Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



خطبة الجمعة لسماحة العلامة السيد محمد علي فضل الله


:: 2013-07-27 [05:38]::
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمدُ للهِ رَبِّ العَالَمينَ، وَأفَضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَى أشْرَفِ خَلْقِ اللهِ وأعزِّ المُرسَلينَ سَيِّدِنَا وحَبيبِنَا مُحَمَّدٍ رسولِ اللهِ وعلى آلهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَأصحَابِهِ الأخيَارِ المُنْتَجَبين.
يقولُ الله سبحانه وتعالى في كتابِهِ الكريم: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ {البقرة:207}.
جاءَ في أمَالي الشَّيخِ الصَّدوقِ أنَّ رَسولَ اللهِ(ص) خَطَبَ النَّاسَ في آخِرِ جُمعَةٍ مِن شَهرِ شَعبانَ، وذكَرَ لَهُم فَضلَ شَهرِ رَمَضانَ، وأرشَدَهُم فيهَا إلَى مَحَاسِنِ الأعمَالِ فيه، فلمَّا بَلَغَ آخِرَ خِطبَتِه قامَ أميرُ المؤمنينَ عليٌّ(ع) فَقالَ: يَا رَسولَ اللهِ، مَا أَفضَلُ الأعمَالِ في هَذا الشَّهرِ؟ فَقَالَ(ص): يا أبَا الحَسَنِ، أَفضَلُ الأعمَالِ في هَذا الشَّهرِ الوُرَعُ عَن مَحَارِمِ اللهِ عزّ وجلّ. ثمَّ بَكَى(ص)، فَقَالَ عَليٌّ(ع): يَا رَسولَ اللهِ مَا يُبكِيكَ؟ فَقَالَ(ص): يَا عَليُّ، أَبكِي لِمَا يُستَحلُّ مِنكَ فِي هَذا الشَّهرِ، كَأنِّي بِكَ وأنتَ تُصلِّي لِربِّكَ، وَقَد انبَعَثَ أشْقَى الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، شقيقُ عَاقِرِ نَاقَةِ ثَمُودَ، فَضَرَبَكَ ضَرْبَةً عَلى قَرنِكَ فَخَضَّبَ مِنهَا لِحيَتَك، فقالَ(ع): يَا رَسُولَ اللهِ، وذَلكَ في سَلامَةٍ مِن دِيني؟ فقالَ(ص): [نعم] في سَلامَةٍ مِن دِينِكَ.
نَلتَقي في شَهرِ رَمَضَانَ مَعَ مَعَانيَ عَديدَةٍ، فَكَمَا أنَّهُ شَهرُ العِبادَةِ والتَّوبَةِ والرَّحمَةِ، فإنَّه كَذلَكَ شَهرُ الجِهادِ والنَّصرِ والشَّهادَة، وهَذا مَا نَستَوحِيهِ مِن خِلالِ بَعضِ المُنَاسَبَاتِ المُهِمَّةِ الَّتي جَرَت فِيهِ. فَفي السَّابِعِ عَشَرَ مِنهُ في السَّنةِ الثَّانيةِ من الهجرة، كَانت مَعرَكَةُ بَدرِ الكُبرى، وفي العشرينَ منه في السَّنةِ الثَّامنةِ منَ الهجرةِ كانَ فَتحُ مَكة، وفي الواحِدِ والعِشرينَ مِنهُ في السَّنَةِ الأربَعينَ مِنَ الهِجرَةِ المُبَارَكَة، كانَ مَوعِدُ الإمامِ عليٍّ(ع) مَعَ الشَّهادَةِ الَّتي أخبَرَهُ بِهَا رَسُولُ الله(ص) حيثُ استُشهِدَ(ع) متأثِّراً بجِراحِهِ بعدَ أن ضرَبَه أَشقَاهَا، -اللَّعينُ عَبدُ الرَّحمنِ بنُ مُلجَم– على أمِّ رأسِه، في التاسعِ عَشَرَ مِن شَهرِ رَمَضَان، بسيفٍ مَنقوعٍ بالسُّمِّ، حينَ كانَ(ع) ساجداً في مِحرابِه في صَلاةَ الفَجر.
