقهم على سائر شعوب العالم القديم في ثلاثة ميادين لم يستطع أحد مجاراتهم فيها ، وهي صب المعادن ونقشها وصناعة الزجاج والصباغ الأرجواني .

وهناك مقاطع كثيرة من الكتاب المقدّس ، العهد العتيق تشيد ببراعة الصوريّين في فن الحفر ، حفر الخشب والمعدن ، وتقص علينا الأعمال الفنيّة الرائعة التي أنجزها الشغّيلة الصوريّون باشراف معلمهم العظيم حيرام أبيه في تزيين هيكل سليمان .

ومن أعمالهم الفنية التي خلدها الكتاب المقدس الكروبان (الملاكان) من خشب الزيتون الملبسان بالذهب الخالص ، وجدران الهيكل المزيّنة بنقوش ملائكة ونخيل وبراعم زهور والمرصّعة بالذهب ، وعمودا النحاس بوعز وياكين وتاجاهما ، وعلى استدارة كل منهما صفّ من الرّمان .

وعندما زار الرحالة الفارسي ناصر خسرو مدينة صور سنة 1047 م ، كانت صناعة المعادن وحفرها لا تزال مزدهرة فيها إذ شاهد " على باب البلد مشهداً فيه أفرشة وقناديل من الذهب والفضة " أعجب كثيراً بجمالها ودقة صنعها .

وإذا ما نظرنا الى المجال الثاني الذي تفوّق فيه الصوريّون ، أي صناعة الزجاج الذي طالما نسب اكتشافه إلى المصريين القدامى ، او حتى إلى أبناء صيدون ، كان لا بد ّ لنا من أن نمر على الحكاية التي يرويها المؤرّخون القدامى عن اكتشاف الزجاج .

كان مصب نهر بيلوس ـ نهر النعمان حالياً قرب عكا ـ مشهوراً بنعومة رماله ونطافتها ونقاوتها ، واتفق أن رست فيه ذات يوم سفينة فينيقيّة محمّلة بالنطرون (الصودا الكاوية) رغب أفرادها في الاستراحة قليلا ً عند مصب النهر وتناول طعامهم قربه . ولما لم يجدوا حجارة يضرمون النار بينها لتسخين مآكلهم عليها ، جلبوا بعض قطع النطرون ـ حمولة السفينة ، فجعلوا عليها القدور وأشعلوا النار تحتها .

وعندما فرغوا من طعامهم وارادوا استرجاع حجارة النطرون  وجدوا انها قد انصهرت بفعل الحرارة القويّة وألّفت مع رمل الشاطىء كتلة شفافة بديعة الشكل دهشوا لجمالها ولروعة الألوان الزاهية التي تخللتها .

ويروي بلين أن هذا كان أول عهد الناس بالزجاج .

وقد ترك لنا التاريخ وعلم العاديات عدة أمثلة على روعة صناعة الزجاج الصوري وعلى مهارة فينيقيّي صور في هذا المضمار ، ويرى كثيرون من النقاد وعلماء التاريخ أن أحد العمودين اللذين شاهدهما هيرودوت في هيكل ملقرت عند زيارته لصور (الثاني 44) حوالي سنة 450 ق م ، والذي وصفه بأنه من الزمرّد الخالص الذي يشعّ  ليلا ً ، إنما كان من الزجاج الصوري الأزرق الشفّاف ، وأن مصابيح مضيئة كانت تشعّ من داخله .

ومن روائع صناعة الزجاج الصوريّة سمكتان من الزجاج الأبيض ، طول الواحدة حوالي 5 سم اكتشفتا في صور في مطلع القرن الحالي ، موجودتان الآن في متحف اللوفر ، ترجعان الى القرن الميلادي الأول ، وتشابهان الى حد بعيد زخرفة آنيتين للشرب ، من المادّة ذاتها ، موجودتين في متحفي روما وتريف ، مما لا يدع مجالاً للشك في أن هاتين الكأسين قد صنعتا في أحد مصانع الزجاج الصوريّة .

