الخميس 23 أيار 2024 الموافق 15 ذو القعدة 1445
آخر الأخبار

شبهة ...حب .... بقلم الاستاذة هيام فرج

ياصور
كانت تتنقل بين الطاولات , تسير مع أنغام الموسيقى وأصوات المرتادين وهمساتهم , تسكب في فناجينهم قهوة ساخنة , وتسكب على وجهها إبتسامة مشرقة , وعلى شفتيها أجمل صباح . وبين طاولة وطاولة تلتقط بعضا من أحاديث رواد المقهى وحكاياهم ونكتهم , وبعضا من أخبار البلد المنتشرة بين بعض الأيادي في الجرائد الموزعة على المناضد .

تكاد الوجوه أن تكون نفسها كل يوم , وهي أصبحت تعرف رواد المقهى جيدا" , ترتب أحاديثهم اليومية وتصل حكايا اليوم بحكايا الأمس فإذا بها على معرفة تامة بمجريات حياتهم والكثير من ذكرياتهم . أما رائحة القهوة فتنتشر في المكان تنقل معها الأخبار من منضدة الى أخرى , والصباح معبق برائحة الحب والحنين على وقع أغاني فيروز .

عندما دخل الى المقهى في المرة الاولى كان غريبا" تماما" ,لا يشبه هؤلاء الرواد وما لبث أن أصبح يتردد يوميا" على " مقهى عايدة " وأصبح خلال شهر واحد من رواده الدائمين , رغم إختلافه عنهم . فهم بغالبيتهم متقاعدون ,عاديون , بسطاء, تروق لهم جلساتهم وأحاديثهم معا . أما هو فكان وسيما" بشكل لافت ,هدوءه يضج بالمكان, يختارالطاولة ذاتها في كل مرة , هناك في الركن البعيد قرب النافذة المطلة على البحر , يطلب قهوته بهدوء , يبتسم لها عندما تسكبها في فنجانه .
هو الوحيد الذي لم يكن معه رفيقا" يشاركه حديثا" مرا" أو حكاية حلوة " . ترى من يكون ؟ كان غريبا" تماما " لم تكلمه ولم يكلمها , لكنه تعود أن يترك لها كل يوم رسالة صغيرة لا تتجاوز كلماتها أصابع اليد الواحدة , على ورقة بيضاء يكتبها أثناء إرتشافه لقهوته , يضعها تحت فنجانه قبل أن ينصرف .
وجدته يبوح لها بكل شيء , دون أن تسأله شيئا" . حكى لها عن عمله , عن أهله ,عن طفولته ,وأصدقائه ونظرته للحياة والأدب والشعر ورأيه بالبلد والسياسة . حكى لها كل شيء , في رسائل صغيرة تحت فنجان القهوة , الى أن أصبحت في شوق للوداع بعد كل شوق للقاء , تريد أن تعرف ماذا تخبىء لها رسالة اليوم من أخبار في نسق أدبي وبقلم رفيع وإحساس مرهف.
كانت تراقب أدنى حركاته , ينظر الى فنجانه مطولا وكأنه بئر أسراره ثم يرفعه الى شفتيه يرتشفه على مهل , وبين رشفة ورشفة ينفخ لفافته فتتطايرغيمة من دخان فوق رأسه كأنها ترسم فوضى من أسئلة , وهو ينظر من نافذة المقهى الى بحركانون الهائج المتناغم مع نظراته التائهة .
في ذلك اليوم أرادت أن تبدل الأدوار, قررت أن تضع له رسالة تحت فنجان القهوة , لكنها ترددت وكأن شيئا ما منعها, وبقيت رسالتها في يدها . شرب قهوته على عجل , على غير عادته . لم يمسك بقلمه ليخط لها رسالة ككل يوم . أخذ آخر رشفة من فنجانه ورن هاتفه , سمعته يقول : نعم حبيبتي , توقفت لتناول فنجان قهوة , وأنا متوجه الآن الى المطار اشتقت اليكِ , أراكِ عندما أصل .
وقفت مصدومة , مرتجفة , مر من أمامها مستعجلاً دون أن يراها .
دخلت السيدة عايدة بعد إنقطاع ٍ طويلٍ الى المقهى , كادت أن ترتطم به , وصرخت بحماس وهو يخرج من الباب الأمامي : - يا الهي , الكاتب العظيم كان في مقهانا ؟
كوّرت الورقة في يدها , رسمت ابتسامة مشرقة على وجهها وفي عينيها الواسعتين سحابتين تحملان أمطار كانون محبوسةً تشتاق هطولاً غزيراً. حملت ابريق القهوة , وأخذت تتنقل بين المناضد تسكب القهوة في الفناجين الفارغة ورائحة البن تضج في المكان. تسللت نسمة باردة مع دخول أحدهم من الباب الواسع لتلفح وجهها , وكأنها تنبهت لحقيقة غابت عنها - يبدو أنها قضت وقتا" طويلا" حبيسة هذا المقهى . خلعت مئزرها , وركضت بخطوات سريعة نحو الخارج , هاربة" من رائحة القهوة الى ...عبق الحياة .
تم نسخ الرابط