Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



خطبة الجمعة للشيخ حسين اسماعيل: المحافظة على خط الاصلاح في الارض ومحاربة الفساد فريضة اسلامية


:: 2013-08-24 [02:04]::

تحدث امام مسجد الامام شرف الدين (قده) فضيلة الشيخ حسين اسماعيل في خطبة الجمعة عن مفهوم الفساد في الاسلام و اشار الى بعض اقسامه من الفساد الديني و السياسي والاعلامي و الثقافي و الاقتصادي و ان محاربة الفساد فريضة اسلامية , وهذا نص الخطبة :
المحافظة على خط الاصلاح في الارض ومحاربة الفساد فريضة اسلامية
اوجب الله تعالى المحافظة على خط الاصلاح في الارض و نهى عن الافساد فيها و انزل تعالى آيات كريمة في هذا الشان , منها قوله تعالى : ( و لا تفسدوا في الارض بعد اصلاحها و ادعوه خوفا و طمعا ان رحمة الله قريب من المحسنين (56) ) ( سورة الاعراف ) , اشار تعالى في هذه الاية الشريفة الى عدة امور وهي :
الامر الاول : نهى الله تعالى عن الافساد في الارض و حرمه على الناس بدلالة قوله تعالى :(ولا تفسدوا في الارض) و الافساد في الارض معناه ايجاد الفساد فيها و نشره بين الناس بدعوتهم الى مخالفة دين الله و رفض شريعته و عدم الالتزام بها , فالله تعالى انزل دينه الحنيف و بين فيه ما يصلح حياة الناسمما يفسدها و كشف الله تعالى ايضا في هذا الدين عن السبيل الذي يؤدي بالناس الى كمالهم و سعادتهم و خيرهم وهذا الدين الحنيف يتضمن نظاما للبشرو يشكل صلاحا لحياتهم فيما اذا طبقوه و التزموا به , و من هنا كانت كل دعوة للناس الى مخالفة اوامر الله تعالى هي دعوة الى الفساد , و قد ورد عن الامام الرضا عليه السلام في رسالة كتبها الى محمد بن سنان اشار فيها صلوات الله عليه الى ان ما احله الله تعالى للبشر يتضمن صلاحا كما ان ما حرمه الله تعالى يتضمن فسادا لهم , قال الامام عليه السلام في الرسالة : ( ان وجدنا كل ما احله الله تبارك و تعالى ففيه صلاح العباد و بقاؤهم و لهم اليه الحاجة التي لا يستغنون عنها ووجدنا المحرم من الاشياء لا حاجة للعباد اليه ووجدناه مفسدا و داعيا الى الفناء و الهلاك ) , ومن هنا ذهب العلماء الى القول بتبعية الاحكام للمصالح و المفاسد .
الامر الثاني : امرالله تعالى الناس في الآية المتقدمة ان يدعوا ربهم خوفا و طمعا خوفا من عقابه على ما يصدر منهم من معاصي و سيئات فيطلبون منه تبارك العفو و الغفران , و يدعونه ايضا طمعا برحمته و رافته و كرمه , و لا شك ان الخوف من الله تعالى و الطمع برحمته يرتبطان بالجانب العقائدي بالله تعالى , وكلما كانت عقيدة الانسان بالله صحيحة كلما ساعدت هذه العقيدة على ردع الانسان عن سلوك طريق الفساد , ومن هنا نجد ان هناك رابط بين ضعف العقيدة و بين فعل الفساد وفي قوله تعالى : ( و ادعوه خوفا و طمعا ) الى اشارة الى ذلك .
