Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com



الشيخ حسين اسماعيل في خطبة الجمعة : الامام علي (ع) والعدالة الاجتماعية


:: 2015-05-03 [00:35]::

أم فــضيلة الشيخ حسين اسماعيل صلاة الجمـعة في مســجد الامام شرف الدين (قده) في حــارة صــور القديمة بحضور حشد من المؤمنين ، وبعد الصلاة القى سماحته الخطبة وجاء فيها :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله فاطر السموات و الاراضين و الصلاة و السلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد و على اله الطاهرين و صحبه الميامين و جميع عباد الله الصالحين


الحديث عن القادة الرساليين عبر التاريخ ينبع دائما من الدور الكبير الذي قاموا به على صعيد عطاءاتهم وتضحياتهم في تغيير المجتمعات البشرية بإخراجها من عصر الظلمات الى عصر النور، ظلمات الفساد العقائدي واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان الى نور الإيمان والتوحيد ونور العدالة الإجتماعية في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، ومن هؤلاء القادة الرساليين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام الذي جسدت حياته الاسلام بكل مفاهيمه وقيمه العقائدية والتربوية. وخاصة أنه جسد صلوات الله عليه روح العدالة الاجتماعية بكل جوانبها, والكل يعلم أن العدالة الاجتماعية هي أساس بناء المجتمعات كما أن غيابها يشكل سبيلا الى دمارها وخرابها، وما أحوجنا الى عدالته عليه السلام في عصرنا الحاضر, تلك العدالة التي عكست معنى عدالة الاسلام القائمة على أساس المساواة في الحقوق, ليس بين أفراد الرعية فقط بل بين الحاكم و الرعية.

نماذج من عدالة الامام علي عليه السلام :

وتنقل لنا كتب التاريخ و الحديث نماذج كثيرة عن عدالة الامام علي عليه السلام, والتي تستحق أن تكون مدرسة لاستنباط قوانين ونظم في العدالة الاجتماعية, وخاصة أن الإمام وصي النبي و خليفته وهو في كل ما طرحه عن العدالة الاجتماعية يمثل سنة النبي صلوات الله عليه والإسلام, وهذه بعض النماذج عن عدالة الامام علي عليه السلام على النحو التالي :

أولا : كان الإمام ينطلق في ممارسة حكمه من خلال تطبيق القوانين والأحكام الاسلامية، ويبتعد عن الإجتهاد فيها، كما أنه كان يرفض ان يدير سياسة الدولة من خلال أهواءه أو أهواء المقربين منه, وكان الإمام يرفض مبدأ أن الغاية تبرر الوسيلة, ويدعو الى أن يلتزم الحاكم في سيرته و حكمه مع الناس بما أمر الله تعالى به في دينه الاسلام, فيطبق أحكام كتاب الله وسنة نبيه صلوات الله عليه, ويدل على ذلك ما ورد في بداية العهد الذي كتبه الإمام علي للصحابي الجليل مالك الأشتر حينما ولاه على مصر .

ثانيا: إن مفهوم المواطنة الحديثة يقوم على التكافؤ في الدماء وعدم التمييز فيها، والإمام علي ساوى في الاهتمام بين رعايا دولته دون أن يميز بينهم على اختلافهم في اللغة أو الدين أو القومية، ويدل على ذلك أنه لما أرسل معاوية بن أبي سفيان قائده العسكري المعروف بالغامدي، وكان هذا القائد قد أغار على بعض الحواضر الاسلامية، فذبح وقتل من المسيحيين واليهود ونهب الحلي والمال الذي لديهم، فلما وصل نبأ الغارة الى الامام فانه قال عليه السلام: ( لو مات الانسان كمدا وحسرة ما كان عندي ملوما انهم اخواننا دمائهم دمائنا ).

كما أعطى الإمام الحرية الفكرية والسياسية في التعبير عنها لمن خالفه فيهما في دولته بشرط ألا تمس هذه الحرية بالقانون أو بالحريات الأخرى, وهذه الحرية هي أساس في المواطنة, ومن هذه الحرية إذنه للخوارج في التعبير عن مخالفته بشرط عدم المس بأمن الناس وأمن الدولة, ولكن عندما أرادوا أن يفرضوا سياستهم بقوة الإرهاب والقتل و الترويع أقدم الإمام على قتالهم.

ثالثا : إن الامام جعل القداسة في دولته للإنسان بعيدا عن عنصر الدم والأرض واللغة, فكان يجعل للوطن مفهوما واسعا، ومفهوم الوطن لدى الإمام هو البلد الذي يحفظ حياة الناس فيه ويوجد فيه قوانين تقدس الكرامات, ويقدم الخدمات لأي فرد فيه لمجرد كونه إنسان، فان الامام كان يقول : (ليس بلد أحق بك من بلد خير البلدان ما حملك), وكان يقول : (الغنى في الغربة وطن , والفقر في الوطن غربة). نعم إن البلاد التي لا تحفظ مواطنيها ليست لهم بأوطان، فالوطن هو الذي تحفظ فيه كرامة الانسان. إن هذه المفاهيم التي تنادي بها الدول المتطورة كان الامام قد سبقها اليها، فإنه عليه السلام جعل معيار القداسة هو لإنسانية الانسان بعيدا عن قوميته.

