لماذا لا تتشكل حكومة الحريري؟ بقلم د حيدر شومان
تاريخ النشر : 09-01-2021
ومع تفاقم الأوضاع المعيشية الكارثية التي يعيشها لبنان واللبنانيون لمّا تتمخض الاجتماعات والتشاورات واللقاءات المختلفة عن حكومة تسعى لإيجاد ما أمكن من الحلول المناسبة. ومن يتعمق النظر في العقود الأخيرة من تاريخ الحكومات على صعيد التشكيل والتأليف واختيار الوزراء وطرق المحاصصة والتقاسم الفئوي يدرك جيداً أن مشكلة حكومة الحريري العتيدة ليست في انتقاء أسماء لمذهب من هنا وهناك، وتوزيع الحقائب الوزارية الحساسة لهذا أو ذاك، ولكن القضية تكمن في أبعاد استراتيجية عليا تهزأ من هذه التفاصيل والتكتيكات الصغرى والهامشية. فعندما نعيش أزمات سياسية متكررة كلما استجد انتخاب في الرئاسة الأولى أو الثالثة أو الانتخابات النيابية أو ما شابه، وتطول المحادثات البيزنطية والأخذ والرد ولا تنتهي إلا بأشباه حلول عند التدخلات الخارجية التي تكون غالباً في مسار المصلحة المباشر لأصحاب تلك التدخلات. فالخلافات اللبنانية التي لا تنتهي عند كل مفترق، سياسي وغير سياسي، تؤشر إلى حقيقة قاسية لا بد من الاعتراف بها، ألا وهي عدم الانسجام بين اللبنانيين في تعريف أو فهم عناوين عريضة مثل ماهية الكيان اللبناني وحقيقة وجوده وطرق مواجهته للآتي من الأيام القريبة والبعيدة، بالإضافة إلى طرق الصراع القائم بين الجبهات الكثيرة لديمومة هذا الوجود المهدَّد مع كل يوم جديد.
إن الاختلاف الديني والمذهبي لا يجب أن يشكّل العصي في دواليب القضايا الخلافية المتعددة، فالعالم مليء بمثل هذه الاختلافات التي كان بالمستطاع لجم فتنها وإطفاء حرائقها، بل كان العمل على تطوير هذه الفسيفساء وتجميلها لتكون إضافة فاعلة في بلدانها. أما في لبنان فاستُخدم هذا الاختلاف ليكون مصدراً أساساً للانتماء الفئوي والعصبي واللجوء إلى خارج حدود الوطن لتقوية هذا الانتماء وتضخيم الهوّة بين المختلفين لتتأسس معها هُويات مختلفة وكيانات متنوعة تتصارع فيما بينها في الطروح والأساليب والنتائج بل والمبادئ التي يجب أن يلتقي عليها الناس عادة في مفهوم المواطنة والوطن.
لم يتفق اللبنانيون على مفهوم العروبة وتعددت وجهات نظرها تجاهها بين منضوٍ تحت لوائها ومعادٍ لها متخذاً من الغرب، والأم الحنون خاصة، بوصلة الطاعة له. ولم يتفقوا على ماهية إسرائيل وحقيقة الصراع معها، مع تعامل أكثر من فريق معها لتبريرات يجدها منجعة قوية. وبطبيعة الحال لم يتفقوا على نظرتهم تجاه فلسطين والمقاومة الفلسطينية قبل حرب السنتين الأهلية وخلالها وإلى يومنا هذا. والطامة الكبرى حين لم يتفقوا على المقاومة اللبنانية ضد إسرائيل وتطوّر سيرورتها وانتصاراتها مرات عديدة، كما لم يتفقوا على سلاحها سابقاً وراهناً، ومصير هذا السلاح وتوجهه.
لم يتفق اللبنانيون على أسباب ما يعيشونه اليوم من فقر وحاجة ودمار طال كل مؤسسات الدولة، وتلطّت كل طائفة بزعيمها المسؤول الأول عن مصائبهم وتدهور أحوالهم.
لم يتفق اللبنانيون على هُوية بلدهم وكيانه ونظامه وتحالفاته وأصدقائه وأعدائه. ومع ذلك لا يزالون متشبّثين بالنظام الطائفي حيث لكل مذهب رجالاته الذين لا يحفلون بهموم الناس وشجونهم واحتياجاتهم إلا في دوائر صغيرة ومحدودة. فالطائفية مستعرة بين المختلفين والطوائف تحترق في أتونها.
بعد كل هذه العقود المظلمة ألا زلنا نتشبّث بقواعد سياستنا المهترئة وقوانينها البالية؟ ألم يحن الوقت لعقد اجتماعي جديد يحطّم كل الأوثان الطائفية والمذهبية والعصبية؟ ألم يحن الوقت لاجتراح نظام حر عادل يتساوى الجميع تحت بنوده؟ ألم يحن الوقت لأن يقوم الناس ضد رموز الفساد المتحكّم بالبلاد والعباد منذ ولادة هذا الوطن الصغير؟ أم أن لهذه الرموز هالات عظيمة تعمي البصائر والأبصار، وسيفتش العبيد عند الضرورة عن مظلات سوداء تقيهم من مطر الحرية؟

   

اخر الاخبار