وهناك قطعتان من الزجاج الصوري  ، إحداهما في كاتدرائية جنوى والأخرى بين كنوز كنيسة مونزا في إيطاليا ، تقدمان مثلاً رفيعاً آخر على المستوى الذي وصلت اليه هذه الصناعة في مدينة ملقرت ، الاولى منها وهي على شكل وعاء ، حسبها الخبراء بسبب صفئها وألوانها الحيّة ، محفورة في كتلة من الزمرد ، وقد روت الخرافة أنها كانت هديّة بلقيس ملكة سبأ إلى سليمان .

اما القطعة الثانية قد حسبها الناس ياقوتاً أزرق لجمالها وشدّة انعكاس الألوان فيها .

وقد ظلت صور مشهورة بصناعة أنقى انواع الزجاج حتى القرون الوسطى .

وبرع الصوريون في الحياكة وصناعة النسيج ، وكانوا يستعملون في بادىء الأمر المواد الخام التي تقدّمها لهم منطقتهم ، مستعملين أصواف قطعانهم ومواشيهم ، ولكنهم ما لبثوا ان استعانوا بما يستوردون من أصواف بلاد ما بين النهرين وتركيا ، ومن قطن مصر .

ويشيد الكتاب المقدّس ( اخبار الايام الثاني ، 2/14 ) بمقدرتهم في هذا المجال . وقد اشتهرت صور في العهد الروماني بحياكة وصناعى الالبسة الحريرية ، ويروي احد المؤرخين كيف ظهرت كليوباترا في إحدى الاحتفالات مرتدية  ثياباً حريرية مطرزة بالفضة ومصنوعة في صور .

على أن اهم ما امتازت به صور على مدن فينيقيا وعلى شعوب العالم كلّها كانت صناعة الصباغ الأرجواني الذي نشر اسم الفينيقيّين عالياً وشهرهم في جميع الأنحاء،  قبل أن تتنبّه الإنسانيّة بعد الى أهميّة الحرف الذي استنبطه الفينيقيّون وبدأوا بنشره منذ القرن الثاني عشر ق م ، زمن عظمة صور وزعامتها على كافة مدن فينيقيا .

ولأهمية هذه الصناعة وللدورالذي لعبته في اقتصادياتهم أحاط الصوريّون طريقة استخراج الصباغ بهالة من الكتمان الشديد والسريّة التامّة ، محافظين بذلك على احتكارهم المطلق لهذه الصناعة ، ومبعدين عنها كل منافسة او مزاحمة غريبة .

وللسبب ذاته نسب الصوريون اكتشاف هذا الصباغ الى آلهتهم ، ويروي الاونوماستكون (القاموس) أن هرقل كان يتمشى ذات يوم على الشاطىء الفينيقي وبرفقته تيروس (صور) إحدى حوريّات الماء الفينيقيّات ، التي كان الإله متيّماً بها . وعضّ كلبها على صدفة وحدها  بين الصخور ولوّن فمه بعصارتها ، فأعجبت تيروس باللون وأقسمت أنها لن تستقبل الإله ما لم يقدّم لها ثوبا ً مصبوغا ً بهذا الأحمر البهيّ ، تزهو به على أقرانها . وقد اضطر الاله إلى البحث عن كميّة من هذه الأصداف واستخراج مادتها الملوّنة لصباغ رداء لحبيبته تيروس التي بنى لها فيما بعد صور وسمّاها باسمها .

ومن أنواع الأصداف التي كانت تستعمل في صناعة الأصباغ : موركس برندريس الذي يكثر في انحاء صور ، وموركس ترونكلس المنتشر على شواطىء المتوسّط بكانله وخاصة قرب صيدا ، ثم هلكس يانتينا ، وهي اصداف صغيرة قريبة من الموركس ، تكثر قرب بيروت وفي فجوات في البحر قرب صور وتعطي لوناً مائلاً الى البنفسجي .

 مناطق سكن الاصداف المستعملة في انتاج الصباغ الصوري  كانت تمتد من جبل الكرمل حتى صيدا ، ولكن افضل انواعه كانت تستخرج من الأصداف التي تجمع بين عكا ورأس الأبيض ، من اعماق تصل إلى 25  قامة ، وتعطي عصارات تتراوح ألوانها بين الأبيض والعاجي ، تؤلف " مواد أو قواعد أساسية Leuco-bases "  تعطي عند معالجتها بالحوامض ، ألوان الأرجوان المختلفة .

