Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



دعوة تأمل في " دار الأمان للمسنين - العباسية " ....... بقلم الأستاذ محمد حمود


بقلم الاستاذ محمد احمد حمود :: 2013-02-06 [02:02]::
بقلم الأستاذ محمّد أحمد حمّود
... مرّة ثانية تجول الذاكرة في بحر الحياة الهائج، وتتلمس الفكرة لوحة جديدة عتيقة من لوحات العمر... أتجوّل في خاطري كنبذة سردية أقرأها في وجوه أولئك النائمين على أسرّة الوجع والحزن والنعي القادم كورقة استلّتها أياد خفيّة منذ أن غادرتهم قلوب الأحبة والأعزّة وقد هزمتها غربة الروح فأحالتها عابرة سبيل تتناغى مع أم ٍ ماتت لوحدها وهي تعانق " مزهرية الورد " التي تفتحت بعد ذبول، مذ ساقها القدر الى دار من الحب والأمان...
عجيب أنت أيها الانسان حينما تنظر الى شبابك من مرآة عينيك، وتقرأ في كتاب سنواتك المديدة أنك ستبقى كما أنت، رجلاً لا تتعبه الأيام ولا تتنازعه الكهولة الوافدة .. ولا تتأمل !
عجيب أنت أيها الانسان حينما يُغشي الضباب عيونك فتتأبط الشباب أملا ..وتدلّلك القوة .. لكن الى حين .. ولا تتأمل !
أدعوك ..وأدعو نفسي أن نتبصر معا ولو لبرهة بما في الحياة، نتحامل على خبريات عايشها آخرون... ونقتنص منهم ما غاب عنا !
تأمّل في امرأة كانت أحلى من ياسمينات البساتين الشاطئية وقد غدت مترهلة تسرد حكايتها القديمة على عتبات الدار الجميلة !
تأمّل في رجل جال في الدنيا حاملا زوّادة المال والجمال والشباب ، وقد طأطأ الرأس لتاريخه الذي أحاله هزيلا على سرير يتنازعه الصراخ والأنين وغدر السنين !
وآخر مثقف في الخمسين أذاقه الدهر مُرّ الكلام وعتاب الأحبة ونسيان القريب .. فذاب في نهر هيامه اليائس ..
أدعوك .. للعروج ناحية الدار الجميلة .. وقد حملت ثقل العذاب ونفضت لثمات الدموع عن جفون ستموت بعد حين ..
في تلك الدار كلام وأحلام .. وروايات عمر!
حينما تمشي تسرح في المبنى الوارف تحسب نفسك في مقهى لطيف صالح لرومنسيات اللقاء بين قلبين وعِشقين وأكثر..إنسيّة تتخذ من جانب الممرّ الأول مجلسا، تدندن لعنة العمر، تحمل زوّادتها لتعود الى اللاعودة، حيث لا حسيب ولا قريب ولا منزل يأويها بعدما تخلى عنها الزمن... و.. الحبيب الذي مات حيا !
وفي باحة المدخل رجل يصارع آخر أيامه، وقور عليه هيبة عتيقة أماتها المرض المزمن بعد أن فرّغ حقده في جنبات قدميه، وآخر في المقهى أتى به أحبّة الدار من خلف زنزانة القُمامة وشوارع الخُبث بعد عاصفة حملت سيول القهر فأحالوه إنسيا من جديد .. وإن لثغت لغة الموت دنو وفاته .. ولكنه ضحك ضحكته الأخيرة في دفء الدار ..!
تصعد على سلالم الدار، تعاندك المشية تلو المشية، حتى تبلغ مأساة من أحلام البشر، غرف لطيفة أشبه بأوتيلات النجوم الأربع أو الخمس، غرف متراصفة تفرّق بين الرجل والأنثى ، ولكل منها حكاية ورواية ، واحدة تحكي سرّها الذي حفظه أهل الدار عن ظهر قلب، وأخرى تعتّب مواويلها وتنشد أغنيات الماضي الجميل، وفي غرفة ثانية معلّمة ودودة .. امتهنت التعليم لعشرين من السنين، ثم ّ غيبها العمر في غرفتها وحيدة تقرأ ما حفظته مشافهة ، وقد تخيّلتُها معلمة لغة عربية حصلت على شهادة الماجستير منذ عشرين عاما بدرجة امتياز.. وفي غرفة أخرى حسناء تتجمّل لعريسها الذي غاب بعد لعنة أو مسّ شيطان، فتركها تهوي مع تجعدات لم تستطع اخفاء أنها كانت ملكة ذات ليلة ..
في الدار شبّان ..وعجائز .. في الدار أحلام وأقلام ... شاب أربعيني يهذي بما كان ولمّا يكتب وصيته بعد..كان جباراً يخطّ مراجله بإزميله الماهر .. لكن الزمن أزعجه فتودّد وتقلّد وسام التقاعد يبكي ويشكو أحلاما مميتة..
تمر ّعبر رواق الطابق الأول والثاني .. هنا فتاة كانت أميرة .. وهنالك أمير كان ذات يوم يضج بالحياة ... ثري ّ هنا .. وفقير هناك .. هنا رجل يحتضر وهناك امرأة ثمانينية تواجه سرطان الموت ، وهنالك امرأة أخرى مقعدة أو " حجّة " لطيفة تدوّر عينيها وتبتسم ، نسأل فتيات الدار من ممرضات أو اداريين ، يسردن لنا حكايا وحكايا .. دموع ووجوم وشعور كوخز الشوكة الحاملة وردة جورية .. تدميك حينا وتتحنن عليك بجمالها حينا آخر ..
في الدار الطيّب مرثيات من بكاء .. أحزان طيّ أحزان .. وجع لا تمحوه سوى بسمات من مدير هنا أو مشرفة من هناك أو ممرضة أو موظف ، يلاطفون معاً كل وافد بوسامة من حبّ زُرع في قلوبهم الحلوة، وكأنك أمام لوحة من رثاء جميل، تقرأ في ألوانها سُمرة الجيل القديم، خيوط سوداء ونفنفات بيضاء وقراءات في أحجيات العمر ووجوه لا تهدأ ..
تأمل أيها الانسان ذاتك التي قد تشبعك تسويفا، وتلفّت ناحية الدار لتقرأ طالع آمالك فيه، وتجنّب ثقل الحياة فيك ، فالدار اللطيفة على رابية العباسية، واحة من نخيل تعاند الموت .. سر ّ تكتبه العيون بملح الدموع وسكّريات القلوب الطيبة .. تأمّلها .. عساك تعود منها بوردة تقطفها من باحته الخارجية ، وردة من دون شوك .. وعطر من دون ألم .. تأمل فيها حياتك .. عسى أن تحيا بها من جديد غاب عنك .. أو ربما أعطتك أملا جديدا لحياة أجمل ...أدعوك أن تتأمل !!!
محمّد أحمد حمّود .


New Page 1