غَنَّيْتُ لُبْنانَ
غَنَّيْتُ لُبْنَانَ وَالجَمْرَ الَّذِي اتَّقَدا
فِيهِ الهُمُومُ تُذِيبُ القَلْبَ وَالكَبِدا
غَنَّيْتُ لُبْنَانَ مَجْداً لا انْطِفَاءَ لَهُ
قَدْ صَاغَهُ اللَّهُ خُلْداً شَامِخاً أَبَدا
غَنَّيْتُهُ وَرِيحُ الهَمِّ تَعْصِفُهُ
كُلَّمَا ضاقتْ يَدٌ مُدَّتْ لَهُ يَدا
بَكَيْتُهُ وَالجُفُونُ الْحُمْرُ شَاهِدَةٌ
مَا خَانَ عَهْداً ، وَلَكِنْ خَانَ من رَقَدا
عَانَيْتُ لُبْنَانَ شَوْقاً لا يُفَارِقُنِي
فَيَزْدَهِ العِشْقُ وَجْداً فَوْقَ ما وَجَدَا
أَلْمِلِمُ الْجَمْرَاتِ حَصْبَاءً فَتُحْرِقُنِي
وَأَصْنَعُ مِنْ جِرَاحِي الْعِطْرَ وَالْغِيدا
وَقَدِ ادَّخَرْتُ لَهُ قَلْبِي عِنْدَ كَرْبَتِهِ
كُلَّمَا سَهِدَ الْجَفْنُ رَأَيْتُهُ سَهِدَا
تَفَرَّدَ اللَّهُ فِي لُبْنَانَ يُبْدِعُهُ
كَالفَجْرِ يَزْهُو فِي الْآفَاقِ مُتَّقِدا
كَأَنَّهُ قُبْلَةٌ مِنْ شِفَاهِ خَالِقِهِ
مَرَاشِفُ النُّورِ تُهْدِي الْعِطْرَ وَالشَّهَدا
تَرَنَّمَ الصُّبْحُ في مِزْمَارِ شَاطِئِهِ
فَسَالَ طِيبُ الْنَّدَى مِنْ خَدِّهِ بَردَا
مَا مَسَّهُ الْهَمُّ إِلَّا زَادَهُ شَرَفاً
وَإِذَا هَامَتْ رَبَاهُ الْعِدَى صَمَدا
كَغَابَةِ اللَّيْثِ إِذا الجبَّارُ يَقحَمُها
هَابَ الزَّمَاجِرَ وَالْأَنِيَابَ وَاللُّبَدا
إِيْهِ لُبْنَانُ كَمْ أَبْدَعْتَ مِنْ بَلَدٍ
يُسْقَى مِنَ الْحَقَدِ أَرْواهُ وَمَا حَقَدا
يَحْنُو عَلَى الْجُرْحِ يَشْفِيهِ وَيُحَضِنُهُ
جِبَالُهُ الشُّمُّ تُعْطِي الصَّبْرَ وَالْجَلَدا
الظَّامِئُ الحَرَّانُ في لُبْنَانَ مَسقاهُ
عُيُونُهُ الغِيدُ تَروي كُلَّ مَنْ وَرَدَا
قَدْ صَاغَ رَبُّكَ فِي لُبْنَانَ رَوْعَتَهُ
فتَباهى الحُسْنُ حتى أوْرَثَ الحَسَدا
****
أَوْدَعْتُ فِيهِ شَبَابَ العُمْرِ أَجْمَلَهُ
فَمَا خَانَ الَّذِي أَوْدَعْتُهُ ولا جَحَدَا
إِنْ غَابَ عَنِّي تَلَظَّى الشَّوْقُ فِي كَبَدِي
وَإِنْ غِبْتُ عَنْهُ هَجَرْتُ الصَّبْرَ وَالجَلَدَا
يَلومُني البعضُ في حُبّي ويَعذِرُني
مَن هامَ في لبنانَ عشقاً صار مُعتَقَدَا
ويَعْذلُني البَعضُ إنْ ذابَ الفُؤادُ بِهِ
ويَعذِرُ القَلبَ مَنْ هَامَ ومَنْ وجَدا
مَنْ لَهُ في لبنانَ عَهْدٌ يُلازِمُهُ
لاَ يُبْدِلُ العَهْدَ مَنْ أَوْفَى وَمَنْ وَعَدَا