الامر الثالث : اشار تعالى الى حقيقة ثالثة في خاتمة الاية التي هي محور الحديث , وهي ان الله تعالى قريب من المصلحين وعبر عنهم في الاية بالمحسنين وهم الذين يحسنون الى غيرهم و لا يسيئون , اما الذين يسيئون الى مجتمعاتهم فهم مفسدون في الارض و الله تعالى يحرمهم من رضاه و من رحمته , و تحدث تعالى عن قرب رحمته من المصلحين فقال : ( ان رحمة الله قريب من المحسنين ) و المقصود بالرحمة كل ماهو خير و صلاح سواء كان على مستوى الدنيا فالله تعالى يسدد خطاهم و يرعى مسيرتهم و يحفظهم من المؤامرات التي تحاك ضدهم , و اما على مستوى الاخرة فالله تعالى لا ينساهم من عفوه وغفرانه وادخالهم دار النعيم .
الامر الرابع : نستفيد من السياق العام للاية هو انه يجب على المسلمين ان يقودوا مسيرة الاصلاح في الارض ويحاربوا جبهة الافساد , ولكن يجب على دعاة الاصلاح ان يصلحوا انفسهم اولا قبل ان يصلحوا غيرهم , والا فانهم سيفشلون في هذه المسيرة .
2 – فساد البشر له تاثير سلبي على الطبيعة :
والله تعالى حذر الناس من السير في خط الفساد لان له نتائج سلبية على الطبيعة وعلى الزرع و الامطار و الانهار وغيرها مما يحتاج اليه الناس , فان الطبيعة تتاثر بمعاصي المفسدين , حيث ان الخيرات تقل و البركات تنقص و الامراض تكثر والحوادث الطبيعية المدمرة كالزلازل و الطوفان تزداد بسبب ارتكاب البشر للمعاصي , قال تعالى مشيرا الى ذلك في سورة الروم : (ظهر الفساد في البر و البحر بماكسبت ايدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) و المقصود بالفساد في هذه الاية حصول خلل وفساد في نظام الطبيعة بسبب ارتكاب الناس للمعاصي و السيئات وظلمهم لبعضهم البعض .
ثم ان الله تعالى اخبر ان امتناع الطبيعة في البر و البحر عن تقديم الخيرات للناس انما كان بامر الله تعالى حتى ياخذ البشر العبرة و العظة فيرجعوا عن طغيانهم و انحرافهم قال تعالى :( ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) عن فعل المعاصي و الذنوب , اما الجزاء و العقاب على البعض الاخرمن الاعمال الفاسدة فهو مؤخر الى ما بعد الموت و يوم القيامة , و لو ان الله تعالى اراد ان يؤاخذ العباد على جميع اعمالهم المنحرفة لما بقي احد على وجه الارض الا وحل عليه عذاب الله , و ادى ذلك الى انعدام حياة البشر على الارض لكنه تعالى يعامل العباد برافته , واراد تعالى للدنيا ان تكون ساحة للاختبار و الامتحان .
3 – الاسلام يحذر من الفساد السياسي و الديني :
الحديث عن الفساد في المجتمع البشري يقودنا الى التعرف على الاسباب الداعية الى فعل هذا الفساد حتى يمكن الابتعاد عنه , و الاسباب الداعية الى الفساد كثيرة و عديدة و لكن بعد التامل نجد ان هناك سببان كبيران لحصول الفساد في المجتمعات و لاسيما الاسلامية و الاسلام تحدث عنهما , وهما الفساد السياسي اولا و الفساد الديني ثانيا و الرسول الاكرم محمد صلى الله عليه و اله وسلم اشار في بعض احاديثه الشريفة الى هذين السببين و حذر امته منهما , فانه قال :(صنفان من امتي اذا صلحا صلحت امتي و اذا فسد فسدت امتي قيل يارسول الله ومن هما قال : الفقهاء و الامراء ) الخصال 37 / 12
و حديث الرسول صلى الله عليه واله وسلم واضح المعنى , فالفساد في المجتمع يبدا بفساد الفقهاء الذين هم علماء الدين و ايضا بالامراء الذين هم الحكام على الناس و المقصود بفساد الفقهاء في حديث النبي المتقدم هو ان يستغل الفقهاء الدين من اجل مصالح دنيوية منحرفة وخاصة في دعمهم لسلطات الاستبداد و الانظمة الجائرة فيبرورون لهم السياسات الفاسدة التي ينتهجونها حتى تعمى قلوب الناس عن رؤية الحق فتنقاد هذه القلوب للحكام و الرؤساء , كما انه ايضا من فساد الفقهاء عدم قيامهم بتبليغ الرسالة للناس و لا تعليمهم اياها , فيعيش المسلمون حينئذ جهلا بدينهم الحنيف فيدفعهم ذلك الى الانحراف عن تعاليم الاسلام .