 

كانت الأصاف تجمع في فصل الربيع ، وقبل أن تبدأ بوضع البيض ، في سلال ذات فتحات ضيقة تحتوي على لحوم حيوانات بحريّة صغيرة كطعم لاستجلاب الأصداف، فإذا ما دخلت  السلّة كميّة وافرة منها ، سحبت من البحر وبدىء  فوراً باستخراج العصارة  من الحيوانات الحيّة ، وكانت هذه الحيوانات تسلق وتستخرج عصارتها ، ثم يضاف إليها قليل من الملح ، وتترك ثلاثة ايام لتنفصل عنها أجزاؤها الصلبة ، وينقل الباقي الى أوعية من الحجر أو الرصاص ، تتخلّلها قساطل تمر فيها المياه الساخنة والبخار وتحفظ حرارة السائل قريبة من درجة الغليان ، وتعطي بعد عشرة أيام سائلاً صافياً ذا لون غامق مائل الى الحمرة ، يشكّل حوالي ستة بالمئة من الكميّة الأصليّة.

ولأن أكبر الأصداف لم تكن تعطي أكثر من ثلاث أو أربع  قطرات من " قاعدة الصباغ الأساسية " كانت جهود كبيرة وصبر متواصل لازمة للحصول على كميّة وافرة منها . وفي جربة قام بها حديثا ً أحد الباحثين مستعملاً بها الطرق العلميّة العصريّة  لم تعط اثنا عشر ألف صدفة من الموركس برندريس  أكثر من غرام ونصف من  " قاعدة الصباغ الأساسيّة " الخام . وقد حاول الباحث ذاته أن يستخلص ثمن هذه المادة على أساس نقدنا الحاضر، بالرغم مما في هذه المحاولة من صعوبات ، فتوصا الى أن غراما ً واحدا ً  من هذه المادة كان يساوي في اوائل القرن الثاني ق . م . ،  ما يعادل القوة الشرائيّة لثلاثين دولاراً أميركياً في أيامنا .

وقد اهتم كثر من كيميائيي اوروبا اللامعين منذ اكثر من قرن ، بالبحث عن طبيعة الارجوان الصوري وبتركيبه :

" والغريب ان علماء الطبيعة الممتازين لم يتوصّلوا بعد الى العثور عليه ، بيد أن صبيان صور يعرفونه كل المعرفة ، وهم يصبغون الخرق الصوفيّة بأن يمزجوا العصير المستحلب من اصدافه بقليل  من كربونات الصودا وعصير الليمون يستخدمونهما كمادّة كاوية ويتخذون من خرقهم الملوّنة بالأحمر الضارب الى البنفسجي أعلاماً يحملونها في ألعابهم كما يفعل صبيان بلادنا "

ولكن ما لم يتوصل اليه علماء الطبيعة في القرن التاسع عشر ، لم يعد يشكل أية صعوبة أمام كيميائيي القرن العشرين الذين لم يكتفوا بتحليل الأرجوان والكشف عن العناصر التي يتألف منها ، بل تمكّنوا من تركيبه بسهولة من مادتي الأنيلين وأوكسيد الإتيلين (والإثنثتان من مشتقات البترول ) و وجدوا أن مادّة الصباغ الأساسيّة هي جسم صلب ذات لون ارجواني يتسامى ( يتبخر دون المرور بالحالة السائلة ) عند تعريضه لحرارة مرتفعة ويشكّل عندئذٍ بلورات ذات لون ازرق غامق هي مادة "ديبروم أنديغو"  .

وإلى جانب هذه المادّة الأساسيّة كانت هناك ، بكميات قليلة ، مواد ملوِّنة أخرى تختلف بإختلاف نوع الاصداف المستعملة .

وكانت عملية الصباغ تتم بأن يغمس في المحلول قماش من الصوف أو الحرير أو الكتان ، ثم يعرض ، بعد إضافة الحامض إليه إلى أشعة الشمس الحادّة ، فينشأ لون أخضر يتحوّل بعدها إلى الأزرق  فالاحمر وأخيراً إلى الأحمر الأرجواني . فإذا ما غسّل بمياه الصابون أعطى لوناً قرمزيّاً . وفي بعض الأحيان يكون اللون الأخير ارجوانياً مائلاً إلى الزرقة .