الإمام علي (ع) وتطبيق مبدأ المحاسبة من أين لك هذا ؟

رابعا: عمل الإمام علي عليه السلام على المحاسبة من خلال تطبيق مبدأ من أين لك هذا ؟ واعتبر أن غصب أموال الناس والحصول عليها بطرق غير مشروعة جريمة كبرى. وعمل الامام منذ استلامه لقيادة السلطة في الدولة الاسلامية على استعادة الأموال التي نهبها الحكام والولاة من قبله من بيت مال المسلمين. ومن هنا بدأت أزمة أمير المؤمنين عليه السلام فرفض الكثير من الولاة الانقياد لسياسته و اجتمعوا على حربه فعمل عليه السلام على عزلهم .

ووصل الأمر بالإمام عليه السلام أن سعى لاستعادة الاموال المنهوبة حتى ولو تم صرفها في المصالح الخاصة, فإنه قال :(وَاللهِ لَوْ وَجَدْتُهُ – أي المال- قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ النِّسَاءُ، وَمُلِكَ بِهِ الإِمَاءُ، لَرَدَدْتُهُ، فَإنّ في الْعَدْلِ سَعَةً، وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْعَدْلُ، فَالْجَوْرُ عَلِيْهِ أَضْيَقُ)

الإمام علي (ع) ورفض مبدأ الامتيازات لعائلة الحاكم ؟

خامسا: لم يجسد الإمام العدالة الاجتماعية مع الآخرين فقط بل جسدها في نفسه ومع أهله وأقربائه, فانه رفض إعطائهم أي شيء من الامتيازات على حساب حقوق الناس, حتى أصبح الامام مثلا اعلى ونموذجا رائدا للعدالة على الارض، فقد رفض الامام ان يعطي من بيت مال المسلمين لأقربائه على حساب حرمان الآخرين, وهذا ما حصل بينه و بين أخيه عقيل حينما طلب منه مساعدة مالية لا تحق له, فانه صلوات الله عليه أخبر عن ذلك فقال:

( وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلاً وَقَدْ أَمْلَقَ، حَتَّى إِسْتَمَاحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً، وَرَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ الشُّعُورِ، غُبْرَ الأَلْوانِ، مِن فَقْرِهِمْ، كَأَنَّمَا سُوِّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِمِ، وَعَاوَدَنِي مُؤَكِّداً، وَكَرَّرَ عَلَيَّ الْقَوْلَ مُرَدِّداً، فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ سَمْعي، فَظَنَّ أَنِّي أَبِيعُهُ دِينِي، وَأَتَّبِعُ قِيَادَهُ مُفَارِقاً طَرِيقَتِي فَأَحْمَيْتُ لَهُ حَدِيدَةً، ثُمَّ أَدْنَيْتُها منْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا فَضَجَّ ضَجِيجَ ذِي دَنَفٍ مِنْ أَلَمِهَا، وَكَادَ أنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مَيْسَمِهَا، فَقُلْتُ لَهُ: ثَكَلَتْكَ الثَّوَاكِلُ يَا عَقِيلُ! أَتَئِنُّ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِهِ، وَتَجُرُّنِي إلَى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ! أَتَئِنُّ مِنَ الأذَى وَلا أَئِنُّ مِن لَظَىً ) .

الأمام علي (ع) وتحصين الحاكم لثقافة المجتمع من البدع :

سادسا : عمل الامام على الاهتمام بالوضع الثقافي وتحصينه من البدع و الانحرافات العقائدية والأخلاقية, لذا أولى وظائف حاكم الدولة أن يهتم بالتوجيه الثقافي والتربوي والعقائدي السليم للمجتمع.

فان الامام عليه السلام لما استلم الحكم كانت الامة تعيش انحرافات ثقافية فعمل على إصلاحها, لذا قال الامام عليه السلام : (أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ إِمَامٌ عَادِلٌ، هُدِيَ وَهَدَى، فَأَقَامَ سُنَّةً مَعْلُومَةً، وَأَمَاتَ بِدْعَةً مَجْهُولَةً، وَإِنَّ السُّنَنَ لَنَيِّرَةٌ لَهَا أَعْلَامٌ وَإِنَّ الْبِدَعَ لَظَاهِرَةٌ، لَهَا أَعْلَامٌ، وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وَضُلَّ، بِهِ فَأَمَاتَ سُنَّةً مَأْخُوذَةً، وَأَحْيَا بِدْعَةً مَتْرُوكَة) .

الإمام علي (ع) ورفض المبالغة في الإطراء والتعظيم للحكام :

سابعا: ومن الأمور التي عمل الامام عليه السلام على إصلاحها هو أنه حدد للناس طريقة معاملتهم مع الحاكم, فهو مؤتمن على تطبيق القوانين والأحكام,ورفض المبالغة في الإطراء والتعظيم للحاكم, فالناس ليسوا عبيدا لدى الحاكم, قال الامام في هذا السياق : (فلا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ وَلَا تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ وَلَا تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ ) فالحاكم يجب أن يخضع للمحاسبة من قبل المجتمع وأن يطالب بأي تقصير. قال عليه السلام: (وَلَا تَظُنُّوا بِي اسْتِثْقَالًا فِي حَقٍّ قِيلَ لِي وَلَا الْتِمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِي فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوِ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ فَلَا تَكُفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقٍّ أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ) فالحاكم الذي يرفض مطالبة الأمة له بالحفاظ على مبدأ العدل في ممارسته للحكم والسلطة ليس بأهل لأن يترأسها.

