Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



خطبة الجمعة لسماحة العلامة السيد محمد علي فضل الله


:: 2013-02-23 [01:24]::



بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيم
وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمينَ، وَأَفَضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَى أَشْرَفِ خَلْقِ اللهِ وَأَعَزِّ المُرسَلينَ سَيِّدِنَا وَحَبيبِنَا مُحَمَّدٍ رَسولِ اللهِ وَعَلَى آَلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَأصحَابِهِ الأخيَارِالمُنْتَجَبين.
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ {الصَّافات:24} ويقول عزَّ من قائل في موضعٍ آخر: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا {الإسراء:36}
يؤسِّس الإسلام لمفهوم المسؤوليَّة في حياةِ الإنسانِ المُسلِمِ على قاعدة صلبةٍ ترتبط بعلاقته بالله عزَّ وجلَّ وبمصيرِهِ الأخروي في يوم القيامة. فالإنسان حين يبلغ سنَّ التكليف الشرعي ويستوفي شروطه من القدرة والاستطاعة والوعي والرُّشد والعقل وإمكانيِّة التفكير في الأمور والقضايا المختلفة والنظر فيها، يُصبحُ مسؤولاً أمام الله سبحانه وتعالى بشكلٍ مباشرٍ عن كلِّ فكرٍ يتبنَّاه، وعن كلِّ كلمةٍ ينطق بها، وعن كلِّ فعلٍ يقوم به، وعن كلِّ حركةٍ يتحرَّكُها في امتداد حياته كلِّها.
ويترتَّب على هذه المسؤوليَّة في الدنيا، الحساب في الآخرة، حيث سيقف كلُّ إنسانٍ بين يدي خالقهِ يوم القيامة ليحاسبَ في محكمة العدل الإلهيِّ وليلقى كلَّ ما قدَّم لنفسه في الدنيا، إن خيراً فخير وإن شرًّا فَــــشَرّ، كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ {المدَّثر:38} وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا{الكهف:49} فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ {الزَّلزلة:7-8}.
لقد أراد الله سبحانه وتعالى للإنسان أن يعيش الإحساس بالمسؤولية تُجاه نفسه وأهله ومجتمعه وأمته وتُجاه الحياة كلِّها من موقع علاقته به عزَّ وجلَّ، بحيث يكون تحمُّله للمسؤوليَّة في الدنيا أمراً جدياً وخطيراً يرتبط بشكلٍ مباشرٍ بعاقبته ومصيره في الآخرة.
ولهذا فإذا أرادَ الإنسانُ أن يطمئنَّ إلى مصيرهِ يوم القيامة وأن يحصل على النتائج الإيجابية في الآخرة، فإنَّ عليهِ أن يسعى بأقصى قوته وبكلِّ جهده ليتحمَّل مسؤوليته في الدنيا عن كلِّ ما كلَّفه الله سبحانه وتعالى به، على مستوى تكاليفه العبادية كالصلاة والزكاة والخمس والصوم والحج والدعاء وذِكْرِ الله وغيرها، أو على مستوى تكاليفه العامَّة العمليَّة والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وما إلى ذلك من أمورٍ تتصل بعلاقته بالناس من حوله وبالحياة كلَّها، فــــ الدنيا مزرعة الآخرة كما يقول أمير المؤمنين علي(ع)، ولذلك فإنَّ علينا أن نُحسِنَ إختيار ما نزرعه في حياتنا -من أقوالٍ أو أفعلل- لأنَّنا سوف نحصدها في الآخرة. وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الجَزَاءَ الأَوْفَى {النَّجم:39-40-41}
وهكذا، فإن الله عزَّ وجلَّ أرادَ لنا أن نكونَ المسؤولينَ الَّذين يتحمَّلون المسؤوليَّة في حياتهم بكلِّ جِدٍ و بكلِّ وعي - كلٌّ من موقعه وكلٌ بحسب طاقته وإمكاناته- والَّذين يَعمرون الأرض كما أراد لهم ربُّهم أن يَعمروها بالعدل والخير والسلام والمحبة والفضائل وبكلِّ ما ينفع الناس.
ومن هنا فإنّ معنى المسؤولية في الإسلام لا ينحصر بالجوانب العبادية أو الفردية، وإنَّما يمتدُّ ليتَّصل بكل أبعاد الحياة وبمختلف نواحيها، وهذا ما يشير إليه حديث الإمام علي(ع)عندما قال: اتقوا الله في عباده وبلاده فإنَّكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم.