وَمِن هُنَا نُطِلُّ علَى حياةِ أميرِ المُؤمنينَ(ع) الّتي كانَت مسيرةَ جِهَادٍ مستمرٍّ بَدَأت في بَيتِ اللهِ الحَرام وتوِّجت بالشهادَةِ في بيتٍ من بيوتِ الله.
ونحن حينما نستحضِرُ عليًّا(ع) في ذكرى شَهادَتِه، فإنَّنَا لا نريدُ بذلكَ أن نغرقَ في العصبيَّاتِ المذهبيَّةِ الضَّيِّقةِ، بل نُريدُ أن نحلِّقَ في فضاءات عليٍّ(ع) الَّذي باعَ نفسَه للهِ، وبذلَها في سَبيلِ رِسَالَتِه، عليٍّ الَّذي كانَ أوَّلَ النَّاس إسلاماً، والَّذي كانَ الفدائيَّ الأوَّلَ في الإسلامِ، والَّذي كانَت مَسيرَتُهُ الجِهاديَّةُ مسيرةَ رسالةِ الإسلام، في انطلاقاتِها وفي العَقَبَاتِ والتَّحدِّياتِ الكُبرَى الَّتي واجَهَتهَا في حَياةِ رَسولِ اللهِ(ص) وبَعدَ وفَاتِه.
لَقَد كانَ أميرُ المُؤمنين(ع) بطلَ مَعَاركِ الإسلامِ الكُبرَى، حتَّى كانَ لهُ في هَذهِ المَعَاركِ مِنَ مَنَاقِبِ البُطُولَةِ والشَّجاعَةِ والإقدَامِ، وشدَّةِ البَأسِ والصَّلابَةِ في القِتَالِ مَا لَم يُروَ عَن أَحَدٍ مِن الصَّحَابَة، وشَهِدَ مع رسولِ كلَّ معاركِ الإسلامِ في مُواجَهَةِ الشِّركِ، سِوى مَعرَكَةِ تَبوكَ عِندَمَا استَخلَفَهُ رَسُولُ اللهِ علَى المَدينَةِ لأنّ المَعرَكةَ كَانَت مَعَ الرُّومِ في مَكَانٍ بَعيدٍ عَنها، وكانَ رسولُ اللهِ يُريدُ أن يَترُكَ فيها مَن يَقدِرُ عَلى النُّهوضِ بَأعبَاءِ القِيادَةِ في غِيابِه، ولذلكَ حينَ سألَ عليٌّ(ع) النَّبيَّ(ص) عَن سرِّ عَدَمِ اصطِحَابِه في هذه المَعرَكَةِ مَعَهُ قال(ص): أمَا تَرضَى أن تَكونَ منِّي بمنزِلَةِ هَارونَ مِن مُوسَى إلَّا أنَّهُ لا نَبيَّ بَعدِي.
ففي مَعركَةِ بدرٍ الكبرى الَّتي كَانَت أوَّلَ مَعرَكَةٍ فَاصِلَةٍ بَينَ الإسلامِ والشِّركِ، كَتَبَ اللهُ النَّصرَ للمُسلِمينَ -رغم قِلَّتهم- عَلَى المُشرِكينَ -رَغمَ كَثرَتِهِم-، وقَد كَانَ للإمَامِ عليٍّ(ع) دَورٌ بَارِز ٌفي هذا النَّصر على الرَّغمِ حَدَاثَةِ سِنِّه، حَيثُ تَذكُرُ الرِّوايَاتُ أنَّه قَتَلَ نِصفَ قَتلَى المُشرِكِينَ الَّذي بَلَغَ سَبعينَ قَتيلاً، وشَرَكَ في النِّصفِ الآخَر.
