Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



خطبة الجمعة لسماحة العلامة السيد محمد علي فضل الله


:: 2013-08-24 [01:41]::
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمدُ للهِ رَبِّ العَالَمينَ، وَأفَضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَى أشْرَفِ خَلْقِ اللهِ وأعزِّ المُرسَلينَ سَيِّدِنَا وحَبيبِنَا مُحَمَّدٍ رسولِ اللهِ وعلى آلهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَأصحَابِهِ الأخيَارِ المُنْتَجَبين.
يقولُ الله سبحانه وتعالى في كتابِهِ الكريم: وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ {الأنفال:46} .
شهرُ شوَّال هو شهرُ معاركِ الإسلامِ الكبرى، ونحنُ نصادِفُ فيه ذكرياتٍ لعددٍ من معاركِ الإسلامِ الفاصلةِ، ومنها معركةُ أُحُدَ الَّتي تمرُّ علينا ذكراها اليومَ في الخامسِ عَشَرَ من شهرِ شوَّال، والَّتي وقعت في السَّنةِ الثَّالثةِ من الهجرةِ، بعدَ سنةٍ ونيِّفٍ من انتصارِ المسلمينَ بقيادةِ رسولِ الله(ص) على المشركينَ في معركةِ بدر الكُبرى.
لقد كانت معركةُ بدر الكُبرى هي المعركةُ الأولى بين دولةِ الإسلامِ النَّاشئةِ وبينَ مُشركِي قريش، وشكَّلت بذلكَ الاختبارَ الأوَّلَ لقُوَّةِ المُسلمينَ حيثُ استطاعوا رَغمَ قلَّتهم -313 رجلاً- أن ينتصروا على المشركينَ رَغمَ كَثرتِهم-وكانوا أكثرَ من ألفِ رَجل- وهذا ما أشعرَ المشركينَ بقوَّةِ المُسلمين ودفعَهُم إلى إعدادِ العُدَّةِ لمواجهةٍ جديدةٍ معَهُم يأخذونَ فيها بثأرِهِم ويستعيدونَ فيها كرامتَهُم الَّتي أُهدِرَت في معركةِ بدر، وكانت هذه المواجهةُ هي المعركةُ الَّتي وقَعَت قربَ جبلِ أُحُد ودُعيِت باسْمِه، فبلغَ عددُ المشركينَ في هذهِ المعركةِ ثلاثةُ آلافِ رجلٍ مُجهَّزينَ بأفضلِ التَّجهيزاتِ المُمكنَةِ في ذلك الوقت، في حين كانَ عددُ المسلمينَ حوالي ألفَ مقاتلٍ انسحبَ منهُم حوالي ثلاثمائةِ رجلٍ مع المنافقِ عبدالله بن أُبَي ورجِعوا إلى المدينة، فبقي مع الرسول(ص) في تلك المعركة سبعمائةِ مقاتل.
وقفَ جيشُ المسلمينَ أمامَ عدوِّهِ وكانَ ظهرُهُ إلى جبلِ أُحُد، وكان في الجبلِ ثغرَةٌ صغيرةُ يُمكنُ أن يتسلَّلَ منها العدوُّ ليُباغِتَ المسلمينَ من وراءِ ظهورِهِم، فجعلَ الرَّسولُ(ص) على هذه الثغرةِ حوالَي خمسينَ رامياً وقالَ لهم: احمُوا ظُهُورَنَا فإنَّا نَخَافُ أن يَجِيئُوا مِن وَرَائنَا، وأكَّدَ عليهم أن لا يَتركوا أماكنَهُم حتَّى لو استُشهِدَ المسلمونَ كلُّهم.
ووَصَلَ المشركونَ إلى أُحُد، وجعلوا المدينةَ خلفَهُم والجَبَلَ أمَامَهُم، وبَدَأَت المَعرَكَة، وانهزمَ المشرِكُونَ في بدايتِها بعد أن أبلى المسلمونَ فيها بلاءً شديداً وفي مقدَّمِهِم حمزةُ بنُ عبدِ المُطَّلب عمُّ رسولِ الله(ص) والإمام علي بن أبي طالب(ع)، ابن عمِّ الرسول(ص).
