الأربعاء 02 أيلول 2026 الموافق 20 ربيع الأول 1448
آخر الأخبار
ياصور

لا تزال أزمة الودائع في لبنان تتصدر المشهد الاقتصادي والمالي منذ عام 2019، حين دخل النظام المصرفي في حالة تجمّد شبه كامل، مُلقياً بظلاله على مليوني أسرة لبنانية تعتمد على مدخراتها للاستهلاك الأساسي. ومع اتّساع الفجوة المالية بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية، باتت معالجة هذه الأزمة ضرورة وجودية لا تتعلق بالاقتصاد فحسب، بل بقدرة الدولة على الاستمرار وإعادة تكوين الثقة.

تشير البيانات الرسمية إلى أنّ إجمالي الودائع المحتجزة يبلغ نحو 80 مليار دولار، موزّعة على أكثر من مليون حساب مصرفي. وتكشف هذه الأرقام حقيقة مفصلية: أنّ 90% من المودعين يمتلكون أقل من 100 ألف دولار، لكن مجموع ودائعهم لا يتجاوز 14 إلى 18 مليار دولار، فيما تستحوذ فئة صغيرة جداً—لا تتعدى 10% من المودعين—على نحو 62 مليار دولار، أي أكثر من ثلاثة أرباع الكتلة المالية.

هذا التفاوت البنيوي يفسّر جانباً من التوتر التشريعي والسياسي حول كيفية توزيع الخسائر: هل تُحمى الودائع الصغيرة بالكامل؟ ماذا عن الودائع المتوسطة؟ وكيف يمكن موازنة حقوق كبار المودعين مع الواقع المالي القاسي؟

الفجوة المالية، التي بلغ حجمها 82 مليار دولار، ليست رقماً جامداً، بل هي محصلة عقود من السياسات الريعية، والديون المتراكمة، والهندسات المالية، والإنفاق غير المنضبط. كما تكشف التحقيقات وجود نحو 30 مليار دولار تُصنّف كأموال غير مشروعة أو غير مبررة، تشمل تحويلات استثنائية قبيل الانهيار وفوائد مرتفعة غير طبيعية.

إنّ أي معالجة جدية لهذه الأزمة يجب أن تستند إلى ثلاثة أعمدة أساسية: حماية صغار المودعين، إعادة هيكلة المصارف، ووضع سياسة مالية نقدية متماسكة. من دون ذلك، ستظل الثقة مفقودة، وسيبقى لبنان خارج الخارطة المالية الإقليمية والدولية.

إنّ إعادة الودائع ليست مجرد مطلب شعبي، بل هي ضرورة لإحياء الدورة الاقتصادية وإعادة تكوين رأس المال الوطني. ويُعدّ أي تأخير إضافي استنزافاً لما تبقى من قدرة المواطنين على الصمود. إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالفجوة، وتوزيع المسؤوليات بشفافية، ووضع مسار واضح يضمن حقوق الناس ومستقبل القطاع المصرفي.


الشريحة عدد المودعين النسبة إجمالي الودائع

0 – 100 ألف دولار 1,000,000 90% 14 – 18 مليار دولار

100 – 500 ألف دولار 60,000 5% 10 – 12 مليار دولار

500 ألف – مليون 12,000 1% 7 – 9 مليار دولار

أكثر من مليون دولار 3,000 0.3% 40 – 45 مليار دولار


السيناريو الإصلاحي المتقدّم: نموذج إنقاذ شامل للودائع اللبنانية

في هذا السيناريو، لا يبدأ الإصلاح من المصارف، ولا من المودعين، ولا من صندوق النقد الدولي، بل يبدأ من اعتراف الدولة بأن الأزمة ليست حسابية بل هيكلية، وأن إعادة تكوين الثقة تتطلب صدمة إيجابية بحجم الأزمة نفسها. لذلك يقوم الحل على إعادة هندسة القطاع المالي بأكمله، وليس على ترقيع الخسائر أو توزيعها على من تبقّى من المواطنين. يبدأ الإصلاح بخطوة قد تبدو جذرية: تحويل الأزمة من عبء موزّع إلى فرصة لإعادة بناء الاقتصاد من جديد، ضمن إطار منظّم، محسوب، ومتكامل.

ينطلق الحل من إصدار قانون شامل يسمّى “قانون إعادة الهيكلة والتصفية المنظمة”، وهو قانون يحدد المسؤوليات ويمنع الفوضى في توزيع الخسائر. يقوم القانون بفرز المصارف إلى مصارف قابلة للحياة بعد إعادة رسملة إلزامية يمولها المساهمون بنسبة لا تقل عن ثلاثين بالمئة من حجم الفجوة، ومصارف غير قابلة للاستمرار تُدمج أو تُصفّى تدريجياً من دون أن يخسر أي مودع أمواله. هكذا يتحول القطاع من حالة الانهيار إلى حالة إعادة بناء متدرجة وعملية، اعتماداً على تجربة دول نجحت في الخروج من انهيارات مصرفية كارثية.