وفي معركةِ أُحُدَ، كانت له مواقف مشهودة في اللحظات الصَّعبة من المعركة، كذلك في معركة الخندق حين بارز عمرو بن عبد ود العامريّ و صَرَعَه بعد أن جَبُنَ المسلمون عن مواجهته حتَّى قال رسول الله(ص): ضربة علي يوم الخندق تعدل عمل الثقلين إلى يوم القيامة.
وفي خيبر، عندما كانت المعركة الأخيرة مع اليهود الَّذين تحصَّنوا في حصونهم المنيعة، ظلَّ قادة الجيش الإسلامي يرجعون بالفشل والخيبة، إلى أن قال رسول الله(ص): لأعطينَّ الراية غداً رجلاً يحب اللهَ ورسولُه ويحبُّه اللهُ ورسولُه، كرار غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله على يديه، وهكذا كان، وتمَّ الفَتحُ على يدَي عليٍّ عندما قَتلَ عمرو بنَ عبدِ وِدّ العامريِّ، ثمَّ اقتلعَ بابَ الحِصنِ فعَبَرَ المُسلمُونَ إلى دَاخِلِ الحِصن وتمَّ النصر.
وفي فَتحِ مكَّةَ أعطَاهُ الرَّسولُ رايَةَ المُهَاجرينَ ثُمَّ جَمَعَ لَه مَعَهَا رَايَةَ الأنصَارِ عندَ دُخولِ جَيشِ المُسلمينَ إلى مَكَّةَ، وبعدَما تمَّ الفَتحُ المُبينُ، أصعَدَهُ الرَّسولُ(ص) علَى كَتِفَيه الشَّريفَينِ لِيُساعِدَهُ على تَسلُّقِ الكَعبَةِ، حتَّى يُحَطِّمَ الأصنَامَ الَّتي كَانَت عَلى ظَهرِهَا.
وفي حُنَينَ كانَ عليٌّ على رأس القلَّة الَّتي ثَبتَت مَعَ رَسُولِ اللهِ (ص)، بَعدَما انهَزَمَ المُسلمُونَ وَوَلَّوا الأدبَارَ، وتفرَّقوا عنه(ص)، وبهذ كان لعليٍّ(ع) الدورُ الكبيرُ في حِمايَةِ النبي(ص) وفي تحويلِ الهَزيمةِ إلى نَصرِ.
وبعد وفَاةِ رَسولِ اللهِ(ص) وانتِقَالِه إلى الرَّفيقِ الأعلَى، اشتَعَلَ الخِلافُ حَولَ مَسألَةِ الخِلافَةِ، وعَلى الرُّغمِ مِن أنَّ الإمامَ عَليّاً(ع) كانَ الخَليفَةَ الشَّرعيَّ الَّذي عَيّنَهُ رَسولُ الله(ص)، إلَّا أنَّه(ع) وَقفَ مَوقِفَ النَّاصِحِ، وموقفَ المُشيرِ؛ لأنَّه(ع) كانَ يَرى في ذَلِكَ حِفظاً للإسلامِ مِنَ التَّفكُّكِ الَّذي يُمكِنُ أن يُصيبَه، ونَحنُ نَسمَعُ جَميعاً بِكلِمَتِه الشَّهيرةِ الَّتي قَالَ فيها: فَخشيتُ إن أنَا لَم أنصُر الإسلامَ وأهلَه أن أرَى فِيهِ ثَلماً أو هَدماً تَكونُ بِه المُصيبَةُ عَلَيَّ أعظمَ -أصعبَ- من فَوتِ -خسارة- ولايتكم هذه الَّتي إنما هي متاع أيَّام قلائل.
