Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



العلامة ياسين في خطبة الجمعة: عاصفة الحزم سترتد خزياً وعاراً وخسارة على من أثارها


:: 2015-04-18 [01:02]::

ام رئيس لقاء علماء صور للارشاد والتوجيه العلامة الشيخ علي ياسين صلاة الجمعة في مسجد المدرسة الدينية في صور بحضور حشد من المؤمنين، وبعد الصلاة القى سماحته الخطبة وجاء فيها:


﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾
الإنسان بطبعه يحب الراحة والسيطرة والبقاء والخلود ، وبذلك استطاع ابليس أن يزيّن لآدم الأكل من الشجرة التي سبق للمولى أن نهاه عن الأكل منها ؛ حتى لا يندم ، وكان النهي ارشادياً لا مولوياً ، فكانت معصية آدم أن ترك الأولى ، مما سبّب له الخروج من الجنّة بعد طرد ابليس منها ، وبدأ حياته الدنيا التي جعلها الله للإنسان ميداناً للعمل الصالح والطاعة والسعي إلى جنّة الخلود ، وبيّن الله سبحانه لآدم ولأولاده وللبشر من ذريّته : أنّ هذه الدار [ دار الحياة الدنيا ] تبدأ مع الإنسان من حين الولادة وتنتهي بالموت ، وبعدها الحياة الآخرة تبدأ بعد الموت لتبدأ حياة الخلود ، إما في جنّة عرضها كعرض السموات والأرض فيها ما لا عين رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر ، أو خلود في نارٍ أعدّها الله لمن عصاه ﴿ وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾ ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ﴾ لا يقاس بها بلاء وعذاب الدنيا ، إذْ أن بلاءات الدنيا وعذاباتها بالنسبة لعذاب النار وبلاء النار عافية وراحة ، وبمجرّد أن يولد الإنسان يبدأ العد التنازلي للحياة الدنيا التي جعلها الله مزرعة الآخرة [ كما ورد عن أمير المؤمنين : الدنيا مزرعة الآخرة ] ، [ الدنيا دار ممر والآخرة دار مقر فاعملوا في ممركم لمقركم ] [ إنّما الدّنيا دار مجاز ، و الآخرة دار قرار ، فخذوا من ممرّكم لمقرّكم ، و لا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم ، و أخرجوا من الدّنيا قلوبكم من قبل أن تخرج منها أبدانكم ، ففيها اختبرتم ، و لغيرها خلقتم ، إنّ المرء إذا هلك قال النّاس : ما ترك ؟ و قالت الملائكة : ما قدّم ؟ للَّه آباؤكم فقدّموا بعضا يكن لكم ، و لا تخلّفوا كلاّ فيكون عليكم ] .
الله سبحانه خلق الإنسان في الدنيا للآخرة لا للدنيا ، لكن قد تتحكّم بالإنسان غريزة الطمع والحرص والحسد ، فتملك على صاحبها حواسّه ، وتسخّره لها وتصيّره عبداً للدنيا بعد أن يملأ حبُ الدنيا قلبه ، فينسى الآخرة ونعيمها ، وتصير الدنيا أكثر همّه ، فلا يلتفت أنّ عمر الدنيا قصير وحدود ، وأنّ نعيمها يفنى ، ولذّتها لا تبقى ، فيتلهّى بها ، وتُعمي بصره عن حياة لا تنتهي ، ونعيمٍ لا يفنى ، ولذةٍ تبقى ، ولا يلتفت إلاّ إذا حضر الموت :
