عمال صور في عيد العمال: يوميات الشقاء والتعب على مدى عقود ..... ( مقابلات )
30-04-2010


تحقيق: غنى جرجوعي
تصوير: محمود نزال
______________

في يوم عيد العمال توجهنا اليهم، الى قلب كفاحهم ومعاناتهم وشقائهم اليومي، كنا معهم في اعمالهم حيث يصنعون من الصخر لقمة الخبر بعرق الجبين وشرف العمل، هم ابناء صور الاصيلين، العاملين بكد وشرف، والمترفعين عن تفاهات السياسة وتقاسم المغانم، انهم الصامتون في زمن الكلام الرخيص، والمتكلمون بالسلاح والموقف والدم عندما يكون الكلام لغة الرجال الرجال، انهم العمال ، قلب المجتمع ونبض الحياة في حلوها ومرها وقسوتها، في عيدهم لهم اسمى التحيات وفي يومهم العالمي تنحني امامهم الهامات وتخشع، وسيلتنا الى تكريمهم متواضعة لا تتعدى بضع مقابلات اجريناها مع بعضهم علها تكون وسيلتهم للتعبير عما يريدون:

الحاج أمين حضرة: ابن السبعين عاماً, "سكاف" يعمل في محله المتواضع منذ نصف قرن او اكثر, صاحب همة, باله الطويل مدعاة للحسد.
العم أمين لديه ثلاث شبان وبنت وحيدة, مازالوا همه وشغله الشاغل وحتى بعد استقرارهم يعتبر نفسه مسؤولاً عنهم وهو يعمل من أجلهم فلربما احتاجه احدهم يوماً، عندها لا بد ان يكون حاضراً للمساعدة،, وحينها لن يقف موقف المتفرج, بل سيتسنى له مساندتهم (على حد قوله), على الرغم من محاولاتهم المتكررة اعفائه من مهماته كي يعيش ما تبقى من أيامه براحة, الا أنه رفض.
وأما الدرس الذي تعلمه من تجربته في مهنته فهو الصبر.
وفي كلمته الأخير لمناسبة عيد العمال: تمنى الصحة والعافية لكل عامل كادح.

الحاج عادل سكماني: ابن الستين عاماً ووالد لخمسة شباب. تدخل محله في السوق القديم فتجده خير تعبير عن حالة صاحبه, يظل غارقاً في تصليح ما بين يديه. مهنته اليومية صناعة وتصليح وتلحيم الادوات المعدنية مثل "كانون الفحم", يمارسها منذ أربعين عاما, مهنة ورثها عن أبيه. حياته كانت غنية بالانجازات, استطاع في شبابه أن يمثل لبنان ببطولة كمال الاجسام, الا أنه لم يتابع, اجبرته الظروف الصعبة على ترك الرياضة والتفرغ لتحصيل لقمة العيش, ولكن في مكنونات نفسه لديه عتب كبير على الدولة اللبنانية باح به لأنها لم تقدر المواهب وتنميها, بل تشلها وتقتلها, علاوة على ذلك, ندد بالاهمال الرسمي بحق كبار السن وانتقاص حقوقهم وخاصة لناحية بقائهم في العمل المضني لعدم توافر البديل او الرعاية لهم.
وعن الدرس الذي تعلمه من عمله "الصبر".
أما كانت كلمته الاخيرة دعاءً طيبا للعمال بالسعادة وراحة البال.

الحاج محمد حب الله : صوري خمسني, والد لخمسة أولاد. يعرض سمكه في السوق القديم على بسطة خشبية ليستطيع من خلال بيعه تأمين الحاجات الأساسية لأبنائه.
الدرس الذي تعلمه بدوره من مهنته" الاكتفاء الذاتي وأن لا يحتاج الانسان الى أحد".
وفي ختام حديثه وجه نداءً الى المسؤولين بضرورة تطبيق نظام ضمان الشيخوخة ليكون بمقدور الفقير المسن الراحة والاستمتاع قليلا في جو من الامان خصوصاً في اواخر أيامه في ظل الظروف الراهنة الصعبة التي يرتفع معها سعر الدواء الذي يحتاجه كلما مرت به الأيام.