ونحن نَجِدُ -أيُّها الإخوةُ- أنَّ الكثيرَ مِن المُتربِّصينَ كانُوا يُريدونَ أن تَنشُبَ الحَربُ في الصِّراعِ على الخِلافَة، وكانَ عليٌّ(ع) يعرِفُ سُوءَ نَوايا هؤلاءِ، ولذلكَ قالَ لأبي سُفيانَ حينَمَا عَرَضَ علَيه أن يُحارِبَ معه لاستردَادِ الخِلافَةِ لصَالحِه(ع): ارجِع يَا أبَا سُفيان، فواللهِ مَا تُريدُ اللهَ بما تَقولُ –فكلامك ليسَ قُربةً إلى اللهتعالى، ولا تنفيذًا لأمرِ رسولِ الله(ص) في نصب عليٍّ إماماً وخليفةً للمسلمين- ومَا زِلتَ تَكيدُ الإسلامَ وأهلَه -بسبب بغضِكَ له وعدمِ إيمانِكَ به إيماناً صادقًا-.
وهكذا كانَ الإمام(ع)، يَعمَلُ للحِفاظِ علَى الإسلامِ في كُلِّ حرَكَتِه لأنَّه كَانَ القرآنَ النَّاطِقَ، حيث كانَ(ع) يُشيرُ إلَى القُرآنِ ويقُولُ: هذا القرآنُ الصَّامتُ وأنَا القرآنُ النَّاطِقُ. ولهذا كانت علاقته مع الخلفاء تتحرك في خط رعاية مصلحة الإسلام العليا ومصلحة المسلمين فكان نِعمَ النَّاصحِ والمشيرِ والموجِّهِ لهم في كل المواقع الَّتي تفرضُ فيها مسؤوليَّتُه عن الأمَّة وعن الإسلام ذلك. وهذا أحدُ وجوهِ عظَمَةِ الإمامِ عليِّ(ع)، لأنَّه صبرَ على الظُّلمِ الَّذي لحِقَ به بشكلٍ خاصٍ ولحِقَ بالأمَّةِ الَّتي حُرِمت من وجودِه على رأسِ الخلافةِ والدَّولةِ الإسلاميَّةِ كلَّ تلكَ الفترةِ من خلال اغتصابِ الخلافةِ منه، فلم يتعامل معَ هذا الأمرِ تعاملاً ذاتيًّا انفعاليًّا ثأريًّا، لأنَّه(ع) كانَ إنسانَ الإسلام الَّذي يتحرَّكُ من خلالِ مصلحةِ الإسلامِ ومصلحةِ الأمَّةِ وليسَ من خلالِ مصلحتِه الشَّخصيَّةِ وانفعالاتِه الذَّاتيَّة.
وهكذا نَرى أنَّه بعدَ مَقتلِ الخَليفَةِ الثَّالثِ عُثمانَ بنُ عفَّانَ، جَاءَ النَّاسُ إلى الإمامِ(ع)، وبَايعُوهُ بالخِلافَة، رَغمَ أنَّه كانَ يرفُضُها ولا يريدُها، لأنَّه كانَ يعلمُ أنَّ النَّاسَ وأنَّ الطبقَةَ السِّياسيَّةَ الموجودةَ في ذلكَ الوَقتِ لم تَكُن قَادِرةً على احتِمالِ اصلاحَاتِه وتَطبيقَهُ للإسلامِ بِحَذَافيرِهِ مِن دُونِ مُراعَاةِ مَصَالِحِهِمُ الخَاصَّةِ، ولذلكَ كَثُرَت في عهده الحُروبُ الدَّاخليَّة؛ لأنَّه حَمَلَ النَّاس وقَادَهُم علَى المَحَجَّةِ البَيضَاءَ. ورَغمَ الحَربِ الطَّاحِنَةِ الَّتي قَامَت بَينَهُ وبَينَ مُعاويةَ، فإنَّه(ع) عِندَمَا سَمِعَ بِنِيَّةِ الرُّومِ غَزوَ بِلادِ المُسلمِينَ قَالَ: لَو فَعَلَها ابنُ الأصفَرِ –أي ملك الرُّوم- لَكُنتُ مَعَ مُعَاوِيَةَ عَلَيهِ.
