غزة..”بنت الاجيال” تاريخ من الكفاح
تاريخ النشر : 02-11-2023
“من أقدم المدن التي عرفها التاريخ. إنها ليست بنت قرن من القرون، أو وليدة عصر من العصور، وإنما هي بنت الأجيال المنصرمة كلها، ورفيقة العصور الفائتة كلها، من اليوم الذي سطر التاريخ فيه صحائفه الأولى إلى يومنا هذا”.

بهذه الكلمات، تحدث المؤرخ الفلسطيني المقدسيّ عارف العارف، عن مدينة غزة، في كتاب صدر عام 1943، جمع فيه خلاصة ما ورد عن هذه المدينة الساحلية في المؤلفات العربية والإنجليزية والفرنسية والتركية.

تحتل مدينة غزة مكانة مهمة في فلسطين بسبب موقعها الاستراتيجي وأهميتها الاقتصادية والعمرانية، هي واحدة من أبرز المدن الفلسطينية التي تتمتع بمكانة استثنائية في التاريخ والحضارة، وتُعدّ نقطة اجتماع حضاري بين الشرق والغرب، حيث تمتزج فيها عناصر الثقافات المتعددة والتأثيرات الإقليمية، مما يجعلها مدينة متنوعة وغنية بالتراث والتاريخ.

أين تقع غزة؟

غزة هي مدينة ساحلية في فلسطين، وهي أكبر مدينة في قطاع غزة وتقع في الشمال، وتقع على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وتبعد نحو 78 كيلومتراً إلى الجنوب الغربي من مدينة القدس.

تُعدّ المدينة مركز محافظة غزة وأكبر مدينة في السلطة الفلسطينية من حيث عدد السكان. وفي عام 2023، بلغ عدد سكان محافظة غزة نحو 641.936 ألف نسمة، مما يجعلها أكبر تجمع للفلسطينيين في فلسطين، وتقدَّر مساحتها بنحو 56 كيلومتراً مربعاً، مما يجعلها واحدة من أكثر المدن اكتظاظاً بالسكان في العالم.

تحتل مكانة مهمة في فلسطين بسبب موقعها الاستراتيجي وأهميتها الاقتصادية والعمرانية، كما أنها المقر المؤقت للسلطة الوطنية الفلسطينية، وتضم الكثير من مقراتها ووزارتها.

تعد مدينة غزة إحدى أقدم المدن في العالم، واكتسبت شهرة كبيرة بفضل موقعها الجغرافي الحيوي، حيث تقع على تقاطع قارتَي آسيا وإفريقيا. هذا الموقع المميز منحها أهمية استراتيجية وعسكرية كبيرة، حيث كانت تُعدّ الحاجز الأول للدفاع عن فلسطين المحتلة.

بفضل موقعها المتقدم، لعبت غزة دوراً كبيراً في حماية الأمن المصري في شمال شرق البلاد، وكانت ميداناً للصراعات العسكرية بين الإمبراطوريات القديمة والحديثة، بما في ذلك الإمبراطوريات الفرعونية والآشورية والفارسية واليونانية والرومانية والصليبية.
بالإضافة إلى ذلك، يعزز موقع غزة المميز أهميتها؛ كونها تقع على خط التقسيم المناخي، حيث تجمع بين مناخ الصحراء جنوباً ومناخ البحر الأبيض المتوسط شمالاً، وبفضل هذا الموقع، أصبحت مركزاً تجارياً مهماً تُتبادل فيه المنتجات العالمية.

كما تقع مدينة غزة على تلة صغيرة ترتفع نحو 45 متراً فوق سطح البحر، وتبعد نحو ثلاثة كيلومترات عنه، وكانت المدينة القديمة تشمل مساحة تقدر بنحو كيلومتر مربع. وكانت محاطة بجدران كبيرة تحتوي على أبواب متعددة من كل اتجاه، أهم هذه الأبواب كانت باب البحر (أو باب ميماس) نحو الغرب، وباب عسقلان نحو الشمال، وباب الخليل نحو الشرق، وأخيراً باب الدورب (أو باب دير الروم) نحو الجنوب، تغيرت هذه الأسماء مع مرور الزمن واختلاف الإمبراطوريات، وكانت هذه الأبواب تُغلق عادةً مع غروب الشمس، مما جعلها قوية ومحصنة ضد الأعداء.