ومن هنا كان العمل في الإسلام عبادة كما هي الصلاة وكما هو الصوم والحج وسائر العبادات، والعمل المقصود هنا ليس مجرد العمل الَّذي يتعيَّش الإنسان ويسترزق من خلاله، بل هو يشمل -مضافاً إلى ذلك- كل ما يقوم به الإنسان في حياته ويكون الهدف منه التقرّبُ إلى الله تعالى ونيلِ رضوانه، سواءًا كان ذلك في الإطار الخاص أو العام، كعيادة المريض أو إغاثة الملهوف، أو قضاء حاجة المؤمن، أو خدمة الناس في إطار عمل اجتماعي أو ثقافي، كالمساهمة في شق طريق أو بناء مستشفى أو مدرسة أو نشر العلم والثقافة والوعي وما إلى ذلك من أمور، أو إقامة العدل ومواجهة الظلم والظالمين، فكلُّ هذه الأعمال تُعتبر في الإسلام عبادةً يُمكن للمؤمن أن يتَعبَّد ربّهُ بها،
ومن هنا أيُّها الإخوة، فإنَّ علينا أن نجدَّ في السعي إلى تحمُّل مسؤولياتنا في هذه الدنيا لنحصل على ثواب الله ورضوانه في الآخرة، فهذا ممّا يرتبط به مصيرنا عنده، ليس لأنَّنا نريد أن يمتدحنا الناس، أو لأننا نريد أن نحصل على مالٍ أو جاهٍ أو منصبٍ وظيفي أو اجتماعي أو سياسي أو أيِّ جاهٍ دنيويٍ، فهذا مما قد يحصِّله الكثيرون من دون أن يُخلصوا في تحمُّل مسؤولياتِهم، لأنَّ بعض الناس قد يكذب ليحصل على المديح، وقد يختلس ويسرق ليحصل على المال، وقد ينافق ويغش الناس ليحصل على موقع اجتماعي أو سياسي، و نحن قد بتنا نعيش في عالمٍ يَمتِهنُ فيه الكثيرون الكذب والسرقة والاحتيال والنفاق باسم الدين، وباسم القيم والمبادئ، وباسم الأوطان والقضايا الإنسانية العامة، ليثروا على حساب ذلك كلِّه، وليصعدوا في السلَّم الوظيفي والاجتماعي والسياسي وليحققوا مصالحهم الدنيوية الشخصية، لا بل إنَّ الكذب والنفاق والغش بات صناعةً يمتهنها الكثيرون في السياسة والاجتماع والاقتصاد، ويستخدمون فيها أرقى وسائل التكنولوجيا من وسائل دعاية واتصال وإعلام وغيرها بهدف تحقيق مصالحهم وتلميع صورتهم أمام الناس، وهذا لا يقتصر على طبقة معيَّنة أو بلدٍ محدَّد ولكنه أصبح منهجاً شائعاً يعتمده الكثيرون سواء من الناس العاديين أو من أصحاب المواقع والنفوذ في المجتمع والدولة والسلطة، أو حتى على مستوى الدول والعلاقات بين القوى الاقتصادية والسياسية الكبرى في العالم، وللأسف فإنَّ هذا التزييف والخداع ينطلي على الكثيرين من الناس في سواء في مجتمعاتنا أو في غيرها.
أيُّها الإخوة، إنَّ علينا أن نخلص في تحمُّل مسؤوليَّاتنا الَّتي حمَّلنا الله إيَّاها، وأن نكون الواعين والصادقين، فالمسؤولية أمام الله ربِّ الأرباب وخالق الخلائق وجبار الجبابرة الَّذييَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى {طه:7} والَّذي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ {غافر:19}، فلا مجال للكذب ولا الخداع ولا الرياء ولا الغش ولا النفاق، بل هذا هو المُهلك عند الله عزَّ وجلَّ، أمَّا النافع فهو الكدح والسعي والإخلاص والصدق الَّذي فيه الفوز العظيم، قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ {المائدة:119}
إن مسؤولياتنا الَّتي حمَّلنا الله تعالى إياَّها تشمل كلَّ تفاصيل حياتنا، وكلَّ ما هو تحتَ إشرافنا، وكلٌّ منا بحسبه، فقد جاء في الحديث عن رسول الله(ص): ألا كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّته، فالأمير الَّذي على الناس راعٍ وهو مسؤول عن رعيَّته، والرجلُ راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعيةٌ على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم.
فالمسؤوليَّة تشمل كلَّ فردٍ بيننا، والله تعالى سوف يسألنا عن كلِّ شيء، فقد ورد عن الرسول(ص) أيضًا أنَّه قال: إنَّ الله سائلٌ كلَّ راعٍ عمَّا استرعاه، أحفِظَ ذلك أم ضيَّعه، حتى يسأل الرجلَ عن أهل بيته.