وبعد أن بانَتِ الهزيمةُ في صفوفِ المُشركين، وبَدَأوا ينسحبونَ مِن أرضِ المَعرَكة، وبدأَ المسلمونَ يغنمونَ الغَنائم، طَمعَ الرُّماةُ الَّذين جعلَهم الرسولُ(ص) على الثَّغرة، وعصَوا أمرَهُ وأمرَ قائدِهِم الميدانيّ، وسارعوا إلى ساحةِ المعركةِ لأخذِ الغنائمِ بحيثُ لم يبقَ منهُم إلَّا عَشْرَة، وأفسَحوا بذلكَ المجالَ للمشركينَ بقيادةِ خالدِ بن الوليدِ للالتفافِ على المسلمينَ، مِن خِلالِ هَذِه الثَّغرةِ الَّتي لَم يَستَطِع الموجودونَ علَيها حمايتَها فاستُشهِدوا جَميعَهُم.
وانطلقت المعركةُ مِن جَدِيد، وكادَ المسلمُونَ يذوقونَ طعمَ الهزيمة، وكَادَ الرَّسولُ يُقتَلُ لولا قلَّةٌ قَليلةٌ –في مُقدَّمِها أميرُ المؤمنين(ع)- صمدَت معهُ ودافعَت عَنه، في حين انهزَمَ كثيرٌ من المسلمينَ وفرُّوا من ساحةِ القتال، لِتَنتَهِيَ المَعرَكَةُ باستِشهَادِ عددٍ كبيرٍ مِن المسلمين، وباستشهادِ الحمزَةِ، الَّذي فقدَ المسلمونَ باستِشهَادِه مجاهداً كبيراً لا يُعوَّض.
لقد انطوَت هذه المعركةُ على دروسٍ كثيرةٍ ما نزالُ نستفيدُ منها حتَّى اليوم. وذلك لأنَّ محطَّات التاريخِ هي محطَّاتٌ للاعتبار، ونريد أن نتوقَّف عند بعض هذه الدُّروسِ المهمَّةِ لإحدى أخطر المعاركِ في تاريخِ الإسلام.
فمن أهمِّ ما نتوقَّفُ عندَه، إخلاصُ العمل للهتعالى، وخاصَّةً في الأعمالِ الَّتي تحملُ العناوينَ الإسلاميَّةَ وعناوينَ التقرُّبِ إلى الله، وهذا ما يجبُ على كلِّ العاملينَ الرِّساليِّينَ أن يتعلَّموه. أن يكونَ عملُهُم لله تعالى وحدَه، وأن يكونَ هدفُهُم هو طاعةُ الله وحدَه، لا أن يكونَ الهدَفُ تحقيقَ الأرباحِ الدُّنيويَّة، من المالِ أو الجاهِ أو السُّلطة، أو أن يكونَ الهدَفُ هو فقط مصلحةُ هذهِ الجمعيَّةِ أو ذلكَ التنظيمِ من دونِ الالتفاتِ إلى رضا الله في هذا العمل. وهذا ما نُلاحظُهُ في الكثيرِ من المنافساتِ والصِّراعاتِ بين القوى الاجتماعيَّةِ والسِّياسيَّةِ الفاعلة -مع عدمِ إغفالِ وجودِ العاملينَ المخلصينَ للهِ في كلِّ حركتِهم وفي سرِّهِم وعلانيتِهِم- لأنَّ الأهدافَ إذا لم تَكُن أهدافاً نقصدُ بها وجهَ الله والتقرُّبَ إليه، فإنَّها تؤدِّي إلى الخسارةِ في الدُّنيا والآخرة، كما جرى مع المسلمينَ في معركةِ أُحُد وهذا ما أشارَ الله تعالى إليهِ في كتابِهِ العزيز قال: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ –تنتصرونَ عليهِم بقتلِهِم- حتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ – أي عصيتُم الرسولَ بمغادرتِكُم لمواقعِكُم الَّتي أَمَرَكُم أن تَثبُتُوا فيها- مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ –من النَّصرِ في بدايةِ المَعركة- مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا – وهم الباحثونَ عن الغنائم- وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ {آل عمران:152}.