يروى في كتاب البداية والنهاية : لمّا احتضر عبد الملك بن مروان سمع غسّالاً يغسل الثياب فقال : ما هذا ؟ فقالوا : غسّال . فقال : يا ليتني كنت غسالاً أكسب ما أعيش به يوماً بيوم ولم آل الخلافة ، ثم تمثّل فقال :
لَعَمْرِي لَقَدْ عُمِّرْتُ فِي الملكِ بُرْهَةً وَدَانَتْ لِيَ الدُّنْيَا بِوَقْعِ الْبَوَاتِرِ
وَأُعْطِيتُ جَمَّ الْمَالِ وَالْحِكمَ وَالنُّهَى وَدان قَمَاقِيمِ الْمُلُوكِ الْجَبَابِرِ
فَأَضْحَى الَّذِي قَدْ كَانَ مِمَّا يَسُرُّنِي كَلَمْحٍ مَضَى فِي الْمُزْمِنَاتِ الْغَوَابِرِ
فَيَا لَيْتَنِي لَمْ أَغْنِ فِي الْمُلْكِ سَاعَةً وَلَمْ أَسعَ فِي لَذَّاتِ عَيْشٍ نَوَاضِرِ
وَكُنْتُ كَذِي طِمْرَيْنِ عَاشَ بِبُلْغَةٍ مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى زَارَ ضَنْكَ الْمَقَابِرِ
وقال سعيد بن عبد العزيز : لما احتضر عبد الملك أمر بفتح الأبواب من قصره فسمع قصّاراً ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : قصّار . فقال : ياليتني كنت قصّاراً . فلمّا بلغ سعيد بن المسيّب قوله ، قال : الحمد لله الذي جعلهم يفرّون إلينا ولا نفرّ إليهم . وقال آخرون عن عبد الملك لمّا حضره الموت جعل يندم ويضرب بيده على رأسه ويقول : وددت أني أكسب قوتي يوماً بيوم وأشتغل بطاعة الله . لقد غرّته الدنيا كما غُرّ من كان قلبه ممن قال عنهم أمير المؤمنين (ع) بعد أن ذكر إخلاصهم للدنيا : كأنهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ بلى والله لقد سمعوها ووعوها!! ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها .
وبما أنّ حب الدنيا رأس كلّ خطيئة ؛ كان الإمام علي (ع) كثير التحذير منها ، وجاء عنه في وصف الدنيا قوله : وأحذركم الدنيا فإنها منزل قُلعةٍ ، وليست بدار نجعة ، قد تزينت بغرورها، وغرَّت بزينتها. دارها هانت على ربها، فخلط حلالها بحرامها، وخيرها بشرِّها وحياتها بموتها، وحلوها بمرها، لم يُصفها اللّه تعالى لأوليائه، ولم يضنَّ بها على أعدائه. خيرها زهيد وشرها عتيد وجمعها ينفد، وملكها يُسلبُ، وعامرها يخرب .
إنّ نظرة الإنسان للدنيا تصنع شخصيّته وتحدد مآله ومصيره ، لقد هانت الدنيا عند أمير المؤمنين (ع) حتى صارت كشسع نعله البالي ، أو ورقة في فم جرادة ، فلم يعد يرى في الدنيا إلاّ ما يرضي الله سبحانه ، فيسعد به لأنه سيوصله إلى سعادة الدار الآخرة ، وعمل (ع) على تصوير الدنيا للمؤمنين بصورٍ تمكّنهم من إخراج حبّها من قلوبهم ، وعدم التعلّق بها ، منها قوله : الدنيا دار فناء وعناء ، وغِيَرٍ وعِبَرٍ .