وورد في نفس السياق انه أثناء مسير الإمام إلى الشام لقيه زعماء الفلاحين في أنبار العراق، فبالغوا في تعظيمه وإستقباله فرفض الإمام منهم هذه المعاملة التي تفسد قلوب الحكام والرؤساء وتكرس في نفوسهم حب الإستعباد والتعالي, فقال: (وَاللَّهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهَذَا أُمَرَاؤُكُمْ وَإِنَّكُمْ لَتَشُقُّونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ، وَتَشْقَوْنَ بِهِ فِي آخِرَتِكُمْ، وَمَا أَخْسَرَ الْمَشَقَّةَ وَرَاءَهَا الْعِقَابُ، وَأَرْبَحَ الدَّعَةَ مَعَهَا الْأَمَانُ مِنَ النَّارِ), وورد أيضاً أنه أقبل عليه أحد الناس يمشي معه، وهو عليه السلام راكب على جواده، فقال عليه السلام له : (ارْجِعْ، فَإِنَّ مَشْيَ مِثْلِكَ مَعَ مِثْلِي فِتْنَةٌ لِلْوَالِي، وَمَذَلَّةٌ لِلْمُؤْمِنِ).

الإمام علي (ع) وضرورة أن يكون الحاكم قدوة في حياته الخاصة:

ثامنا : أعطى الإمام صورة حضارية عن الحاكم الصالح وخاصة على مستوى حياته الخاصة, لأن الرعية تتأثر بسلوك الحاكم وأخلاقه, فلا بد وان يكون قدوة حسنة في سلوكه لهم, فانه صلوات الله عليه بعث رسالة لبعض ولاته وهو عثمان بن حنيف الأنصاري يعظه فيها فيقول :

(أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ، وَيَسْتَضِي‏ءُ بِنُورِ عِلْمِهِ، أَلَا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ، وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ ) وقال أيضا في نفس الرسالة في الدلالة على زهد الإمام ليكون قدوة للحكام: (فَو اللَّهِ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً وَلَا ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً، وَلَا أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً، وَلَا حُزْتُ مِنْ أَرْضِهَا شِبْراً).

الإمام علي (ع) ورفض مبدأ أن الغاية تبرر الوسيلة :

تاسعا : رفض الامام الوسائل السياسية غير الشرعية في الاصلاح الإداري, فكان يرفض إستمالة الولاة المفسدين إليه من خلال إبقاء هم في مراكزهم, وتركهم ينهبون خيرات البلاد و العباد حتى يضمن ولاءهم ويأمن مكرهم, قال الامام بهذا الصدد : (أَتَأْمُرُونِي أنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ! وَاللهِ لا أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ، وَمَا أَمَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً! لَوْ كَانَ الْمَالَ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُم، فَكَيْفَ وَإنَّما الْمَالُ مَالُ اللهِ).

كان الامام يخاطب الدنيا وقد أتت اليه طائعة, كيف لا وهو حاكم الدولة الاسلامية التي تعم بلاد الحجاز والعراق واليمن ومصر والشام واموال الناس بين يديه, وهو يقول لها : ( يا دنيا غري غيري ) فقد كان يلبس الخشن ويأكل الجشب ولم يخلف في أهله إلا سبعمائة درهم, وكان يفرق الأموال التي تجبى اليه من بلاد المسلمين من العراق واليمن وإيران وغيرها على الفقراء و المحرومين دون أن يطمع فيها، ثم بعد ذلك يأمر بكناسة بيت مال المسلمين حتى لا يبقى فيه شيء للعطاء، وبعد ذلك يصلي ركعتين شكرًا لله تعالى على أن وفقه لحفظ أمانة أموال الناس وأوصلها الى أهلها، حتى يشهد له بيت المال عند الله.

فالإمام علي عليه السلام ارسى قواعد العدالة و التكافل الاجتماعي بين الناس, ورفض منطق الإستعباد والإستبداد في المجتمع, وأراد الامام عليه السلام بناء مجتمع تسود فيه العدالة بين كافة افراده.

لقد شكلت حياة الامام علي بن أبي طالب عليه السلام السياسية في إدارته للحكم مدرسة هادفة تحتاج اليها كل الشعوب لصناعة مجتمع العدالة و المساواة, لكن بقيت هذه المدرسة بعيدة عن إهتمام الأمة العربية و الاسلامية, وهذا سر تراجع هذه الأمة ومصدر حصول النكبات فيها, و الحل الوحيد يكمن بالعودة الى تطبيق قيم العدالة التي نادى بها الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وخاض الامام الحروب من أجلها.

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و اله و صحبه ومن اتبع هديه.















New Page 1