ونطَّلِعُ أيضاً من خلال هذا الآيةِ على درسٍ آخرَ من دروسِ أُحُد، وهو لزومُ طاعةِ القيادةِ في المواقفِ الحاسمَةِ واللَّحظاتِ العَصِيبَة، لأنَّها من حيثُ المَبدأِ لا بدَّ من أن تملكَ الرُّؤيةَ الواعيةَ وبُعدَ النَّظرِ في تقديرِ المَصلحةِ من جهةٍ وتَبِعَاتِ الأمورِ من جهةٍ أخرى، كما أنَّه ينبغي عدمُ التَّنازُع، وعدمُ عصيانِ الأمر، وخاصَّةً القيادةُ المعصومةُ الَّتي تملكُ الخبرَةَ والمعرفَةَ والتَّسديدَ الإلهيَّ، لأنَّ نتيجةَ مخالفَتِها هي الخسارةُ الكبيرةُ في الدُّنيا قبلَ الآخِرة.
ومن هنا نستلهِمُ درساً آخر، وهو أنَّ المُعتَركاتِ والمعاركَ المتنوِّعةَ الَّتي يخوضُها العاملونَ في سبيل الله: في الاجتماعِ والسِّياسةِ والاقتصادِ والقتالِ الحربيِّ، كلُّها تُمثِّلُ في جوهرِها رسالةً وفكرةً، هدفُها اختبارُ الثَّباتِ على الخطِّ المُستقيمِ الَّذي أمرَنا الله تعالى أن نستقيمَ عليه حتَّى لو توُفِّيَ الرَّسول أو غابَ الإمام، وكلُّ هذه المعتركاتِ تمثِّلُ في جوهرِها اختباراً من الله تعالى للمؤمنين في صبرِهِم وثَبَاتِهِم على الحقِّ، وقوَّةِ اعتقادِهِم وتمسُّكِهِم به، وهذا ما أشار الله تعالى إليه في عِتابِهِ للمسلمينَ الَّذين خالفوا أمرَ الرَّسول(ص) أو المسلمينَ الَّذين فرُّوا من المعركةِ وانقلبوا على أعقابِهِم عندما اعتقدوا أنَّ الرَّسول(ص) قد قُتِل. فقد وَرَد في القرآن الكريم قولُهُ تعالى: وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ {آل عمران: 141-142}، فالمؤمنُ يتعرَّضُ للاختبارِ في كلِّ حالاتِهِ وفي كلِّ حركاتِهِ لأنَّهُ في صراعٍ مستمرٍّ مع وسوساتِ شياطينِ الجِنِّ والإنسِ من جهة، ومع النَّفس الأمَّارةِ بالسُّوءِ من جهةٍ ثانية. وعلى الَّذي يريدُ أن يدخلَ الجنَّة أن يعرفَ كيف يثبُتُ على طريقِ الحقِّ ويصبِرُ على الأذى وكيف يتمسَّكُ بالهدى من خلالِ اتِّباعِ تعاليمِ الرُّسُلِ والمُصلحينَ والاستجابةِ لهُم وعَدَمِ مُخالفَةِ توجيهاتِهِم وعصيانِ أوامرِهِم.
ونتوقَّف كذلك أمامَ درسٍ مهمٍ هو أنَّ العدَدَ والعتادَ، وإن كان يُشكِّلُ عاملاً من عواملِ النَّصر، إلَّا أنَّ الإيمانَ والثَّباتَ على الحقِّ والإرادةَ والعزيمةَ هي الَّتي تصنعُ النَّصر، وهذا ما جرى في معركةِ أحُدَ حين مالت الكفَّةُ لمصلحةِ الجيشِ الإسلاميِّ في بدايةِ المعرَكَة، لأنَّ الهدفَ كان محصوراً بالجهادِ في سبيل الله تعالى، ثمَّ انقلبَت الآيةُ وانهزمَ المُسلمونَ عندما تحوَّلَ الهَدفُ إلى مَطلَبٍ دنيويٍ تمثَّل في السَّعي إلى كَسبِ الغَنائمِ ونيلِ نصيبٍ وافرٍ منها، وهذا ما دفعَهُم إلى معصيةِ الله ورسوله، فسقَطوا في اختبارِ الثَّباتِ على الحقِّ، وكانت عاقبتُهُم أنَّهم تعرَّضوا للهزيمة.
أيُّها الإخوة المؤمنون.
