خامس انتخابات اسرائيلية مبكرة.. لا اسقرار سياسيا!ً .. بقلم د. مهدي عقيل
المصدر : 180post تاريخ النشر : 30-06-2022
شهدت إسرائيل، في غضون ثلاث سنوات، أربع انتخابات تشريعية مبكرة، وها هي على موعد مع جولة خامسة في 25 تشرين الأول/أكتوبر المقبل، بعد أن تقرر حلّ الكنيست يوم الإثنين الفائت.

حسم رئيس الإئتلاف الحكومي نفتالي بينت (زعيم حزب يمينا) السباق مع المعارضة التي يتزعمها رئيس الحكومة السابق بنيامين نتنياهو، فقرر وحليفه وزير الخارجية يائير لبيد، زعيم حزب “هناك مستقبل”، حلّ الكنيست، ليقطعا بذلك الطريق على نتنياهو الذي كان بصدد الإستعداد للعودة بعد أن يبادر إلى طرح الثقة بالحكومة وإسقاطها في الكنيست.

قرار الحل جاء غداة تصدعات أصابت الحكومة بعد أن خسرت الأكثرية إثر قرار عضو الكنيست غيداء ريناوي زعبي من حزب “ميرتس” اليساري، حجب دعمها للحكومة، وقبلها كانت قد سحبت عيديت سيلمان من حزب “يمينا” دعمها للحكومة أيضاً، وباتت بذلك حكومة أقليّة مدعومة من  59 عضواً في الكنيست من أصل 120.

عمل نتنياهو بجهد لإسقاط الحكومة في الكنيست والحيلولة دون فرط عقد الأخير حتى يتسنى له تشكيل حكومة يمينية برئاسته إذا ما نجح في ضم عضو الكنيست المتمرد من حزب “يمينا” نير أورباخ إلى صفوفه، فيكون زعيم المعارضة قادراً بذلك على إستحواذ 61 صوتاً تكفيه لتحقيق فرصة تشكيل ائتلاف حكومي بديل وتجنب انتخابات مبكرة، حسب تحليل كاري كلير لين في “تايمز أوف إسرائيل”. هذه النقطة أشار إليها شالوم يروشلمي في الموقع نفسه بقوله إن نجاح نتنياهو بتشكيل حكومة داخل الكنيست الحالي كان يمثل “خطة مثالية بالنسبة إليه، لكنه سرعان ما أدرك أن ذلك غير ممكن مع وزير العدل جدعون ساعر أو أي شخص آخر في الائتلاف الحالي”.

ومع إكتمال إجراءات حل الكنيست، بدأ الجميع يعدّ العدة للانتخابات التي يرى فيها نتنياهو فرصته الأخيرة للعودة إلى الحكومة التي شغل رئاستها 12 عاماً، وتصفية معركته مع القضاء الذي أرّق حياته الشخصية والسياسية طيلة العقد الماضي بتهم الرشوة والفساد.

والمفارقة أنه كان بمقدور حكومة بينت الأقصر في تاريخ الكيان (سنة واحدة)، من خلال ما كانت تمثل من أكثرية هشة في الكنيست، سن مشروع قانون يمنع متهماً بمخالفات جنائية من تشكيل حكومة، وبالتالي قطع الطريق على نتنياهو بصورة نهائية، لكنها لم تفعل ذلك.

سقطت حكومة بينت ولبيد، التي كان الاتفاق يقضي بتناوبهما على رئاستها، بمعدل سنتين لكل منهما، ولكن بما أن الكنيست قد حُلّ، وثمة حكومة انتقالية، وفى بينت بوعده وتنازل عن رئاسة الحكومة لمصلحة لبيد إلى حين إجراء الانتخابات بعد أربعة أشهر، بخلاف نتنياهو الذي نكث بعهده مع بيني غانتس (زعيم حزب أزرق أبيض) وحرمه من تذوق طعم رئاسة حكومة ولو انتقالية!

سقطت أولى حكومات الكيان التي ضمت إلى صفوفها أحزاب الأقلية العربية، التي راهنت على التغيير من الداخل والعمل على تحسين أوضاع الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية. إذ يُعزى الفضل لهؤلاء في عدم التصويت لمصلحة التجديد لقانون أنظمة الطوارئ الإسرائيلي، الذي اعتاد الكنيست على أن يجدده كل خمس سنوات، وكان ذلك المسمار الأول الذي دُق في نعش الإئتلاف.