بعد هذا الفرز، يتم إنشاء “صندوق الاسترداد الوطني”، وهو ليس صندوقاً لتجميع الخسائر بل منصة لاسترداد الأصول المرهونة، الأملاك العامة غير المستثمرة، والعقارات المتعثرة، عبر شركات عالمية متخصصة في إدارة الأصول الرديئة. يهدف الصندوق إلى توليد سيولة تُضخ تدريجياً في عملية إعادة الودائع، مع منح الدولة حصصاً مالية صغيرة وغير مسيطرة في المصارف المعاد بناؤها، تُباع لاحقاً للمستثمرين والمغتربين وتؤمّن تدفقاً نقدياً فورياً.

وبعد تثبيت الهيكلية، يُعاد تصميم الودائع. الودائع الصغيرة تُعاد فوراً بالدولار الحقيقي. الودائع المتوسطة تُعاد على مرحلتين: جزء نقدي فوري وجزء خلال ثلاث سنوات عبر أدوات مالية قصيرة الأجل. أما الودائع الكبيرة، فلا تتعرض لقصّ الشعر بل تُعاد عبر مزيج مدروس: جزء نقدي، جزء سندات طويلة الأجل مضمونة بالعائد، وجزء من أرباح صندوق الاسترداد الوطني. بهذه الطريقة يحصل جميع المودعين ـ دون استثناء ـ على كامل أموالهم خلال أفق زمني واضح.

يكتمل السيناريو بصدمة ثالثة إيجابية: الانتقال من اقتصاد قائم على الهندسات المالية إلى اقتصاد قائم على الإنتاج. يتم ذلك عبر إعادة هيكلة النظام الضريبي، فتح قطاعات الاتصالات والطاقة والمرافئ للاستثمارات المنظمة، واعتماد سياسة نقدية ثابتة تحقّق استقرار الليرة دون تثبيتها قسرياً. عندها تتدفق أموال المغتربين مجدداً، وتستعيد المصارف دورها الطبيعي، ويعود لبنان إلى الخارطة المالية الدولية.

النتيجة النهائية لهذا السيناريو هي إعادة الودائع كلّها ـ صغيرة وكبيرة ـ ضمن إطار زمني واضح، واستعادة المصارف، واستعادة الثقة، وإطلاق مسار تعافٍ اقتصادي حقيقي. إنه ليس سيناريو مثالياً، بل هو السيناريو الوحيد القادر على إحداث صدمة إيجابية تعادل حجم الكارثة، ويستحق أن يُطرح أمام وزير المالية بكل ثقة.

الجدول الزمني المقترح (Timeline) لخطة الإنقاذ المتكاملة 
المرحلة الأولى: 0 – 90 يوماً

خلال هذه المرحلة يجري إصدار القانون الشامل لإعادة الهيكلة، إنشاء الهيئة المستقلة للرقابة المصرفية، بدء فرز المصارف بين قابلة للحياة وغير قابلة، وإلزام مجالس الإدارة بضخ الرساميل الجديدة تحت طائلة سحب الرخصة المصرفية. كما تبدأ عملية تقييم الأصول المرهونة وتحديد الأصول التي ستُنقَل إلى صندوق الاسترداد الوطني.

المرحلة الثانية: 3 – 12 شهراً

تبدأ إعادة رسملة المصارف القابلة للبقاء وتطبيق برنامج الدمج والتصفية على المصارف المتعثرة. يطلق صندوق الاسترداد الوطني أعماله بالشراكة مع شركات دولية متخصصة، ويتم وضع الودائع الصغيرة قيد الدفع الفوري بالدولار الحقيقي. في هذه المرحلة يعاد فتح جزء من الودائع المتوسطة عبر أدوات مالية قصيرة الأجل، وتبدأ مرحلة إعادة الثقة التدريجية.

المرحلة الثالثة: 12 – 36 شهراً

يجري تحويل جزء من الودائع الكبيرة إلى سندات طويلة الأجل بعائد ثابت، مع بدء تدفق الأرباح من صندوق الاسترداد الوطني للمودعين. تقوم المصارف الجديدة أو المعاد هيكلتها بإعادة تشغيل أعمالها في نموذج منخفض المخاطر قائم على الإقراض الإنتاجي بدلاً من الهندسات. تبدأ الليرة بالاستقرار ضمن إطار نقدي واضح.

المرحلة الرابعة: 3 – 7 سنوات

تستكمل عملية سداد الودائع المتوسطة والكبيرة تدريجياً من خلال عائدات الصندوق، أرباح المصارف الجديدة، وبيع حصص الدولة في المؤسسات المالية المعاد بناؤها. في نهاية الفترة، يكون كل مودع — صغيراً كان أو كبيراً — قد استعاد كامل أمواله أو قيمتها الحقيقية.

المرحلة الخامسة: 7 – 10 سنوات

يصل الصندوق إلى مرحلة إغلاق تدريجي بعد سداد آخر الودائع الكبيرة وتسوية آخر الأصول الرديئة. تتحول المصارف اللبنانية إلى مصارف طبيعية تعمل وفق معايير عالمية وتمتلك ملاءة كاملة، ويصبح النظام المالي اللبناني مستقراً للمرة الأولى منذ عقود، فيما يستعيد الاقتصاد اللبناني مسار النمو المستدام.

تم نسخ الرابط