إنَّ علينا أن نكونَ الواعينَ لكلِّ ما حولنا، الثَّابتينَ على الحقِّ وإن قلَّ عددُنا وضعُفَت قوَّتُنا، وأن ننصرَ الحقَّ والعدلَ والإيمانَ والإسلام، لأنَّ اللهَ تعالى يُدافعُ عن الَّذين يؤمنونَ بهِ ويجاهدونَ في سبيله، إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ{الحج:38} ولأنَّ الله تعالى ينصُرُ من ينصُرُهُ من عبادِهِ المؤمنينَ ويُثبِّتُ أقدامَهُم، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ {محمد:7} وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ {الحج:40} ولذلكَ علينا أن نعملَ بكلِّ إخلاصٍ لنكونَ من الَّذينَ يَثبُتُونَ على الحقِّ الَّذي أمرَ به الله تعالى، ومن الَّذين ينصرونَ الله من خلال نصرِ دينِهِ ورسالتِهِ وعبادِهِ المظلومينَ المستَضعَفينَ وكلِّ قضايا الحقِّ والعدلِ والحريَّة، ولنكونَ من الَّذين يعتبرونَ من عِبَرِ التَّاريخ ِليستفيدوا منها في مُعالَجَةِ مُشكلاتِ الحَاضِرِ والتَّخطيطِ لبِنَاءِ المُستقبل.
ومن هنا نطلُّ على ما يجري في عالَمِنا العربيِّ والإسلاميِّ، حيثُ لا تزالُ الضَّاحيةُ تُلَملِمُ جراحاتِها بَعد التَّفجير الإرهابيِّ الَّذي استهدَفها وأدَّى إلى استشهادِ وجرحِ عشراتِ المدنيِّين من الأطفالِ والنِّساءِ والرِّجالِ الآمنين، في مشهدٍ مأساويٍّ يُبرِزُ مستوى الحقدِ الَّذي يحملُهُ المجرمون. أولئكَ الَّذينَ لا يتورَّعونَ عن استهدافِ الأبرياء، وينطلقونَ من ذهنيَّةٍ تكفيريَّةٍ جبانَةٍ تهدِفُ إلى ترويعِ النَّاس، وتشوِّه بإجرامِها صورةَ الإسلام، وتُمثِّلُ قِمَّةَ التخلُّفِ والسُّقوطِ الأخلاقيِّ والقِيَميِّ والدِّينيِّ الَّذي يحملُهُ هؤلاء المفسدُونَ في الأرض، والَّذينَ تقفُ خَلفَهُم جهاتٌ إستخباراتيَّة ٌغربيَّةٌ تستخدمُ هذه الذِّهنيَّاتِ المُتخلِّفةِ من أجلِ تعميقِ الانقسامِ المذهبيِّ والمساهمَةِ في تفتيتِ المجتمعاتِ الإسلاميَّة، سواءً في العراق أو سوريا أو مصر، وصولاً إلى لبنان، بما يُساهِمُ في تحقيقِ مشاريعِها الهادفةِ إلى السَّيطرةِ على الواقعِ العربيِّ والإسلاميّ، إضافةً إلى استهدافِ المقاومةِ بما تمثِّلُهُ من خطرٍ على "إسرائيل"، وعلى مشاريعِ الهيمنَةِ الغربيَّة.
كما لا يَخفَى في هذا المجال، دورُ بعضِ الجِهاتِ الإقليميَّةِ الَّتي تُغذِّي الحقدَ والتَّطرُّفَ المذهبيَّ وتدعمُ هذه الجماعاتِ بشكلٍ مباشر، وتُشكِّلُ الحاضِنَ والمُموِّلَ الأساسيَّ لها.
إنَّ المشهدَ المأساويَّ لهذهِ المجزرَةِ المُرَوِّعَة، لا يُمكنُ فصلُهُ عن المشهدِ الإقليميِّ الَّذي تزدادُ فيه ضراوةُ الصِّراعِ بينَ محورِ المقاومةِ والقوى الدوليَّةِ الدَّاعمةِ له، في مقابل محورٍ مُرتَبطٍ بالغرب، يضمُّ الأنظمةَ المتصالحَةَ مع الكيانِ الصِّهيونيّ، الَّتي تحاولُ استغلالَ التَّطوراتِ في المنطقةِ من أجلِ تعزيزِ مواقِعِها وضربِ قوَّةِ المقاومة، بما تُمثِّلُ من ذُخرٍ استراتيجيٍّ للأمَّة، وخطرٍ وجوديٍّ على إسرائيل، ومُعَرقِلٍ للمشاريعِ الغربيَّةِ الَّتي تَهدِفُ إلى بَسطِ نُفوذِها على المنطقةِ وإخضاعِ القوى الحيَّةِ فيها، وإسقاطِ النِّظامِ السُّوريّ، بما يُمثِّل من ثِقلٍ في محورِ المقاومة.