إنّ الدنيا ليست ملازمة للإنسان ولكنّها مرحلة من مراحل عمر الإنسان الذي بدأه بعالم الذر ثم عالم الأصلاب ثم عالم الأرحام إلى أن حطّ في هذه الدنيا المحدودة ، لتكون ممراً للحياة الآخرة التي هي إما نعيم دائم أو عذاب دائم ، هذه الدنيا إذا قسناها بالمراحل التي يمرّ بها الإنسان من يوم خلقه الله تعالى إلى أن يترك هذه الدنيا فيمرّ بالبرزخ إلى عالم الآخرة ، سنجد أن هذه الدنيا لا شيء بالنسبة لمراحل حياة الإنسان ، إنّها كمثل من جعل اصبعه بمياه المحيطات وأخرجه ، كم يكون عليه من الماء بالمقارنة مع مياه المحيطات ، إنّ هذه الدنيا تمرّ سريعاً ، وقد أخبر الله سبحانه عن لسان أهلها يوم القيامة ﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ فهل تستحقّ هذه الدنيا أن يلتفت إليها الإنسان ويصرف قدراته التي منحه إياها الله سبحانه في سبيلها ، وينسى المراحل التي بعد هذه الدنيا ، إنّ العاقل لا يعطي الدنيا أكثر مما تستحق ، ويسعى فيما أعطاه الله في سبيل الحياة الآخرة ليكون من أهل الجنّة التي لا يجوع فيها ولا يعرى ، وفيها ما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، ولا يصرفه في دنيا يقول عنها إمام المتقين (ع) : خيرها زهيد وشرّها عتيد وجمعها ينفد وملكها يسلب وعامرها يخرب . يقول (ع) : عباد اللّه أوصيكم بالرفض لهذه الدنيا التاركة لكم وإن لم تحبوا تركها والمبلية لأجسامكم وإن كنتم تحبون تجديدها فإنما مثلكم ومثلها كسفر سلكوا سبيلاً فكأنهم قد قطعوا، وأمّوا علماً فكأنهم قد بلغوه... وما عسى أن يكون بقاءُ من له يوم لا يعدوه وطالب حثيث من الموت يحدوه ومزعج في الدنيا حتى يفارقها رغماً، فلا تنافسوا في عز الدنيا وفخرها .
إن هذه الدنيا دار غش وخداع ، تزيّن كل قبيح لتظهره بصورة حسنة للإنسان ، ولكنها سراب ، فقد وصف الإمام علي (ع) غشّها وخداعها وبالتحذير منها بقوله : فإني أحذركم الدنيا، فإنها حلوة خضرة، حُفَّت بالشهوات وتحببت بالعاملة وراقت بالقليل وتحلَّت بالآمال وتزينَّت بالغرور، لا تدوم حبرتها ولا تؤمن فجعتها غرّارة ضرّارة، حائلة زائلة نافذة بائدة أكّالة غوّالة . ولأنّ علياً (ع) خبيرٌ بالدنيا اكتفى منها بالقليل : ألا وإن لكل مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه، ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعامه بقرصيه. ولكن هوّن على أتباعه فقال : ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك ، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد .
فالعاقل يختار ما فيه الربح ويتجنّب ما فيه الخسارة ، فلا يختار على الجنة بدلاً ، ويعدّ نفسه وماله في سبيل أن يكون من أهل الجنة والنعيم ، لأنه الدنيا حقيرةً أمام الجنّة ، كما ورد عن رسول الله (ص) في موعظة بالغة : جاء الموت بما فيه، جاء بالروح والراحة والكرة المباركة إلى جنة عالية لأهل دار الخلود، الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم، وجاء الموت بما فيه بالشقوة والندامة وبالكرة الخاسرة إلى نار حامية لأهل دار الغرور، الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم .
فالمؤمن الواثق بدخول الجنة لا يرهب الموت ، إنما يرهبه من جعل نفسه عبداً للدنيا ، يقول تعالى ﴿ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ * وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ .
إنّ أهل الدنيا يكرهون الموت لأنهم عمّروا الدنيا وخرّبوا الآخرة ، ويكرهون أن ينتقلوا من عمارٍ إلى خراب ، أما من قدّم حياته وماله لله سبحانه فيتمنّى الموت والخروج من سجن الدنيا ليدخل الجنّة ، لذا كان أمير المؤمنين (ع) يقول دائماً : حتى يبعث أشقاها [ يعني من يغتاله ] وحينما ضرب بالسيف على رأسه قال : فزت ورب الكعبة . فالمؤمن إن أحب الحياة فلأنها مزرعة الآخرة ومحل عبادة الله فيتمنّى أن تطول ، ويدعو الله بما ورد عن زين العابدين (ع) : اللهم اجعل الحياة زيادة لي في كلّ خير ، والوفاة راحة لي من كلّ شر .