أيُّها الإخوة، نتعلَّمُ من القرآن ومن رسول الله(ص) ومن أهل بيته الأطهار كيف نتحمَّل مسؤولياتنا في عوائلنا في تربية أولادنا على التَّديُّن وعلى الخوف من الله تعالى، وفي حفظ الأزواج لزوجاتهم فلا يظلموهنَّ بالإهانة والضرب والتضييق وما شابه ذلك، وفي حفظ الزوجات لأزواجهنَّ فلا تظلمنهم في أموالهم وأعراضهم، وأن نتحمَّل مسؤولياتنا تجاه مجتمعاتنا من خلال رعاية الايتام والفقراء والعجزة واهل الحاجة، وأن نتحمَّل مسؤولياتنا في حياطة إسلامنا وأمَّتنا فلا نترك الاهتمام بأمور المسلمين وشؤونهم، بل نعمل على تقويتهم ودفع الظلم والأذى عنهم كما علَّمنا إياه رسول الله(ص) حين قال: من أصبح لا يهتمّ بأمور المسلمين فليس منهم ومن سمع رجلاً ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم.
ومن هنا نطلُّ على القضايا الَّتي يواجهها المسلمون اليوم، حيثُ يمرُّ العالم الاسلامي بفترةٍ من أصعب الفترات في تاريخه، حيث تتصاعد الهجمة الاستكبارية عليه وعلى الأمَّة، إذ تتكرَّر الاساءات لمقدسات الإسلام ونبيه العظيم، وتتعاظمُ المساعي لتمزيق صفوف المسلمين وتفريقهم مذاهباً وشيَعاُ متناحرة، ويوُظِّف الاستكبار في مساعيه الشيطانيَّة هذه، أدوات وأنظمة قمعية تتسلَّط على شعوبها، وتهدر ثروات المسلمين من النفط والغاز وغيرهما، وتعمل في خدمة المستكبرين وفي تأمين مصالِحهم على حساب الشعوب، فيما يعمل الاستكبار على حمايتها طالما تؤمِّنُ له مصالحه، ومن هنا تنتشر في البلاد الَّتي تتسلَّطُ عليها تلك الأنظمة القواعد العسكرية الأمريكية الَّتي تعمل على حماية المصالح الأمريكية في المنطقة كلها وبَسطِ النفوذ الأمريكي فيها.
ومن جهةٍ أخرى -غير بعيدةٍ عن المخطَّطات الإستكبارية الأمريكية- تنتشرُ في ظلِّ هذه الأنظمة، الجماعات المتخلِّفة الَّتي تتبنَّى الفكر التكفيري، وتهدر دماء المسلمين الَّذين يختلفون معها في المذهب والرأي، دون أن تراعي حرمةً لإنسانٍ - مسلماً أو غير مسلم- أو لدينٍ أو لقيمٍ أخلاقية.
ولا يمكن للمراقب الواعي أن ينسى تاريخ هذه الجماعات ونشأتِها تحت مظلَّةِ الاستخبارات الأمريكية ودعمها، في أيام غزو الاتحاد السوفياتي السابق لأفغانستان، ولا يُستبعد أبداً أن يكون لها اليوم امتدادات استخباراتية، لأنَّها تخدم بشكل مباشرٍ مشاريع الاستكبار في نشر الفِتنةِ السنيَّة الشيعيَّة.
وقد شهدنا نتائج أعمال هذه الجماعات في العديد من دول المنطقة، بدءاً من العراق حيث تتوالى التَّفجيرات الأجراميَّة الَّتي تستهدف العراقيين في أمنهم واستقرارهم، وتحصد بشكلٍ مستمرٍ الأبرياء والمدَنيين العزَّل، وكأن العراقيين لا يكفيهم ما لاقوه من الطاغية صدام ومن الاحتلال الأمريكي حتى تأتي هذه التفجيرات لتزيد في معاناة الشعب العراقي وفي تعميق جراحاته. ووصولاً الى سوريا الَّتي شهدت مؤخراً تفجيراً ارهابياً كبيراً في دمشق ذهب ضحيَّته عشرات الابرياء من الرجال والنساء والاطفال. فهل يتمثَّل جهاد هذه الجماعات ومن يدعمها من الأنظمة المهترئة الَّتي تدَّعي الإنتساب للإسلام والعروبة في قتل الاطفال واستباحة دماء الأبرياء، دون أيِّ وازعٍ من دينٍ أو انسانيةٍ أو ضمير.
إنَّ هؤلاء باتوا أشبه بالوحوش المفترسة، الَّتي هي أبعد ما تكونُ عن الاسلامِ وتعاليمه، بل إنَّهم يسيئون بجرائمهم هذه أكبر الإساءة الى هذا الدين العظيم ورسالته السَّمحاء.
ولا تقتصرُ أعمالُ هذه الحركات على المنطقة العربية، بل رأينا كيف امتدَّت أياديها المجرمة الى باكستان، لتتلطَّخ بدماء العشرات من المسلمين الأبرياء الَّذين اغتالهم تفجيرٌ إرهابيٌّ في أحد أسواق مدينة "كويتا"، دون أن يكون لهم أيُّ ذنب، إلا الانتماء الى مذهبٍ اسلامي آخر.