سقطت الحكومة التي ضمت فسيفساء من التحالفات من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، حيث تشكلت من خليط غير متجانس. فهناك أحزاب يمينية، وهي: “يمينا” و”إسرائيل بيتنا” و”أمل جديد”؛ ووسطية هي “أزرق أبيض” و”هناك مستقبل” و”العمل”؛ وحزب يساري هو “ميرتس”؛ والقائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس.

واليوم، وبعد أن قضي الأمر، كل الأفرقاء السياسيين يبحثون عن ضالتهم في كتلة ناخبي يمين الوسط لتحدث فرقاً في ما بينهم، في ضوء إنشداد اليمين واليسار المتطرف نحو الكتل الحزبية الواضحة. وهذا ما يشكل فرصة أمام بينت ولبيد، بدليل إستطلاعات الرأي التي أعطتهما تقدماً محدوداً بالنقاط على الليكود، في ضوء قرار الذهاب نحو إنتخابات جديدة مبكرة!

ويقول المحلل في صحيفة “هآرتس” ألوف بن إن المعركة المقبلة سوف تكون بين لبيد ونتنياهو إذا ما قرر بينت اعتزال العمل السياسي مؤقتاً، و”ستكون معركة ملاكمة دامية، مثلما يحب لبيد، وسيحاول نتنياهو هزيمته بالضربة القاضية – الأمر الذي لم ينجح في فعله منذ فوزه على إسحق هرتسوغ عام 2015.. ولن تحسم النتائج إلا الأصوات العائمة: نسب التصويت في المجتمع العربي وفي الضواحي اليهودية، وانتخاب الذين تركوا الليكود، والذين صوّتوا لبينت وجدعون ساعر في الجولة السابقة، وسيكونون منذ اللحظة هدفاً لمغازلات نتنياهو المصيرية”، علماً أنه ثمة من يُردد أن لا ضير بأن تجري مقايضة نتنياهو بالتوقف عن محاكمته واسقاط كل الملاحقات بحقه مقابل اعتزاله العمل السياسي.

وتقول ليمور لفنات (وزيرة سابقة ومنشقة عن حزب “الليكود”) إنه من الممكن “أن نكون في الانتخابات المقبلة أمام حكومة برئاسة نتنياهو، وفيها اثنان من الوزراء الرفيعين جداً سيكون استقرار الحكومة معلقاً بهما: إيتمار بن غفير، تلميذ كهانا الملتزم، الذي لم يخدم نهائياً في الجيش، والذي قال عنه الحاخام الرئيسي بتسحاق يوسف إنه “يؤجج الأجواء ويخالف كل تعاليم كبار إسرائيل”، وبتسلئيل سموترتش، بطل العنصرية، الذي لم يكلف نفسه القيام بالخدمة العسكرية الكاملة، بل خدم خدمة محدودة كموظف بعد أن أنهى شهادته الجامعية في الحقوق”.

 ويرى تسفي برئيل في “هآرتس” أن لبيد عرف كيف يتعامل مع المتدينين (ولم يتقرب كثيراً من الحريديم)، كما رقص مع “اليسار المتطرف”، ولديه خبرة كافية وقدرة على بناء كتلة سياسية صلبة من الأشلاء.. وهو قادر الآن ومرغم على البدء بعملية صهر بين الأحزاب. صَهرٌ حزبيٌ يستند إلى الفرضية القائلة إن الناخبين يفضلون المعسكرات الكبيرة “البلوكات” أكثر من فتات الأحزاب. بهذا المسار بالذات على لبيد أن يتحرك ليستطيع منح الناخب بديلاً واقعياً يفخر بكبره ويقنع باحتمالات نجاحه”.

بالمجمل، ترى الصحافة الإسرائيلية أن الانتخابات المقبلة ما هي إلا تعبير عن أزمة هوية تزداد ترسخاً في المجتمع الإسرائيلي الذي يزداد تطرفاً، وليست الإنتخابات المبكرة، بنسختها الخامسة، إلا أحد أبرز تعبيراتها.

   

اخر الاخبار