ولذلك، فإنَّ هؤلاءِ المجرمينَ يعتقدونَ أنَّ إرسالَ السيَّاراتِ المفخَّخةِ يساهمُ في إرباكِ السَّاحةِ الدَّاخليَّةِ للمقاومة، من خلال الضَّغطِ عليها في خاصرتِها الأضعَف، أي المدنيِّين الأبرياء الَّذين باتوا في دائرةِ الإستهدافِ الإجراميّ.
إنَّ على الجميعِ في لبنان، أن يتحمَّلوا مسؤوليَّاتِهِم تُجاهَ هذا الواقعِ الخطير، من خلالِ رفضِ القَتَلةِ والمجرمين، لكنَّ المؤسفَ والمُخزي هو تصريحاتُ بعضِ السياسيِّينَ إثرَ المجزرة، والَّتي جاءَت لتُعطي غطاءً للقتَلَةِ والمجرمين، بدلَ استنكارِ الجريمةِ المُرَوِّعَةِ الَّتي استهدفَت لبنانيِّين أبرياء، بعيداً عن أيِّ استغلالٍ سياسيٍّ وأحقادٍ وحساباتٍ ضيّقة، والعملِ للاقتصاصِ من القَتَلَةِ وملاحقتِهِم وإنزالِ أقسى العقوباتِ بهِم، لأنَّ هذا الخطرَ الَّذي يستهدفُ الضَّاحيةَ قد يَستهدِفُ مناطقَ أو بيئاتٍ أخرى، بهدَفِ تأجيجِ الفِتنَةِ والإنقسامِ المذهبيّ.
كما أنَّ من واجبِ العلماءِ في العالمِ الإسلاميّ، سواءً علماء السنَّةِ أو الشِّيعة في كلِّ مكان، أن يرفضوا بقوَّةٍ هذهِ الأساليبِ الإجراميَّةِ الَّتي تقومُ بها هذهِ الفئاتُ الضَّالَّةُ والمُنحرفَةُ باسمِ الإسلام.
أمَّا النَّاسُ الطيِّبونَ المُضَحُّون، الَّذين كانوا دائماً الحضنَ الدافئَ للمقاومة، فعليهِم أن يكونوا حذِرينَ ومُتيقِّظينَ من أجلِ المُساهَمَةِ في رَصدِ أيِّ اختراقاتٍ أمنيَّة، ليكون كلُّ مواطنٍ خفيرا، وأن يؤكِّدوا التزامَهُم نهجَ المقاومةِ مهما كبُرَت التَّحدِّيات ومهما عظُمَت التَّضحيات، حتَّى يرسلوا لكلِّ قوى الإستكبارِ رسالةً واضحةً أنَّهم لن يتراجعوا عن هذا الخط ِّوالنَّهجِ الإسلاميِّ المقاومِ الَّذي كانوا خيرَ سندٍ لهُ منذُ انطلاقَتِهِ في أوائِلِ الثمانينيَّات، وصولاً إلى المراحِلِ المتأخِّرةِ الَّتي أينعَ فيها الزَّرعُ فحمَلَت بشائرَ الانتصاراتِ وجلَبَت الهزائمَ الكُبرى للعدوِّ في العام 2000م وفي العام 2006م. ولذلكَ، فإنَّهم اليومَ سينتصرونَ من جديدٍ على القَتَلَة، وسيُفشِلونَ أيَّ رِهانٍ على إرباكِ ساحةِ المقاومةِ الدَّاخليَّة، الَّتي تخوضُ معركةً كبرى ضدَّ مِحورِ الاستكبارِ والتَّكفيرِ والإجرام، والَّتي ستكونُ نتائجُها إن شاء الله انتصاراً جديداً للمؤمنين، وهزيمةً جديدةً للمُستكبِرينَ والأعداء.
وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ {التوبة:105}
وا­لحمدُ للهِ ربِّ العالَمين.


New Page 1