العقود الجديدة بالدولار: الاستشفاء بلا تأمين أقل كلفة معه
تاريخ النشر : 26-10-2021
"لم تعد تغطية التأمين الصحي في لبنان تسد حاجة مريض أو تحمي متضرر، أقله في المرحلة الراهنة، قبل أن تتحول برمتها إلى خدمة حصرية للأغنياء والميسورين. فالعقود التأمينية السارية حالياً باتت بمعظمها عقوداً شكلية تعجز عن حماية المؤمّنين، إن لجهة ممتلكاتهم أو صحياً.
وقد رُمي فارق التكاليف الاستشفائية الذي أحدثه ارتفاع سعر صرف الدولار، من 1500 ليرة إلى أكثر من 20 ألف ليرة، على كاهل أصحاب البوالص التأمينية، فلا شركات التأمين مستعدة لتحمّل فارق سعر صرف الدولار ولا المستشفيات مستعدة للتعامل مع الأزمة من منطلق غير تجاري. وحدهم أصحاب البوالص التأمينية يتحملون عبء استحصالهم على الخدمة الاستشفائية من جيوبهم الخاصة، في وقت لا تتحمل فيه البوالص التأمينية أكثر من 25 في المئة من فواتيرهم.

واقع التأمين اليوم
"الطبابة من دون تأمين أقل تكلفة منها مع تأمين" هذه خلاصة واقع التأمين اليوم. هذه النتيجة لم تصدر عن زبون لدى إحدى شركات التأمين، بل عن مسؤول رفيع في إحدى الجهات الضامنة. ففارق تكلفة الخدمة الاستشفائية في حال كان المريض مغطى فقط من إحدى المؤسسات الضامنة، يقل كثيراً عن الفارق في الحالة المرضية نفسها في حال كان المريض مغطى من شركة تأمين خاصة، خصوصاً في حال كان العلاج درجة أولى، على ما يؤكد المصدر المسؤول في حديثه إلى "المدن". ففارق الفاتورة الاستشفائية لعملية الولادة على سبيل المثال، تبلغ 4 ملايين ليرة في حال تغطيتها من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. أما في حال التغطية من إحدى شركات التأمين فيبلغ الفارق حينها 7 ملايين ليرة، ويعود السبب بذلك إلى أن تعرفة الاستشفاء على التأمين أعلى منها على المؤسسات الضامنة.

من هنا يلجأ العديد من المرضى حالياً الى إخفاء مسألة التعاقد مع شركات التأمين، عند دخولهم المستشفى، ويكشف المصدر عن حالات كثيرة فضحت تواطؤاً بين المريض وشركة التأمين، يقضي بدخول المريض إلى المستشفى بتغطية من الضمان فقط، من دون إبرازه بطاقة التأمين، وبالتالي، يكون تسديد فارق الفاتورة 10 في المئة وفق تعرفة الضمان الاجتماعي، ليعود ويتقاضاها من شركة التأمين خارج المستشفى. بهذه الحالة تكون شركة التأمين قد وفرت المال وقلصت قيمة فاتورتها عن المريض، بالمقارنة مع ما كانت ستتكلفه للمستشفى، في حين أن المريض أيضاً وفّر ما كان يمكن أن يتكبده للمستشفى من فارق بالفاتورة ناتج عن سعر صرف الدولار. هذه الحيلة نجحت مع كُثر على ما يقول المصدر، لكن في حالات عديدة كانت المستشفيات تضبط التواطؤ بين الطرفين وتُلزمهما بسداد فارق الفاتورة.

هذا الواقع من التجاذب والتحايل إنما يكشف عمق الأزمة الاستشفائية والفوضى الحاصلة في القطاع، يقول المصدر، فالمريض يتكلف فروقات ضخمة. وهناك شركات تأمين تتهرب من التغطية كلياً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بفارق درجة بين التأمين والضمان الاجتماعي. وبهذه الحالة، يلجأ المريض وتحديداً مريض السرطان لمتابعة علاجه على عاتق الضمان فقط، من دون الاستفادة من التأمين، وذلك للتخفيف من عبء فارق الفاتورة.

حِيل لا تنتهي
تتفوق شركات التأمين على نفسها بابتكار حيل لاستغلال المرضى. وقد نجحت بفرض واقع جديد اليوم يقضي بتعامل كل شركة مع مؤمّنيها بما يتناسب وقدرتها أو ربما إرادتها، فهناك شركات -وإن كانت قلة- تغطي المؤمّنين بنسبة 100/100، وأخرى تغطي على سعر صرف 3900 ليرة للدولار، في حين تصر أخرى على التغطية وفق سعر الصرف الرسمي 1500 ليرة، تاركة للمريض مسؤولية مواجهة مصيره مع المستشفيات.

ويختصر خبير التأمين حسام شري واقع التأمين في حديثه إلى "المدن" بالقول "الناس اليوم غير مؤمنة بشكل أو بآخر"، فلكل شركة تأمين تسعيرة مختلفة عن الأخرى وأسلوب تغطية مختلف تماماً.

