المحاصيل الزراعية ملوّثة بأبشع أنواع الصرف الصحي.. فهل تتحرّك الدولة؟
تاريخ النشر : 08-09-2021
"معزوفة تلوّث نهر الليطاني لا تنتهي. ورغم حجم التحديات الكبيرة التي تفرضها القضية، نظرًا لما فيها من تهديد للثروة المائية وصحة اللبنانيين، تتعامل الدولة مع هذا التحدي بكثير من الاستخفاف، فيما الأموال المخصصة للوزارات لم تصرف بعد لمعالجة الأزمة.

وفي آخر "سيمفونيات" العزف، رصدت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني مزارعين يروون مزروعاتهم من مياه النهر الشديدة التلوث في منطقة البقاع الأوسط في نطاق بلدة بر الياس.

وقد وثّقت فرق المصلحة إقدام كل من هشام عراجي المزروعة أراضيه المستثمرة بالذرة العلفية، وحمود المحمد المزروعة أراضيه المستثمرة بالبطاطا، ومحمد حجية المزروعة أراضيه المستثمرة بالبقدونس على ري هذه الأراضي بالمياه الآسنة.

هذا المشهد الكارثي يلخّصه المدير العام للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني الدكتور سامي علوية بثلاثة عناوين: "بيئة ملوثة"، "مزارع جشع"، و"دولة مجرمة"، ويوضح أنه "منذ العام 2018 تلاحق المصلحة مشكلة تلوث مياه الليطاني"، معتبرًا أن هذه الأزمة تتعلق بإهمال الدولة اللبنانية لقطاع الصرف الصحي الذي يعد موئلًا للفساد والتنفيعات، فالمشاريع المخصصة لرفع التلوث عن نهر الليطاني عبر إنشاء شبكات صرف صحي ومحطات تكرير لم يُنفذ منها سوى 6 إلى 7 بالمئة فقط، على الرغم من توفر مصادر التمويل من جهات محلية ودولية.

يقول علوية لموقع "العهد الإخباري" إن "المسؤول عن هذا الملف هو وزارة الطاقة والمياه، بالإضافة إلى مجلس الإنماء والإعمار.. فأين هما؟ علمًا أن قيمة النفقات التي رصدتها الدولة لحماية نهر الليطاني ورفع التلوث عنه تبلغ ألفًا ومئة مليار ليرة". وعلى الرغم من حجم التمويل ومرور كل هذا الوقت ومناشدات المصلحة، فإن نهر الليطاني اليوم ملوّث بأبشع أنواع الصرف الصحي. وتعود مشكلة تلوث مياه نهر الليطاني في الحوض الأعلى الى استمرار مشكلة تدفق مياه الصرف الصحي الى نهر الليطاني وروافده بشكل غزير يصل سنويًا الى حدود 47 مليون متر مكعب، وفقًا لعلوية، بسبب التعثر غير المفهوم من قبل الجهات المعنية بتطبيق القوانين التي تضمنت سلسلة مشاريع للبنى التحتية للصرف الصحي ومعالجته، والتي أمنت الاعتمادات اللازمة لتنفيذ هذه المشاريع من خلال التمويل المحلي والقروض الخارجية.

وبحسب علوية، فإن مشكلة تلوث نهر الليطاني انعكست سلبًا على القطاعات الحيوية وأبرزها الزراعة، من خلال تلوث التربة ومياه الري، فمصادر مياه الري في البقاع اللبناني هي المياه السطحية والمياه الجوفية، والمياه السطحية هي الأكثر تلوثًا.

ويؤكد علوية لـ"العهد" أن المصلحة راسلت نوابا ووزراء ومحافطي منطقة بعلبك الهرمل والبقاع، لإعلامهم بخطورة الوضع، وضرورة منع ري المزروعات بمياه نهر الليطاني وروافده، وإتلاف المحصول المروي بمياه النهر، لأنها غير صالحة للاستهلاك البشري، غير أن هذه الظاهرة لا تزال موجودة، فهناك بعض المزارعين يقومون بري مزروعاتهم بمياه الصرف الصحي من خلال المياه السطحية، بحجة فقدان المحروقات لضخ الماء من المياه الجوفية، وبحجة ارتفاع تكاليف الضخ.

ويستغرب علوية تشدد الدولة بإعطاء الرخص المتعلقة بآبار المياه الجوفية وسط غياب تطبيق القانون المتعلق بالمياه، وهو الأمر الذي يحول دون حصول المزارع على مياه نظيفة، فيلجأ إلى الري من مياه النهر الملوثة، جراء النقص الحاد في المياه النظيفة.

ووفقًا لعلوية، فإن للمشكلة وجها آخر، فالدولة لا تعير أيّ اهتمام للقطاع الزراعي ما يهدد الأمن الصحي وسلامة الغذاء ويخالف مقتضيات الأمن الغذائي.

ويعتبر أن كل هذ الأزمة سببها بالأساس تواطؤ الدولة المزمن على قتل المورد الأكثر حيوية في لبنان منذ التسعينيات، وتحويل "مشكلة الليطاني" لباب جديد للمحاصصة ولتلزيمات المحظيين، ومن بينهم من ساهموا في تلويث النهر! فالدولة لا تزال تتخذ موقع المتفرج في ما خص تطبيق القوانين، إلى جانب سرقة القروض المخصصة لرفع التلوث عن النهر.

علوية يُبيّن أن المصلحة معنية باستثمار نهر الليطاني بالريّ وتوليد الطاقة، ومعنية بـ "الحوكمة"، عبر إبلاغ الأجهزة الأمنية وملاحقة التعديات، وهذا ما تمّ رصده أمس في محافظة البقاع الأوسط، آسفًا لأننا على الرغم من مواجهة كل التعديات لا نستطيع مواجهة التعدي الأهم وهو تقاعس الدولة اللبنانية عن حل أزمة مياه الصرف الصحي، فيما يبدو واضحًا غياب الأولويات في تنفيذ بنود خطة رفع التلوث، والأسوأ فوز بعض من ساهموا في تلويث النهر بمناقصات لتنفيذ رفع التلوث!

موقع العهد

   

اخر الاخبار