ان
المجال الثاني الذي تفوّق فيه الصوريّون
هوصناعة
الزجاج الذي طالما نسب اكتشافه إلى المصريين القدامى ،
او حتى إلى أبناء صيدون ، كان لا بد لنا من أن نمر
على الحكاية التي يرويها المؤرّخون القدامى عن اكتشاف
الزجاج .
كان مصب
نهر بيلوس ـ نهر النعمان حالياً قرب عكا ـ مشهوراً
بنعومة رماله ونطافتها ونقاوتها ، واتفق أن رست فيه ذات
يوم سفينة فينيقيّة محمّلة بالنطرون (الصودا الكاوية)
رغب أفرادها في الاستراحة قليلا ً عند مصب النهر وتناول
طعامهم قربه . ولما لم يجدوا حجارة يضرمون النار بينها
لتسخين مآكلهم عليها ، جلبوا بعض قطع النطرون ـ حمولة
السفينة ، فجعلوا عليها القدور وأشعلوا النار تحتها .
وعندما
فرغوا من طعامهم وارادوا استرجاع حجارة النطرون وجدوا
انها قد انصهرت بفعل الحرارة القويّة وألّفت مع رمل
الشاطىء كتلة شفافة بديعة الشكل دهشوا لجمالها ولروعة
الألوان الزاهية التي تخللتها .
ويروي
بلين أن هذا كان أول عهد الناس بالزجاج .
وقد ترك
لنا التاريخ وعلم العاديات عدة أمثلة على روعة صناعة
الزجاج الصوري وعلى مهارة فينيقيّي صور في هذا المضمار ،
ويرى كثيرون من النقاد وعلماء التاريخ أن أحد العمودين
اللذين شاهدهما هيرودوت في هيكل ملقرت عند زيارته لصور
(الثاني 44) حوالي سنة 450 ق م ، والذي وصفه بأنه من
الزمرّد الخالص الذي يشعّ ليلا ً ، إنما كان من الزجاج
الصوري الأزرق الشفّاف ، وأن مصابيح مضيئة كانت تشعّ من
داخله .
ومن روائع
صناعة الزجاج الصوريّة سمكتان من الزجاج الأبيض ، طول
الواحدة حوالي 5 سم اكتشفتا في صور في مطلع القرن الحالي
، موجودتان الآن في متحف اللوفر ، ترجعان الى القرن
الميلادي الأول ، وتشابهان الى حد بعيد زخرفة آنيتين
للشرب ، من المادّة ذاتها ، موجودتين في متحفي روما
وتريف ، مما لا يدع مجالاً للشك في أن هاتين الكأسين قد
صنعتا في أحد مصانع الزجاج الصوريّة .
وهناك
قطعتان من الزجاج الصوري ، إحداهما في كاتدرائية جنوى
والأخرى بين كنوز كنيسة مونزا في إيطاليا ، تقدمان مثلاً
رفيعاً آخر على المستوى الذي وصلت اليه هذه الصناعة في
مدينة ملقرت ، الاولى منها وهي على شكل وعاء ، حسبها
الخبراء بسبب صفئها وألوانها الحيّة ، محفورة في كتلة من
الزمرد ، وقد روت الخرافة أنها كانت هديّة بلقيس ملكة
سبأ إلى سليمان .
اما
القطعة الثانية قد حسبها الناس ياقوتاً أزرق لجمالها
وشدّة انعكاس الألوان فيها .