إن حبّ الآخرة يملأ قلب صاحبه حبّاً لله وللناس ، يقدم بين يدي الله ما يرضاه ، ولا يسعى إلاّ بما ينفع الناس من دون النظر إلى الجنس أو القومية أو القرابة ، فلا يصدر منه إلاّ الخير ، ولكن حب الدنيا يدفع صاحبه نحو الخطايا والموبقات ، لأنه يجعل صاحبه حريصاً طمّاعاً فتّاكاً مُسقطاً لكلّ المحرّمات ، فيظلم في سبيل الدنيا ويقتل ويرتكب المجازر ويهتك الأعراض ، يتعامل مع الآخرين بما يصلح دنياه ، فهذا هارون اللا رشيد يقول لولده المأمون : اعلم أن الملك عقيم ولو نازعتني فيه أنت لأخذت الذي فيه عينيك .
وحب الدنيا هو السبب فيما نعيشه هذه الأيام بما يشبه الجاهلية قبل الإسلام ؛ حيث الحكم للمال والسيف ، الحكّام الأغنياء يغرّهم المال والحكم يشترون الضمائر ويقتلون المستضعفين والفقراء ، كما حصل في فلسطين ويحصل في اليمن اليوم ، فبمجرّد أن شعر حكّام الخليج – وخاصة نظام آل سعود – بأنّ شعب اليمن خرج عن طاعتهم صاروا يقصفونه ويدمّرونه ويرتكبون المجازر ، تحت عنوان عملية عاصفة الحزم والانتصار للشرعية الوهمية في اليمن ، وهم لا شرعية عندهم ولا حرمة لشعوبهم ولا ديموقراطية ولا احترام لحقوق الإنسان لديهم ، لأنّ شعب اليمن رفض الخضوع لهم ولم يسر وفق المشروع الصهيو أمريكي ؛ فهم يقتلونه اليوم دون أن يعتدي عليهم ، ويديرون ظهرهم للشعب الفلسطيني ويصمّون آذانهم عن طلب الحكومة الليبية بمساعدتها على ضرب الارهاب ، إنّه الكيل بمكيالين ، والانقياد لأوامر ولرغبات المشروع الصهيو أمريكي في مواجهة مشروع شرق أوسط إسلامي جديد أسّس له الإمام الخميني (رض) الذي دعا المسلمين للوحدة وللعمل على تحرير فلسطين من الصهاينة المحتلين ، فتعاملوا معه طائفياً وأثاروا النعرات الطائفية وجيّشوا الجهلة من المسلمين وعبّؤوهم حتى أصابهم العمى الفكري والعقائدي ، ونسوا أعداء الأمة الحقيقيين .
الجمهورية الإسلامية في إيران انتصرت للشعب الفلسطيني السّني ، لأنه مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فاستعصت غزّة على المحتل الصهيوني وانتعش الأمل عند الشعب الفلسطيني بتحرير فلسطين ، وانتصرت المقاومة في لبنان ، وسيتمكّن كل من الشعب العراقي والشعب السوري من الانتصار على التكفيريين خدّام المشروع الصهيو أمريكي ، ولن تستطيع عاصفة الحزم ومن يديرها من إقصاء الشعب اليمني ، بل سترتد عاصفة الحزم خزياً وعاراً وخسارة على من أثارها ، وسوف تستحيل عاصفة حزمهم رياحاً تسقط عروشهم وتحطّم آمالهم المتعجرفة ، لأنّ النصر في النهاية للشعوب التي ترفض الذل ، وترى الموت في سبيل دينها وحريّتها سعادة والعيش في خدمة مشاريع الظالمين المستكبرين موت خزيٍ وذل ، منطلقة من قول الإمام علي (ع) : إنّ موتكم في حياتكم مقهورين ، وحياتكم في موتكم قاهرين .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلِّ اللهم على محمدٍ وآله الطاهرين .









New Page 1