Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



تَوَقَّفْ... فالضَّوْءُ أحمَر!


بقلم: فتون نعمة :: 2013-10-01 [01:18]::
لَيْسَ مِنَ السَّهْلِ أَنْ تَكْتُبَ عَن تِلْكَ الحَسْناءِ المُحْتَجِبةَ خَلْفَ خِمَارِها المُوَشَّى بِخُيوطِ العِشْقِ، متى استيْقَظَتْ لِتُحاكيَ النَّاسَ، وَالشَّوارِعَ، وَالأَبْنِيَةَ، وَالأَزِقَّةَ والحاراتِ...
وَلِتَحْكِيَ لنا عمَّا يُحاوِلونَ إزالَته وإقتلاعه من جُذورِها، وَمَحْوِ كلّ معالِمَها الماديّة لتَحُلَّ مكانَها صورة أُخرى، أَدَواتها وجوهٌ، وأقنِعَةٌ، بعيدةٌ عَنِ المَكانِ، وَمُنْتَفِيَةُ مِنَ الزَّمان!
تَلْثُمُ طَرَفَ نَسْمَةَ الفَجْرِ، فَتَراها...هِيَ فَيْروزُ الصَّباحِ، وَأُمُّ كُلثوم اللَّيْل.
ما أَجْمَلَ صَبَاحُ المدينةِ، وهيَ تُعِدُّ قَهْوَتَها مِنْ بُنِّ السَّحَر! يَحْدُثُ أَنْ تَسيرَ على رؤوسِ قَدَمَيْكَ ، كَيْ لا تُوقِظَ فيها الأَحِبَّة!
هيَ مَدِينَةُ الأَحْياءِ، الَّذينَ يَغُصُّ بِهِمْ صَدْرُها ، إِنَّها تَحْمِلُهُمْ كَأَوْسِمةِ شَرَفٍ، في هذهِ الحَياةِ الرَّتيبة، وتَغْريدِ العَصافيرِ ، وأصوات الباعةِ.
تُدَخِّنُ سيجارَتَكَ، وتستَمْتِعُ بكافيينِ قَهْوَتِكَ خِلْسَةً، والنَّاسُ صائِمونَ عَنْ كُلِّ شَيءٍ، إلاَّ عَنْ العَمَلِ الدَّؤوبِ.
نَراهُمْ أَمامَنا .. في المَسْجِدِ والكنيسةِ، والسُّوقِ والمَخْبَزِ، وَعِنْدَ بائِعِ الخُضارِ، والفوَّالِ، والحدَّادِ، والنَّجَّارِ، والمكوجيّ .. نَراهُمْ، خليَّات نحلٍ ، يرسمونَ أَحلامَ الفُقراءِ والمُعْدَمينَ، هُمْ كَلامُ اللهِ الرَّائعِ...
عِنْدَما أجولُ في صور، أُمسي كَما الجارّ يَتْبَعُ المَجْرور، فقد كُتبَ في لَوْحٍ محفوظ، عندما صَنَعَ الله شاطئها، وَحَدَّدّ لها ذرَّاتِ رَمْلِها، وَمَلْمَس صُخورها، هذهِ الهديّة، هيَ مُلْكٌ لكِ! جريئةٌ...فَهِيَ الَّتي تَرْسُمُ ذاتَها في قلبي، وعقلي، ووجداني، فتنسَكِبُ حروفاً من ذَهَب على أوراقي الخجولة..
نَعِيشُها يَوْمِيَّاً، وَنَحْنُ نُعِدُّ القَهْوَةَ، ونحتسي الشَّايَ، خلال حَدِيثنا اليَوْميّ عَن الغلاء ... وَنَسيرُ إَلى أَعْمالِنا مُثْقَلينَ بِوَطأَةِ العَوْدَةِ إِلى بُيُوتٍ، لَمْ تَعُدْ سِوى أَدَواتٍ إلكترونيَّة، تَحومُ فيها مَجْموعةٌ مِنَ الأرواحِ الجائعةِ إِلى دِفْءِ البُيُوتِ القديمِ.
أتأمّلُ المقاهي الَّتي تَضُمُّ بَيْنَ ذِراعَيْها أحْلامَ الشَّبابِ الجافَّةِ، مِثْل لَحْمٍ نَتِنٍ، تَتَكاثَرُ مِنْ حَوْلِهِ الحَشَرات في صَيْفٍ حارِّ، وَالَّتي تَعيشُ تَحْتَ جِلْدِها، مِثلَ وَرَمٍ خَبيثٍ، غَيْرُ قابِلٍ للاسْتِئْصالِ وِالنَّزْعِ، أَوْ حَتَّى لِلعِلاج.
نَعِيشُهُ في السَّيَّاراتِ المُسْرِعة، الَّتي تَقْطَعُ أَوْصالَ المَدينةِ ، في شوارِعِها الَّتي لَمْ تَعُدْ شوارِع! تنامُ وقد اطمأنَّ بالكَ أنَّ الزِّفتَ زيَّنَ شارِعَكَ، لِتَسْتَيْقِظَ على حفرياتٍ فيه، فلا يتبقَّى لكَ إلاَّ أنْ تَحْتَضِنَ لُهاثَ النَّاسِ، وَغُبارَ الوَقْتِ، وَمُتْعةَ اللَّحَظاتِ السَّعيدة من اليَوْمِ السَّابِق!