و ايضا تهاون علماء الدين و ابتعادهم عن الالتزام باحكام الدين و ادابه مما يدفع الناس الى الاستخفاف باحكام الاسلام فيعرضون عن اداء الواجبات ولا يتركون المحرمات و بالمقابل هناك العلماء الصالحون وهم اساس ارتباط المسلمين بالاسلام و التزامهم بقيمه و تعاليمه .
الامر الثاني : الذي تحدث عنه النبي صلى الله عليه و اله هو فساد الامراء وهم الحكام و الرؤساء فان فسادهم يؤدي الى فساد الامة , فالحاكم الفاسد هو الذي لا يلتزم خط الاسلام و لا خط العدالة في سلوكه و مواقفه و لا يلتزم السياسية المستقيمة في ادارة شؤون شعبه مما ينعكس ذلك على هذا الشعب ابتعادا و انحرافا عن القيم الرسالية و التعاليم السماوية , وعليه فاصلاح المجتمعات يبدا باصلاح الطبقة السياسية الحاكمة تلك الطبقة التي لا هم لها الا استعباد الناس و الاستبداد باموالهم و حقوقهم .
ومن الفساد عدم عودة الحاكم الى مشورة الامة و مصادرة خياراتها المشروعة لها من قبل الله تعالى , بل ان الله تعالى حذر الامة من الحكام المفسدين , قال تعالى حكاية عن قول ملكة سبأ التي امتازت بموهبة الذكاء و الفطنة في حكمها لبلاد اليمن قال تعالى : (ان الملوك اذا دخلوا قرية افسدوها و جعلوا اعزة اهلها اذلة و كذلك يفعلون (34) ) سورة النمل / ومن هنا نجد الحكام و الملوك الذين لا يحملون ارادة الحق و لا الايمان الصحيح بالله تعالى فانهم يعملون على تمزيق اممهم و شعوبهم و تفريقهم حتى يبقى حكمهم و سلطانهم قائم .
و من الدلالات على فساد الحكام غياب القضاء العادل لديهم , و انحياز هذا القضاء لصالح الاقوياء و الاغنياء دون الوقوف الى جانب الضعفاء و المظلومين و هكذا امة لاتنال من الله تعالى التوفيق و التاييد لانه بسكوتها عن ظلم و فساد حكامها فانها تعتبر شريكة معهم في الفساد , قال الرسول الاكرم صلى الله عليه و اله : ( ان الله لا يقدس امة لا ياخذ الضعيف حقه من القوي وهو غير متعتع ) كنز العمال 5544 .
و في هذا السياق ايضا قال صلى الله تعالى عليه و اله : ( ان المعصية اذا عمل بها العبد سرا لم تضر الا عاملها و اذا عمل علانية و لم يغير عليه اضرت بالعامة ) بحار الانوار 100 / 74 / 15 المجتمع مسؤول عن حالات الفساد الظاهرة فيه و المعلنة بفسقها وفجورها وهو مطالب من قبل الله تعالى بتغييرها اما لو بقي الفساد مستورا و بعيدا عن علم المجتمع فانه غيرمسؤول عن ذلك .