أيُّهَا الإخوَة.. إنَّنا نُريدُ أن نَستَلهِمَ هَذِهِ البُطُولاتِ، وهذا التَّاريخَ وهذه المَسيرةَ الجِهاديَّةَ في مُواجَهَة الخَطَرِ الَّذي يَتَهدَّدُنَا والّذي يَتهدَّدُ الإسلامَ اليومَ، وهو إسرائيلُ والعالمُ المستكبرُ حيث تتواصلُ الحربُ الَّتي يخوضُها الاستكبارُ على كلِّ القوى الحَيَّةِ في الأمَّة، فقد قامَ الاتِّحادُ الأوروبيُّ بإصدارِ قرارٍ صَنَّفَ من خلالِه ما سَمَّاه "الجناحَ العسكريَّ" للمقاومةِ، كتنظيمٍ إرهابيٍّ -وكأنَّ هناكَ فَصلاً بينَ العَسكريِّ والسِّياسيِّ-، ما يُبرزُ من جَديدٍ انحيازَ أورُوبا إلى القِوى المُعادِيةِ للأمَّة، والَّتي تَتَربَّصُ بها شَرّاً، وبخاصَّةٍ الإدارةُ الأميركيَّةُ والكَيانُ الصِّهيونيُّ، من خلال خضوعِها للضّغوطاتِ الَّتي مُورِسَت عليها، فأثبتَت بذلك تبعيَّتَها للسّياسَةِ الأميركيَّة، ودورَها السيّئَ في المنطقةِ والعالَم، متنكِّرةً بذلك لمبادِئها في حقِّ الشُّعوبِ بمقاومَة الاحتلالِ وصدِّ العدوان، ولتاريخِها في مقاومةِ النَّازيّةِ كما في المُقاومَةِ الفَرنسيَّةِ وغيرِها، فهل كانت مُقاومَةُ النَّازيَّةِ إرهاباً!!!
إنَّ هذا الموقفَ يُبرزُ من جديدٍ الوجهَ الاستعماريَّ البشعَ لأوروبا، الَّتي مارسَت دوراً سلبياً كبيراً في مواجهةِ كلِّ قضايا شعوبِ أمتِّنا، من خلالِ احتلالِها لبلادِنا فتراتٍ طويلةٍ من التّاريخ، وهي ما زالت تضعُ نفسَها في الصَّفِّ المُعادي لقضايا الأمّة، ففي الوقتِ الَّذي قامَت بإدراجِ المُقاومَةِ على لوائحِ الإرهابِ، قدَّمت كلَّ الدَّعمِ والتّأييدِ للكيانِ الصّهيونيّ، الّذي لا يَحترمُ كلَّ المواثيقِ والقوانينِ والأعرافِ الإنسانيّةِ والدوليّةِ، والَّذي يحتلُّ الأرض، ويضَّطهدُ الشَّعبَ الفَلسطينيَّ، ويُدنِّسُ المقدَّساتِ، دُونَ أن يَكونَ هُناك أيُّ موقفٍ منه.
في المُقابِل، يقومُ الاتّحادُ الأوروبيُّ بدعمِ الجماعات المُسلَّحةِ في سوريا، حيثُ يتمُّ مدُّها بشُحناتِ السِّلاح، من أجلِ إطالَةِ أمَدِ الصِّراعِ في سوريا، واستنزافِ مِحورِ المقاومة، رَغمَ أنَّها جماعاتٌ تكفيريَّةٌ إجراميّة، تزرعُ القتلَ والإرهابَ والدَّمارَ، وتؤدِّي إلى استمرارِ نزيفِ الدَّمِ السُّوري.
إنَّ هذا القرارَ الظّالمَ والمتحيّزَ، يُعدُّ رسالةً تعبِّرُ عن الاستياء من تدخُّلِ المُقاومة ومواجهتِها الحربَ الكُبرى على سوريا، حيث كان لتضحياتِها الدَّورُ الكبيرُ في مَنعِ سُقوطِ هذا المِحورِ أمام كلِّ القِوى الإقليميَّةِ والدوليَّةِ والتكفيريَّةِ الَّتي تتدخَّلُ في السَّاحَةِ السُّوريَّة.