إنَّ هذه الجرائم البشعة، تستهدف إغراق المسلمين في الصراعات المذهبيَّة، بما يتيح لدول الغرب المستكبر ومعه الكيان الصهيوني أن يستمروا في السيطرة على بلاد المسلمين ونهب ثرواتهم على قاعدة: فرِّق تَسُد.
إنَّ من واجب علماء المسلمين من كلِّ المذاهب، أن يرفعوا الصوت عالياً في وجه هؤلاء المجرمين، لأنَّهم يُمثِّلون خطراً داهماً على الاسلام كلِّه، ولأنهم أحد الأسباب الرئيسة لانحطاطِ الأمَّة الإسلاميَّة من خلال ذهنيتهم التكفيرية المتخلِّفة، الَّتي تستثير العصبيَّات المذهبية والصِّراعات الدمويةَّ بين المسلمين بشكلٍ يدفع الأمَّة نحو الهاوية.
وأمام هذا الواقع المرير، ينبغي على كلِّ الواعين الحذر من أن تتمدَّد هذه الجماعات الى لبنان، حيث تجدُ لها أرضاً خصبةً في بعض المناطق، إذ يَعمَدُ بعضُ المشبوهين والمُغرضينَ إلى النَّفخِ في الأبواق المذهبيَّة، وإطلاق الشعارات المثيرة والأفكار الحاقدة الغريبة عن بيئة اللبنانيين، والمستوردة من الدول الرَّاعية لهذه الجماعات والمغذِّية لأفكارها المنحرفة، لأنَّ في انتشارها خطراً كبيراً على البلد وعلى سِّلمِه الاهليِّ.
ومن جهةٍ أخرى، فإن النقاش المحتدم في لبنان، على خلفية اختيار قانونٍ انتخابي مفصَّلٍ على قياس ومصالح الطبقة السياسية والزعامات والقوى الطائفية المتنفِّذة، يجب أن لا يُعمي أعين المسؤولين عن معاناة الناس الحياتيَّة والمعيشيَّة في ملفات الكهرباء والماء والدواء والغذاء وغيرها، ونحن نشهد كيف أنَّ الموظَّفين والمعلِّمين الَّذين وصلت تحركانهم المطلبيَّة إلى مرحلة الإضراب المفتوح لم ينالوا بعد حقوقهم في إقرار سلسلة الرواتب والرتَّب بعد مرور اكثر من عام، كما نشهدُ أيضاً كيف يُعاني الناس في منطقتنا هذه وفي غيرها من دون أن يهتمَّ أحدٌ من المسؤولين والنوَّاب والوزراء، فالناس في وادٍ وهؤلاء في وادٍ آخر.
إنَّ السياسيِّين يختلفون حول إقرار قانون انتخابات يُناسبهم ويُناسب تسلُّط الطبقة السياسيَّة المتعفنة على الناس -الَّذين يُرادُ لهم أن يبقوا كومبارساً يصفِّق هنا ويهلِّل هناك ويتعصَّب لهذا الزعيم هنا ويسبِّح بحمد ذاك هناك- في حين يتَّفقون على إهمال مطالب الناس والاستهتار بقضاياهم الحياتيَّة الملحَّة، وعامَّة النَّاس ليسوا بريئين من هذا الواقع المرير الَّذي يعيشونه، لأنَّهم يحملون هؤلاء الفاسدين والمفسدين على أكتافهم وفوق رؤوسهم، ولأنَّهم هم من يوصلونهم -بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر- إلى مواقعهم النيابيَّة والوزارية والسلطويَّة، وقد صَدَقَ من قال : كما تكونوا يولَّى عليكم.
ومن هنا فإنَّ على النَّاس أن يتحمَّلوا مسؤولياتهم في اختيار ممثِّليهم في الجمعيَّات والأحزاب، وفي المجالس البلديَّة والنيابية، وفي كلِّ المواقع، وعليهم أن يتَّقوا الله تعالى في تأييدهم ورفضهم وفي مواقفهم من قضاياهم، وأن يكونوا الواعين الَّذين يتحمَّلون مسؤوليَّة الأمر بالمعروف والنِّهي عن المنكر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، دون مواربةٍ أو خوفٍ أو مراعاة لأحد، لأنَّ القضيَّة تتَّصل بمصالحهم وبمستقبلِهم في الدنيا، كما تتَّصل بعاقبتِهم في الآخرة يوم يقفون بين يدي الله تعالى ليسألهم عمَّا فعلوه في حياتهم.
وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ {التوبة:105}
وَا¬لحمدُ للهِ ربِّ العالَمين.


New Page 1