كَيْفَ، وَلِمَنْ يَشْكو هَمَّهُ هَذا الرَّصيف المُتهالك المَليىءِ بالتَّعَرُّجاتِ، والأَوْساخِ الَّتي يُلقي بِها المَارَّة، وَبقايا أَعقابُ السَّجائِرِ، الَّتي لا تزال أَطرافَها رَطِبَةً، مِثْلَ سَمَكَةٍ ماتَتْ لِلتَّو! تضْحَكُ عمَّا آلَتْ إليْه هَذِهِ المدينة، الَّتي انكسَرَت بيْنَ كمَّاشة مَنْ يُسَمُّونَ أنفُسَهم "مسؤولين"! وكَأَنَّكَ ترى إعلانات عَنْ أصحاب محلاَّت المأكولات، بَيْنَ حشودِ الأكياسِ المُبَعْثَرة!
وحْدُهُمْ، عُمَّالُ التَّنظيفات، في رِحْلَةِ الذَّهابِ والإِيابِ، يَوْمِيَّاً، يَجُولونَ، لِيَكْنِسوا قَذاراتِ النُّفوس الرَّديئة! سلوكٌ روتينيُّ، وَمَشَاهِدَ مُتَكَرِّرَة، لأَنَّ الطريقَ واحدٌ، والمَعالِمَ ثابتةٌ، وَحَتَّى مَوْطِئُ القَدَمِ، لهُمْ، هُوَ نَفسهُ!
أخطو بهدوء، وأرفعُ ناظريَّ إلى تلكَ العُلَب الإسمنتيّة، حتَّى الشُّرُفات، فَقَدَتْ خاصِيَّتها كَشُرْفَة! كانَ فيها الأَمَلُ ، وَضَحِكِ الغُرَباء، وَمُواءُ القِطَطِ ، وَكانَ يَتَسَرَّبُ إلَيْكَ بَعْض الضَّوْءِ، والحُبّ المُهَرّب!
مسكينةٌ! لقَدْ تَحَوَّلَتْ لِصُنْدُوقِ ألمونيوم جافٍ وباردٍ، أمْسَتْ كَعُلْبَةِ كِبْريتٍ، مُعَلَّقَة في السماء!
أُتابِعُ جَوْلَتي، أتَأمَّلُ المَحلَّاتِ الَّتي أَصْبَحَتْ تَنْتَشِرُ فَوْقَ وَجْهِ المدينةِ، كالدَّماملِ البَشِعَةِ... أَتَعَثَّرُ في كُلِّ شارِعٍ، بِمَحَلٍّ استباحَ طمأنينةَ الطَّريق وهدوءِ الأرصفةِ! مَحالٌ للأكلِ، ومَحَالٌ لِلملابسِ، والماركاتِ العالمية، بأسماء مُسْتوردة من ثقافة مختلفة، تَحْتَ اسم الانفتاح على العالم الخارجي، ونحن ما زِلنا نَسْبَحُ في بَحْرٍ مِنَ القَحْطِ، والجَهْلِ، والانغلاقِ، والمَحْدودية، وَهَلْ سَماع الأغاني حرامٌ أَمْ حلال!
أُحاولُ أن أسألَ أحدهم:" ما هوَ آخر كتاب قرأتَهُ؟!" سيبتسمُ، وَيَحكَّ رأسَهُ، ويجيبني:" كابتشيو عادي أم زياده حليب؟!"
ما للنُّفوسِ مُتْعَبَةٌ، والنَّاسُ فيها يَسيرونَ على غَيْرِ هُدى؟ انْتَبِه.. الطَّريقُ مَوْجودٌ داخِلَكَ، قَبْلَ أَنْ تَعْتِبَ عَتَبَةَ بَيْتِكَ، قَبْلَ أَنْ تَلْعَنَ وزارة الطَّاقة، وصاحبِ اشتراكِ مُوَلِّد الكهرباء ووزارة التَّخطيطِ العشوائيّ، والسَّاسة المقامرين بحقوقكَ كَمُواطن، والباعة المجهولونَ الَّذينَ يَصْرخونَ تَحْتَ شُرْفَةِ بَيْتِكَ، وَهُمْ يُنادون: " مدينة صالحة للعيش!" فَتَبْتَسِمُ بِمرارةٍ، وَتَصْرُخُ في وَجْهِهم:" لا، إنَّها لَمْ تَعُدْ كَذَلِكَ!
عِنْدَها... نَجْمَعُ حَقائبَ السَّفرِ، للرَّحيلِ مِنَ الوطن، نُوَضِّبُ فيها ذِكْرياتنا، وَفَرحنا القديمِ، وَنَنْسى قُلوبَنا فِيهِ... وَمَتى وَصَلْنا لمُدُنٍ أنيقة، نَجْهَلُها تَماماً، نَقْرعُ أَبوابَ الحَنينِ إليْهِ... فَنَحْنُ مَنَحْناهُ أَغلى ما نَمْلُكُ: قلوبٌ خضراءُ، لا تَذْبُل أبَدَاً...


New Page 1