فيما خص التأمين الالزامي، كانت شركات التأمين تتقاضى التعرفة الرسمية في محيط 65 ألف ليرة، وتقوم بالتغطية على سعر الصرف الرسمي 1500 ليرة. وبالنظر إلى بلوغ سعر صرف الدولار 20000 ليرة، تصبح التغطية الصحية غير موجودة، إلا أن بعض الشركات رفعت رسم التأمين الإلزامي واعتمدت التغطية الكاملة مثل شركة Arope التي رفعت تعرفة التأمين الالزامي إلى 130 ألف ليرة، لكنها لا تكلف اليوم المؤمن أي فروقات، بخلاف شركات أخرى. وهناك شركات رفعت تعرفة التأمين الإلزامي لديها إلى 100 ألف ليرة، لكنها تغطي الفاتورة الاستشفائية على سعر صرف 3900 ليرة، ومنها شركتي Fidelity وVictoire. في المقابل، استمرت العديد من الشركات باعتماد تعرفة التأمين الإلزامي الرسمية أي 65 ألف ليرة، من دون تغطية فواتير المستشفيات، إلا وفق سعر الصرف الرسمي 1500 ليرة، وتكليف المتضررين باقي الفاتورة.

فوضى في التغطية والتسعير
بالنسبة لحوادث السيارات، فبعض الشركات لا تزال تسدد مستحقات المؤمّن، على سعر الصرف الرسمي 1500 ليرة للدولار. والبعض الآخر يسدد على سعر الـ3900 ليرة للدولار. وفي حال كان الحادث كبيراً، وفي حال السرقة وحال الاحتراق، تسدد الشركات بموجب شيكات بالدولار المصرفي (أي لولار) حصراً، حتى لو لم يكن لصاحب البوليصة حساب مصرفي. وهذا أمر يدفع بالمؤمّنين إلى خسارة ما يزيد عن 85 في المئة من قيمة التعويضات التأمينية.

لجهة الاستشفاء العادي، فكل شركة لديها نظامها بالدفع، في حين أن كافة الشركات تشترك بمسألة التوقف عن التغطية الإستشفائية الـOut أي الفحوصات الطبية وغيرها خارج المستشفى. أما التغطية الإستشفائية in (داخل المستشفى طوارئ واستشفاء) فهناك شركات تغطي على 3900 ليرة للدولار، في حين تحدد بعض الشركات سقوفاً متدنية جداً للتغطية تصل الى 100 ألف دولار أي 150 مليون ليرة بحسب العقود. وهذا يعني أن دخول المؤمن مرة واحدة الى المستشفى قد يستنزف كافة رصيد بوليصة التأمين. في المقابل، هناك شركات تضع سقوفاً عالية أو غير محدودة.

باختصار تختلف طريقة التعاطي مع مسألة التأمين بين الشركات وتختلف لدى الشركة الواحدة بين حالة وأخرى، ومرد ذلك إلى غياب أي رقابة أو رعاية لملف التأمين الصحي للمواطنين، لا سيما في حالات تهرب الشركات عن التغطية، كحالة استشفائية. وعلى سبيل المثال في مستشفى الجامعة الاميركية حيث تهرّبت شركة ميديكال اكسبرس عن تغطية أي تكاليف طبية او استشفائية، باستثناء إيجار الغرفة اليومي. علماً أن الشركة المذكورة تغطي على سعر صرف 3900 ليرة وليس بالدولار.

العقود التأمينية الجديدة
لم ينكر رئيس جمعية شركات الضمان ACAL إيلي نسناس حال الفوضى في قطاع التأمين واختلاف تسعيرة التغطيات بين شركة وأخرى. فالمستشفيات تتمسك بطلب الحصول على الفاتورة الاستشفائية بالدولار. لذلك، تتم التغطية الصحية مع فرض فروقات مالية على المريض، لاسيما حين تدخل المستلزمات الطبية في الأمر. فالأزمة ترتبط بالمستلزمات بشكل أساسي.

ويؤكد نسناس في حديثه إلى "المدن" أن أي عقد تأمين جديد سيتم إبرامه من الآن وصاعداً بالدولار الفريش. والسبب يعود إلى كون المستشفيات تتقاضى فواتيرها بناء على سعر صرف الدولار الحقيقي أي الدولار الفريش. كما أن التكلفة بالدولار ستكون أدنى من العقود السابقة بنحو يتراوح بين 25 و30 أو 35 في المئة، على ما يقول نسناس.

وإذ يؤكد أن شركات التأمين تطرح اليوم العديد من المنتجات التأمينية المتلائمة مع معظم الموازنات، لكن جميعها بالدولار النقدي حصراً، يلفت إلى أن نسبة العقود ستتراجع قطعاً، ولا بد لوزارة الصحة من تسعير المستلزمات الطبية على غرار الأدوية، بهدف توحيد الأسعار والتكلفة.

المدن

   

اخر الاخبار