من بنى غزة؟

يقول عالم الآثار الإنجليزي السير فلندرس بتري إن غزة القديمة أنشئت قبل الميلاد بثلاثة آلاف عام، فوق التل المعروف بـ “تل العجول”، وإن سكانها تركوها بسبب الملاريا التي اجتاحتها في ذلك الوقت.

وعلى بعد ثلاثة أميال، حط سكانها رحالهم و أنشأوا غزة الجديدة الموجودة في موقعها الحالي. ويقال إن ذلك حدث في عهد الهكسوس الذين سيطروا على هذه المنطقة قبل ألفي عام من ميلاد المسيح.

وهناك من ينفي هذه الرواية ويقول إن غزة ما زالت حتى اليوم في موقعها القديم، وإن “تل العجول” كانت ميناء غزة التجاري. وهناك من قال إن غزة القديمة خربت على يد الإسكندر الأكبر، وإن غزة الحديثة ليست ببعيدة عنها كما قال السير بتري.

ويقول “العارف” في كتابه إن “المعينيين” الذين يقال إنهم أقدم شعب عربي حمل لواء الحضارة في الألفية الأولى قبل الميلاد، هم أقدم من ارتاد مدينة “غزة”، وأسسوها كمركز يحملون إليه بضائعهم.

وتنبع أهمية “غزة” لدى العرب من كونها تربط بين مصر والهند، فكانت الطريق التجاري الأفضل لهم مقارنة بالملاحة في البحر الأحمر، ومن هنا تأسست مدينة غزة واكتسبت شهرتها التاريخية.

وكانت التجارة تبدأ من جنوب بلاد العرب في اليمن، التي يجتمع فيها تجارة البلاد وتجارة الهند، ثم تسير شمالاً إلى مكة ويثرب “المدينة المنورة حالياً” والبتراء، قبل أن تتفرع إلى فرعين؛ أحدهما في غزة على البحر المتوسط، وثانيهما في طريق الصحراء إلى تيماء ودمشق وتدمر.

ومن هنا استنتج مؤرخون أن مملكة معين وسبأ أولى الممالك العربية التي أسست مدينة غزة. كما كان “العويون” و “العناقيون” الذين يقال إنهم الفلسطينيون القدماء، وجاء ذكرهم في أسفار العهد القديم، هم أول من استوطن غزة، بحسب “العارف”.

كما استوطنها “الديانيون” أحفاد النبي إبراهيم، و”الآدوميون” وهي قبائل بدوية كانت تقطن جنوب الأردن، و”العموريون” و”الكنعانيون” الذين اختُلف في أصلهم.

سبب تسمية غزة

لم يُثبت بدقة سبب تسميتها بهذا الاسم، لأن الأمم التي مرت بها قد غيّرت اسمها عدة مرات، فكانت تُعرف بـ”هزاتي” لدى الكنعانيين، و”غزاتو” لدى الفراعنة، و”عزاتي” و”فازا” لدى الآشوريين واليونانيين، و”عزة” لدى العبرانيين، و”غادرز” لدى الصليبيين، أما الإنجليز فيطلقون عليها اسم “غزة” وبالإنجليزية (Gaza).

هناك اختلاف في تفسير سبب تسميتها “غزة”؛ فبعض المؤرخين يعتقدون أنها اشتُقت من كلمة “المَنَعَة” و”القوة”، وآخرون يرون أنها تعني “الثروة” أو “المميزة” بصفاتها الخاصة، إلا أن ياقوت الحموي ذكر في معجمه أنها تعني “أن يُميَّز شخصٌ ما بشيء خاص من بين أصحابه”.

أما بالنسبة إلى العرب، كانت غزة مكاناً مهماً للغاية، حيث كان تجارهم يزورون المدينة في رحلاتهم التجارية والسفر، وكانت مركزاً للكثير من الطرق التجارية، وكانت أيضاً الهدف في إحدى الرحلات الشهيرة التي ذُكرت في القرآن الكريم في سورة “قريش”، حيث كان القرشيون يذهبون إلى اليمن في الشتاء وإلى غزة ومناطق الشام في الصيف، وفي إحدى رحلات الصيف هذه، توفي هاشم بن عبد مناف، جد النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ودُفِن في غزة في جامع السيد هاشم في حي الدرج.

المصدر: موقع المنار+ trt

   

اخر الاخبار