الحاج اسماعيل سلطاني: يعيش في حضرة أجداده الرومان , يحرسهم ويحفظ أثارهم من أي طعنة غدر من قبل اي غريب. هو لم يفارق حراسة الاثار منذ سبعة وثلاثون عاما على التوالي. لديه خمسة أولاد ومازال يعيش الشقاء والتعب كي لا يحتاج الى أحد حتى أبنائه, هو قد رسم لهم خريطة مستقبل مختلفة عن تلك التي عاشها, أراد أن يرى بهم حلما جميلاً خالٍ من كابوس الشقاء والحرمان كما عاش هو, لذلك فهو يعتبر ان الدرس الذ تعلمه في حياته هو : " العلم سلاح".
وأما بما يتعلق بالمناسبة, فقد وجه كلمة معايدة الى العمال في عيدهم متأملا ان يعود عليهم بهدوء البال بعيدا عن الفقر والحرمان.

الحاج حسن خضرة : نجار منذ اثنين وخمسون عاماً. يعيش بين ألات كانت أقسى من زمانه, عطلت يده اليمنى وحرمته البسمة, ولكن لا بديل ولا خيار أفضل, تابع بألم عميق غير مبالٍ الا بتأمين لقمة العيش لخمسة أبناء لا ذنب لهم.
درسه في الحياة "العمل بجد وصبر".
وأما رسالته للعمال كانت بسمة هادئة وربما ساخرة من حالة يرثى لها.

الحاج يوسف الأشقر: صاحب خان يبيع فيه الانتيكات منذ عشر سنوات بعد عز دام خمسون عاما. لديه خمسة أولاد, لكنه "ابن عز", نفسه لم تسمح له بالانكسار والخضوع حتى لهم. هو بليغ الكلام ومثقف, ولكن الزمان غدر به وطعنه, الا أنه سيبقى واقفا حتى الموت لطالما بقي فيه شيئ من القوة والصلابة.
أما الدرس الذي تعلمه من تجاربه المتناقضة "أن أسعى دائما نحوالأفضل".
ولهذه المناسبة كان له نداء توجه به الى المثقفين الذين سخروا عقولهم لخدمة الزعماء وتعظيم نفوذهم: "توقفوا عن استغلالكم للفقراء الأميين وتحويلهم الى وقود لكم".

الحاج محمود نصرالله: صاحب المقص العريق, حلاق قديم يعمل منذ خمسة وأربعون عاما, ومازال قابعا في محله الذي يعيدك الى الوراء, الى ذلك الزمن الجميل بهيئته, ومازال أيضاً حلاق لأبناء حارته الذين يساونه عمرا تقريبا. فهو يفضل كلمة "الشغل خفيف" على كلمة "عاطل عن العمل" لا دور له، هو اب لعشرة اولاد.
أما الدرس الذي تعلمه من مهنته أن يمتلك الانسان الوعي.
وكذلك كان له في ختام حديثه كلمة توجه بها الى العمال في عيدهم: اصبروا على هذا الزمن المشؤوم حتى يفرجها الله لطالما أن الدولة لن تسعى بفرجها".

الحاج عباس حلاوي رجل في الخمسين من العمر, "سواح" في صور ومنطقتها منذ عشرون عاما, مهنته سواق تاكسي يجاهد طوال النهار ليكون على قدر المسؤولية أمام أبنائه الأربعة.
الدرس الأهم الذي تعلمه الأمانة وكيفية التعاطي مع الغير.
أما كلمته الأخيرة تمثلت بمناشدة أصحاب العمل بالاقفال يوم العيد كي يشعر العمال بعيدهم.

الحاج محمد قرعوني رجل في السابعة والخمسون من العمر, ورث منذ أربعين عاما مهنة أبيه وأجداده, ففي يده اليمنى سكين عريض يرافقه منذ لحظات الشروق وحتى مغيب الشمس, يمضي نهاره بين اللحمة واقفاً على رجليه غير شاكٍ لأحد يقيناً منه بصعوبة الحياة ومتطلباتها، ولكي لا تكون هذه الأخيرة عبئا على أولاده السبعة.
أما الدرس الذي تعلمه " العمل عبادة"
وفيما يتعلق بالكلمة الأخيرة للعمال: علينا أن نكافح ونناضل للحصول على مطالبنا وحقوقنا من دولة غير عادلة.

