هل يمكن الرجوع عن إستقالة الحكومة؟ بقلم د. خضر ياسين
تاريخ النشر : 10-10-2020
تقدم رئيس الحكومة المكلف مصطفى أديب بإعتذاره أمام رئيس الجمهورية عن الإستمرار بعملية تشكيل الحكومة بسبب الواقع السياسي السائد في البلاد، مما أدى إلى ظهور كلام حول امكانية الرجوع عن استقالة حكومة الرئيس حسان دياب.فهل يجوز هذا الأمر وفقآ لأحكام الدستور اللبناني؟ يتضمن الدستور اللبناني الحديث عن مفهومي (قبول إستقالة الحكومة) و(اعتبارها مستقيلة) في المواد التالية: ٥٣، ٥٤، ٦٤، فورد مثلا في المادة (٥٣) أن رئيس الجمهورية يصدر منفردآ المراسيم بقبول إستقالة الحكومة او اعتبارها مستقيلة، وبالتالي هناك تمييز بين المفهومين، غير أن المادة (٦٩) من الدستور أدرجت حالة إستقالة الحكومة ضمن الحالات التي تعتبر فيها مستقيلة، اذا نصت المادة المذكورة على ما يلي: تعتبر الحكومة مستقيلة في الحالات الآتية( اذا استقال رئيسها، بوفاة رئيسها، اذا فقدت اكثر من ثلث عدد اعضائها المحدد في مرسوم تشكيلها، عند بدء ولاية رئيس الجمهورية، عند بدء ولاية مجلس نيابي جديد، عند نزع الثقة منها من قبل المجلس النيابي). وتبعا لذلك عندما يتقدم رئيس الحكومة باستقالة الحكومة يصدر عن رئيس الجمهورية مرسوما بذلك تحت عنوان (اعتبار الحكومة مستقيلة)، ومثال على ذلك المرسوم رقم(٦١٥٥) تاريخ ٢٠٢٠/١/٢١ الصادر تحت عنوان(اعتبار الحكومة التي يرأسها السيد سعد الحريري مستقيلة).إن الأحكام في الأنظمة الديمقراطية تستند الى قواعد الدستور وفي حال افتقار هذه القواعد الى معالجة قضية معينة يتم الرجوع الى الأعراف، لكن من خلال العودة الى الدستور فإنه لا ينص على آلية معينة فيما يتعلق بتقديم الاستقالة، أو بالعودة عن إستقالة الحكومة، أو فيما يتعلق بتريث رئيس الجمهورية لقبول إستقالة الحكومة، غير أن العرف جرى على أساس أن يتقدم رئيس الحكومة بالاستقالة بكتاب خطي أمام رئيس الجمهورية، وهذا ما لاحظناه بشأن تقديم الإستقالة مؤخرآ من قبل الرئيسين حسان دياب ومصطفى أديب. إن التقدم بإستقالة الحكومة هو حق دستوري لرئيس الحكومة فقط، كذلك إن قبول استقالة الحكومة هو حق دستوري لرئيس الجمهورية فقط، وهو ملزم بقبول الاستقالة عندما يقدمها اليه رئيس الحكومة ويكون مصرآ عليها، ورئيس الجمهورية بعد قبوله للإستقالة يعمد الى إصدار بيان تتم تلاوته ويتضمن أمرين، الاول إعلان قبول الإستقالة، والثاني الطلب من الحكومة تصريف الأعمال لحين تعيين حكومة جديدة. مما يستتبع قيام رئيس الجمهورية باستشارات نيابية، يصدر على أثرها بيانآ بحصيلة هذه الاستشارات وبتسمية رئيس حكومة مكلفآ، يقوم بدوره باستشارات نيابية جديدة من أجل تشكيل الحكومة، ولاحقآ تصدر ثلاثة مراسيم في آن معآ تحمل ثلاثة أرقام متتالية ومختلفة، الأول بقبول إستقالة الحكومة، الثاني بتسمية الرئيس المكلف، الثالث بتشكيل الحكومة. هنا تكمن أهمية البيان الصادر عن رئيس الجمهورية بشأن قبول استقالة الحكومة، حيث أن اهمية هذا البيان تتمثل بجعل استقالة الحكومة نهائية ولا رجوع عنها، فرئيس الجمهورية يقبل الاستقالة ويعلن عنها بموجب هذا البيان، ثم يتم لاحقآ تكريس قبول الاستقالة دستوريآ بموجب مرسوم، فلا يصح لرئيس الجمهورية أن يعود ويقرر قبول الرجوع عن الاستقالة، خاصة وأنه جرى من بعد استقالة حكومة الرئيس حسان دياب اجراء استشارات نيابية جديدة وتسمية الرئيس مصطفى اديب لتشكيل حكومة جديدة لم تبصر النور، كذلك تكمن أهمية قبول استقالة الحكومة من قبل رئيس الجمهورية بأنه ينزع عنها صفة الحكومة بالمفهوم الدستوري والمكتملة الصلاحيات، ويحولها الى حكومة تصريف أعمال. في هذا السياق لا بد من العودة الى العام ٢٠١٧، عندما أعلن الرئيس سعد الحريري بتاريخ ٢٠١٧/١١/٤ استقالة الحكومة من الرياض، فاعتبر الرئيس ميشال عون حينها أن هذه الاستقالة غير مكتملة، وتريث بشأنها، لأن الرئيس الحريري قدمها وهو في الخارج كما أنه لم يتقدم بها خطيآ، ولذلك فور عودته الى بيروت زار الرئيس الحريري قصر بعبدا، وطلب منه الرئيس عون التريث بشأن الاستقالة فوافق الرئيس الحريري، واستمرت الحكومة قائمة ودستورية ومكتملة الصلاحيات. صحيح أنه ليس في الدستور أي نص يشير الى أمكانية تقديم الإستقالة ثم العودة عنها، لكن يمكن لرئيس الحكومة أن يعلن عن نيته في الاستقالة ثم يعدل عنها، طالما لما يتم تقديمها أمام رئيس الجمهورية ولم تقترن بقبوله لها بعد، كما حصل مع الرئيس الحريري، بينما يختلف الوضع مع الرئيس حسان دياب الذي تقدم بالاستقالة خطيآ وقبلها رئيس الجمهورية.

   

اخر الاخبار