كما أنَّه يُبرزُ النِّفاقَ الأوروبيَّ في أبشعِ صُورِه، حيثُ تقومُ أوروبا بوصفِ المُقاومَةِ بالإرهاب، في حين تُسلِّحُ الإرهابيينَ التكفيريِّينَ. ومن جِهةٍ ثانية، تتعامى عن الإرهابِ الصّهيونيّ المُستمرِّ منذُ أكثرَ من ستينَ عاماً، الأمرُ الذي يفضحُ المعاييرَ المُزدوجةَ، ويوضحُ أنَّها لا تأبه للحريَّاتَ وحقوقِ الإنسان، بل تأبهُ لمصالحِها فقط.
وهذا الموقفُ يُعتبرُ دَعماً لكلِّ مشاريعِ العَدوِّ وحروبِه الآتية، ولا سيَّما في ظلِّ الإنجازاتِ النَّوعيَّةِ للمقاومةِ على مستوى قوةِ الرَّدع، حيث سمِعنا مؤخّراً تصريحاتٍ لمسؤولينَ صهاينة، تتحدَّثُ عن قلقٍ إسرائيليٍّ من العَجز عن مواجهةِ كثافةِ الصَّواريخِ الَّتي قد تُطلقُها المُقاومَةُ في أي حربٍ قادمة، كما أنَّ القرارَ الأوروبيَّ يُعتبرُ غطاءً معنوياً وسياسياً صريحاً للعدوِّ الصَّهيوني، وتشجيعاً له على العُدوانِ وارتكابِ الحَماقاِت تحتَ ذريعةِ ضربِ الإرهاب.
إنَّ محاولةَ قلبِ المَفاهيمِ ومُصادرةِ المُصطلحاتِ، لن تنجحَ في قلبِ الحقائقِ، فمن يُمثّلُ عنوانَ الإرهابِ اليومَ هو إسرائيلُ المُجرمةُ وأميركا وأوروبا، الَّتي تقفُ في مواجهةِ الشُّعوب، وتسعى إلى إسقاطِ قضايا الأمَّة، وتمنحُ السِّلاحَ للتكفيريين لزرعِ الفتنةِ والفوضى في كلِّ مكان. لكنَّ هذه المحاولاتُ لن تنجحَ في تشويهِ صورةِ المقاومةِ الَّتي صَنعت انتصاراتِ هذه الأمَّة، والَّتي تُعبِّرُ عن موقفِ الحقِّ والعدلِ والانتصارِ للمظلومينَ والإنسانيَّة، في وجه الاستكبار العالميِّ الَّذي يمثِّلُ الإرهابَ والإجرامَ والاحتلالَ ونَهْبَ ثرواتِ الشُّعوب.
أمَّا على المستوى الدَّاخليّ، فإنَّ المطلوبَ أن يكونَ الموقفُ موحّداً من كلِّ القِوى الشَّريفة، في مواجَهةِ هذا القرارِ الأوروبي، لأنَّ المقاومةَ كانت دائماً دِرعَ لبنانَ والصَّخرةَ الَّتي تتكسَّرُ عليها كلُّ المؤامراتُ الاستكباريَّة. أمَّا الرِّهانُ على الخارجِ لإسقاطِها، فلن يبوءَ إلا بالفَشل، بعد أن فَشِلت في السّابقِ كلُّ الحروبِ والاعتداءاتِ والاجتياحاتِ في القضاءِ عليها، لأنَّها متجذّرةٌ في واقعِ الأرض، من خلالِ دفاعِها عن قضايا الأمَّة، وهي ستبقى في هذا الخطّ، خطِّ الجهادِ والعَطاءِ والتّضحيات، حتَّى يتحقَّقَ النَّصرُ المُبين..
وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ {التوبة:105}
وا­لحمدُ للهِ ربِّ العالَمين.


New Page 1