أما دور المواد الكاوية Mordants في تحضير الارجوان الصوري ، فغير معروف بصورة أكيدة ، وكل من اهتم بالألوان وطرق تحضيرها يعلم الى أي مدى تؤثر هذه المواد في مقاومة الصباغ  للماء والنور ، وفي قدرة تلوينها ولمعانها وصفاء ألوانها . ومن غير المعقول أن يكون الصوريون اكتفوا في صناعة ارجوانهم بالأصداف التي كانت تعجّ بها كل شواطىء المتوسّط  والتي لم تكن قدرتها التلوينيّة تخفى على أحد ، وعلى جزر الكناري (في المحيط الطلسي) كانت تنبت بوفرة قصبة الصباغ المعروفة بالاورسي ، وهذه الجزر كانت موطن نوع ثان من الصباغ الأحمر يسمى دم التنين يستخرج من أصماغ بعض أشجارها ، وما يرويه المؤرخ بلين عن ملك موريتاني أنشأ هناك مصبغة للأرجوان وعثوره في هذه الجزر غير المأهولة على آثار وبقايا بنيان ترجع إلى أصل فينيقي ، يؤكد أن هاتين المادتين كانتا تدخلان أيضاً في صناعة الأرجوان ، كما أن الاسم الذي كان يطلق على هذه الجزر : البرفيرية Purpuriae يرجّح صحّة هذا الرأي .

وإلى جانب هاتين المادّتين كان الصوريّون يستعملون كثيراً من الطحالب والأعشاب البحريّة من جزيرتي كريت وقبرص .

ولبس الأرجوان في صور كان وقفاً على الملك والكاهن الأكبر في هيكل ملقرت  ، ثم سمح فيما بعد لكبار رجال البلاط واشراف المملكة بإرتدائه حتى أنه أصبح يعبّر عن العظمة والمكان الرفيع، وما عبارة "مولود للأرجوان Born to the purple"  التي تستعمل للتعبير عن الارستقراطية وشرف المولد ، إلا من ذكريات تلك الأيام ، عندما كانت كلمتا أرجوان وملكي متلازمتين إلى حد أنهما كانت تؤديان المعنى ذاته  كما حدث للفيلسوف الصوري فرفوريوس الذي كان يدعى في مسقط رأسه ملكوس، وأراد ان يترجم اسمه الى اليونانيّة ، فلم يجد له استاذه افضل من كلمة فرفوريوس (أرجواني) بإعتبار أن المُلك والارجوان مترادفان .

وتحريم ارتداء الأرجوان على كل من لا ينتمي الى الطبقة الحاكمة ساعد على تثبيت النظام الطبقي في العالم القديم ، وقد سنـّت مدرسة الحقوق في بيروت، في عهد جوستنيان ، قوانين صارمة تؤمّن امتيازات الحاشية الملكية ورجال الدين في هذا المجال .

ويذكر مارسيال أن ثمن ثوب مصبوغ بالأرجوان بلغ في أيامه (42 ـ 101 م) ما يعادل الفي دولار في عملتنا الحالية .

وكان الحرير المصبوغ بالأرجوان معروفاً في صور في القرن السادس ق . م . أما الحرير الصيني فقد تدفّق على البلاد منذ 115 ق . م . ، وكانت صور تستورده فيحاك في مصانعها ثم يصبغ ويصنع منه القماش والألبسة ويعاد تصديره ثانية إلى الصين حيث يقبا الأثرياء وكبار التجار على شرائه .

وفي تدمر وجدت في أحد النواويس قطع من الحرير الصيني ، المصبوغ بالأرجوان الصوري ، ترجع إلى السنة 83 م .

وكان زينون الصوري مؤسس الفلسفة الرواقية (336 – 264  ق . م ) تاجر أرجوان في كيتيون ـ قبرص  قبل أن يصبح فيلسوفاً اغريقياً .

ولقد ظلّت صناعة الارجوان في صور مزدهرة حتى أيام شارلمان ، الذي كان رعاياه في البندقيّة يستوردون هذا الصباغ الملكي من تجّار الساحل اللبناني العرب . 

رجــوع

 
 جميع الحقوق محفوظة  لموقع يا صور yasour.com 2005  ©