أديب: الخير آتٍ
تاريخ النشر : 28-09-2020
في مرحلة ما بعد اعتذار الرئيس المكلّف مصطفى أديب عن عدم تشكيل الحكومة، لا بدّ من القول: إلى اللقاء… وليس وداعاً. يتولّد هذا الانطباع الشخصيّ من عبارات الأمل التي لا تزال تزيّن عبارات أديب المستقاة من حقل التفاؤل المعجميّ، رغم كلّ المشقّات التي صادفتها تجربته الأولى المندفعة نحو تشكيل حكومة اختصاصيين حقيقيين من أصحاب الكوادر والكفايات… كان لها أن اختُتمت باعتذار بعد بروز العراقيل. المفارقة أن لحظة تلاوة بيان اعتذار الرئيس المكلّف، كان لها أن شكّلت محطة دعم من اللبنانيين الذي شدّوا على يده لتمسّكه بتصوّره الحكوميّ، وكان لهم أن عبّروا عن ترحيبهم بقراره على مواقع التواصل الاجتماعيّ وكأنّهم يتوجّهون اليه بعبارة إلى اللقاء… وليس وداعاً.

ورغم الصورة المقلقة المسيطرة على المشهد اللبنانيّ، إلّا أنّ الانصات إلى أديب يحفّز المتلقّي على التحلي ببعض الايجابية تجاه صورة الغد ويقوده الى الاستنتاج بأنّ حبل نجاة لبنان لم ينقطع. ويقول أديب لـ”النهار” في رسالة يوجّهها الى الشعب اللبناني: “الله يحمي لبنان واللبنانيين وأكيد انشالله الخير آتٍ إلى لبنان. لا بدّ أن نضع أيدينا بأيدي بعضنا البعض في سبيل وصول لبنان الى شطّ الأمان، لأنّ لبنان لنا جميعاً ولا بدّ أن نتعاون جميعاً من أجله”.

الغوص في بيان الاعتذار الذي تلاه الرئيس المكلف، أشار الى أنّ خطوته تأتي بسبب عدم تلبية شروطه بعدم تسييس التشكيل، بعدما تبيّن مع وصول المجهود الى مراحله الأخيرة بأن التوافق لم يعد قائماً. ولفت البيان الى أن مبادرة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون يجب أن تستمرّ لأنّها تعبّر عن نية صادقة من فرنسا تجاه لبنان. التأكيد على ضرورة استمرار المبادرة الفرنسية لفت اليه أيضاً موقف رئيس الجمهورية ميشال عون بعد اعتذار الرئيس المكلف، مع اشارة الرئاسة الأولى الى أن المبادرة مستمرّة وتلقى من رئيس الجمهورية كلّ الدعم وفق الأسس التي أعلنها الرئيس الفرنسي.



يبقى العنوان الأبرز المرسوم على ورقة التساؤلات، حول مرحلة ما بعد الاعتذار ومعالم طريق الدعوة الى استشارات نيابية ملزمة. تفيد المعطيات التي تشير اليها مصادر الرئاسة الأولى عبر “النهار” في هذا الصدد، إلى أنّ البلاد قد تدخل الآن محطة انتظار أي محرّك جديد أو معطى ما يعيد عجلة الملف الحكوميّ، مضيفة أنّ الواقع الحالي يشير الى ترقّب، بعد وضع داخليّ قائم على تمسّك “الثنائي الشيعي” بحقيبة المال ورفض بقيّة المكوّنات تكريسها لفريق. ولا شكّ في أنّ التجربة الحكومية الأخيرة وضعت سقفاً لناحية عدم تكريس أي حقيبة لأي طائفة في وقت ستدفع مطالبة أيّ فريق سياسي بتسمية وزرائه بالأحزاب الأخرى الى تبنّي المطلب نفسه، ما يؤكّد ضرورة التوصّل إلى حلّ جذري لهذه المسائل العالقة وإلّا العودة الى المشكلة نفسها وانسداد الأفق باتجاه تشكيل حكومة. وتذكّر المصادر بأنّ موقف رئيس الجمهورية واضح لجهة رفض فكرة تكريس حقيبة لفريق، وقد حاول الخروج بحلّ من طريق فتح الباب أمام المذاهب الأخرى لتولّي الحقائب السيادية لكنّ طرحه لم يلق آذاناً صاغية. وعن العلاقة التي طبعت مرحلة تكليف أديب، تؤكّد المصادر أن التجربة كانت ممتازة والكيمياء حاضرة. وقد رأى رئيس الجمهورية في الرئيس المكلف مثال التعاون والتجانس وأعجب بشخصه وأسف لاعتذاره. وترى المصادر أنّه لا بدّ في هذه المرحلة من حلّ للمشكلة القائمة أو الدخول في مرحلة الوقت الضائع وصعوبة تشكيل حكومة إذا لم تنجح المساعي في ايجاد حلول لمشكلة حقيبة المال ومسألة تسمية الوزراء والتي كانت سبب اعتذار الرئيس المكلّف.

الخلاصة المؤكّدة حول أسباب التعطيل وانسداد أفق تشكيل حكومة، تعبّر عنها بوضوح أوساط نيابية في تيار “المستقبل” لـ”النهار” في قولها إنّ “الثنائي الشيعي” فوّت على لبنان الفرصة للإنقاذ متضامناً أو إفراديّاً. وبدا واضحاً أن الضغط يأتي من “حزب الله” بسبب توجيهات ايرانية بعدم تسهيل تشكيل الحكومة من أجل أن يبقى البلد في يد المحور الايراني. إنّ تسهيل سلوك المبادرة الفرنسية طريق التنفيذ وقطع الطريق أمام محاولات اجهاضها، ذهب بالرئيس سعد الحريري إلى الموافقة على تولي وزير من الطائفة الشيعية حقيبة المال هذه المرّة من دون أن يعني ذلك تكريس أعراف، بهدف قطع الطريق أمام الذريعة التي تمسّك بها “الثنائي”.

وربما لم تكن هذه المبادرة مربحة شعبيّا بالنسبة الى تيار “المستقبل” وولّدت عتباً لدى الجمهور، تضيف الأوساط، لكنّ الرئيس الحريري كان يدرك أن المبادرة هي المحاولة الأخيرة لعدم تفويت آخر فرصة إنقاذ بعدما أكّد الجميع على فحواها ووافقوا عليها ومن ثمّ تراجعوا بذرائع وأوصلوا الأمور الى الاعتذار، في وقت هناك مخاوف جدية من دخول البلاد في انزلاقات اقتصادية أكبر في ظلّ علامات استفهام مطروحة حول ما إذا كان يمكن البلد أن ينتظر مزيداً من الوقت.

   

اخر الاخبار