الحاج علي قصاب بحار عاش في وسط بحر رمى فيه شباكه ليلتقط منه الرزق, وحدثه كثيراً عن همومه ورمى في عمقه أسراره. هو ابن السابعة والخمسين من العمر, الا أنه احب البحر باكرا وكما يقول المثل "ابن البط عوام", ورث عن أبيه مهنة الصيد, وها هو لديه ثلاث شباب وواحد منه يعيد تاريخ العائلة ليرث قلة الرزق و"التعتير" على حد قوله.
أما الدرس الذي تعلمه من البحر الصبر والأكل بعرق الجبين.
وفي الختام وجه معايدة الى كل عامل كادح.

الحاج عدنان نزال: فنان ولكن من نوع أخر, ابن السابعة والخمسين من العمر, لديه أربعة عشر ولدا, الا أنه أراد أن يكون له مهنته المتميزة الخاصة, أحب الابداع والابتكار والعمل اليدوي الممتع والمتعب على حد سواء, مهنته هي تصنيع وترميم تحف وثريات قديمة وجديدة.
الدرس الذي تعلمه هو الصدق والاتقان.
أما الكلمة الأخيرة قال فيها: على الدولة السعي في تحسين الأوضاع العمالية كي يكون لهم عيد حقيقي.

الحاج جلال السمرا: رجل في التاسعة والأربعين من عمره ووالد لأربعة أولاد, هو مثال للرجل القوي الصلب صاحب التصميم الكبير على تخطي ظروف الحياة الصعبة, فيده اليمنى معطلة ويعمل بيده اليسرى مهنتان, الأولى عامل غير مثبت في بلدية صور التي يكن لها الشكر والامتنان, وفي الثانية يفترش الرصيف أمام المارين بمتطلبات التسلية من القهوة, الفول, الترمس الخ, كي يتحدى ظروفه الاقتصادية الخانقة نتيجة لمتطلبات الدواء الذي يحتاجه شهريا, عدا عن حالة ابنه الصحية التي تحتاج للرعاية في مؤسسة حاصة وتكلف الكثير مما أوقعته في الدين. فهو لولا عمله المتواصل بجانب المساعدات التي يتلقاها من قبل الأستاذ ناصيف سقلاوي والأستاذ محمود حلاوي لكان وضعه زاد سوءاً.
أما بشأن الدرس الذي تعلمه هو "الكفاح".
أما في الكلمة الأخيرة كان لديه أمنية بتحسن الأوضاع الظروف على جميع العمال.

الحاج محمود اسطنولي: رجل في السابعة والستين من عمره, هو لم يعد والد فحسب, بل جد له أحفاد يلعبون في ربوعه وبين ذراعيه, الا أنه يأبى الارتياح من العمل الجاد المتواصل منذ سبعين عاما في فرنه رغم محاولات أبنائه اقناعه بالتقاعد والخلود الى الراحة. ما زال يعتبر نفسه على الأقل مسؤولاً عن نفسه وعن زوجته في تأمين مصروفهم اليومي دون أن يكون عالة على أحد.
الدرس الذي تعلمه :الصبر".
أما كلمته الأخيرة قال فيها: الله يفرحها على جميع العمال ويمنحهم طول البال والصحة والعافية.

الحاج عباس الشاب: في اواسط السبعينات من العمر, خياط منذ اثنين وستون عاما, ابتسامته وتفاؤله وهدوئه تبعث لديك الراحة والدهشة في آن معاً فالرجل رغم كل الظروف الصعبة يبقى مصمماً على العمل والعطاء دون ان يكترث بأية معوقات, وكذلك تبهرك معداته التي هي فعلا أثرية وما زال يحتفظ بها ويعود تاريخها الى مئة ومئة وخمسون عام تنقلت بين ثلاثة خياطين قبل ان تصل اليه. أما هو يعمل من أجل العمل لا يستطيع أن يبقى في المنزل ويعتبر ان العمل يحفظ الصحة والمعنويات, ورغم الحاح أبنائه عليه ان يرتاح بعد مسيرة طويلة ومضنية الا انه مصر على المضي في مسيرة العطاء ...
الدرس الذي تعلمه هو حب العمل.
اما الكلمة التي وجهها للعمال في يوم عيدهم " يا عمال العالم اتحدوا ".








 

New Page 1