4 – الاسلام يحذر من الفساد الاعلامي و الثقافي :
الفساد لا ينحصر بالفساد السياسي و الديني بل له اقسام اخرى كثيرة منها الفساد الاعلامي , و ياتي الفساد الاعلامي في الخطورة بعد الفساد الديني و السياسي , و الفساد الاعلامي هو عبارة عن تحريف الحقائق و تضليلها و محاولة التاثير على وعي الناس و اذهانهم و ايهامهم امورا على غير حقيقتها حتى يضلوا عن رؤية الحق و يشتبه عليهم الباطل , و ياخذوا المواقف غير الصالحة , كما هو حاصل الآن فالاعلام العالمي الموجه يحاول تشويه صورة الاسلام بانه دين يدعو الى الارهاب و القتل و الذبح و العنف , كما يحاول هذا الاعلام ان يزرع الفتنة بين المسلمين و اثارة الخلافات المذهبية و الطائفية من اجل دفع الجميع نحوالصدام و الصراع مع بعضهم البعض و حصول الحروب بينهم .
و القرآن الكريم اشار الى خطورة الاعلام و خاصة الاعلام الذي تقف و راءه انظمة فاسدة و قوى منحرفة قال تعالى : ( و من الناس )الاعلامي الفاسد (من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ) لانه يتقن فن التاثير و التعبير على المستمعين (و يشهد الله ) ادعاء كاذب بهدف خداع المستمع (على ما في قلبه و هو الد الخصام (204) ) سورة البقرة . و لكن هو في الواقع يخطط للايقاع بالمسلمين و الناس (و اذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها و يهلك الحرث و النسل و الله لا يحب الفساد ) الاعلام يظهر للناس بصورة الحريص على حركة الاصلاح في المجتمع و تعالى يمقت الفساد ( و اذا قيل له اتق الله اخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم و لبئس المهاد (206) ) سورة البقرة / و اذا حاول الناس مواجهة الاعلام الفاسد فان هذا الاعلامي يتمسك باكاذيبه و يعتز بما يقوم به , و لا شك انه ليس كل الاعلاميين هم كذلك فهناك من هومخلص في رسالته الاعلامية , و يعمل على نشر الوعي و توضيح الصورة بين الناس من اجل ان ياخذوا المواقف المستقيمة
و على المسلمين ان يحذروا من كثير من الاعلاميين الذين يتلقون اموالا في سبيل تلفيق الاخبار و تضليل الحقائق قال الرسول الاكرم محمد صلى الله عليه و اله وسلم : (ان اخوف ما اخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان ) الترغيب و الترهيب 1 / 127 / 18 / هناك من يتقن من الاعلاميين فن الفصاحة و البلاغة و يحاول ان يوحي للناس انه صادق فيما يدعي وهو ليس كذلك , و الى جانب الفساد الاعلامي هناك الفساد الثقافي سواء في العقيدة او في السياسة او في الاخلاق او في غيرها فلا بد و ان يحذر المسلمون و يتاكدوا من سلامة المصادر الثقافية , هل هي امنة و صادقة ام لا ؟ و علينا ان لا نحسن الظن بالعناوين الثقافية التي تعرض علينا و لا نستعجل الحكم عليها دون التامل فيها و استكشاف سلامتها , فالثقافة السليمة تبني مجتمعا مستقيما كما ان الثقافة المنحرفة تنتج مجتمعا منحرفا في سلوكه و حياته .
5 - دور الفساد الاقتصادي في نشر الانحراف :
ايضا من اقسام الفساد الفساد الاقتصادي و الذي يقوم على الغش و السرقة و الاسراف و التبذير و صرف الاموال من اجل نشر خط الانحراف بين الناس و دعوتهم الى ارتكاب المعاصي فيؤدي ذلك الى فساد ايمانهم و اخلاقهم و ايضا من الفساد الاقتصادي الهيمنة على ثروات الشعوب عبر وضع انظمة و قوانين مالية تؤدي الى افقار الشعوب وحرمانهم من الحقوق , فالفقر الحاصل في العالم هو نتيجة طبيعية لفساد الانظمة الاقتصادية التي تهيمن عليها الدول الكبرى , قال تعالى : (و لا تطيعوا امر المسرفين (151) الذين يفسدون في الارض و لا يصلحون (152)) الشعراء .
و اخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين و صلى الله على نبينا محمد واهل بيته الطاهرين وصحبه الميامين ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين .



New Page 1