في ظل تراكمات وحروب متنقلة يشهدها العالم ووطننا العربي، ومتغيرات دولية خاصة الحرب التدميرية الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، تأتي الذكرى الحادية والستون لانطلاقة حركة فتح هذا العام في لحظة سياسية وتنظيمية بالغة الحساسية، ليس فقط على صعيد القضية الفلسطينية فقط، بل في صميم البيت الفتحاوي ذاته، فوسط العدوان المتواصل على شعبنا في قطاع غزة والضفة الغربية ومحاولات كسر الإرادة الوطنية وتفكيك المشروع الفلسطيني، تبدو حركة فتح أمام اختبار تاريخي جديد، إما استنهاض ذاتها وتوحيد صفوفها أو ترك الفراغ ليتسع على حساب دورها الطليعي بقيادة الشعب الفلسطيني.
المؤشرات السياسية والتنظيمية الأخيرة توحي بأن هناك إدراكا حقيقيا داخل قيادة الحركة لخطورة المرحلة وحاجة ملحة لإعادة ترتيب الوضع الداخلي الفتحاوي، فمع احتفالات الانطلاقة برزت معطيات تتحدث عن توجه جاد نحو تعزيز الوحدة التنظيمية في مقدمتها ما يتداول حول جدول أعمال اجتماع المجلس الثوري المزمع عقده في الثامن من كانون الثاني/يناير 2026، برئاسة رئيس الحركة ورئيس دولة فلسطين محمود عباس (أبو مازن)، والذي من المتوقع أن يناقش قضايا تنظيمية مفصلية أبرزها بحث عودة عدد من أعضاء المجلس الثوري المفصولين، وهم فخري البرغوثي وفدوى البرغوثي وجمال حويل، إن إعادة هؤلاء الإخوة إلى عضوية المجلس الثوري لا يمكن النظر إليها كخطوة إجرائية أو تنظيمية فقط بل تحمل دلالات سياسية عميقة، عنوانها الأساسي تعزيز وحدة الحركة ولمّ شمل كوادرها في مواجهة التحديات الكبرى التي تعصف بالقضية الفلسطينية، وترسل رسالة للداخل والخارج مفادها أن فتح رغم كل ما مرّت به من أزمات وخلافات ما زالت قادرة على تصحيح مسارها واستعادة روحها الوحدوية.
ويتقاطع هذا التوجه مع ملف لا يقل أهمية وهو التحضير لعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح الذي يعول عليه كثيرون ليكون محطة مفصلية ومراجعة شاملة للتجربة وتقييم الأداء وتجديد البنية التنظيمية، وبلورة برنامج سياسي وتنظيمي يتناسب مع طبيعة المرحلة المقبلة، فنجاح هذا المؤتمر لن يكون نتاج قرارات القيادة وحدها، بل مرهون بمدى استعداد القواعد والكادر والأطر التنظيمية للانخراط في حالة استنهاض حقيقية قائمة على الشراكة والنقد البنّاء وتغليب المصلحة الوطنية على الاعتبارات الفئوية والشخصية.
من هنا تقع مسؤولية كبرى على عاتق قيادة حركة فتح وكذلك على كوادرها وأبنائها في الوطن والشتات للعمل يدا بيد من أجل إعادة الاعتبار للدور التاريخي للحركة باعتبارها العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية وقائدة المشروع الوطني، فالمطلوب اليوم ليس فقط وحدة تنظيمية شكلية بل وحدة رؤية وإرادة قادرة على إنتاج قرارات تاريخية تعيد فتح إلى موقعها الأصيل في قيادة مسيرة شعبنا نحو توحيد الوطن وإنقاذ قطاع غزة وإعادة إعماره وصولًا إلى إقامة دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وضمان حق العودة للاجئين.
ومن هذا المنطلق لا يمكن فصل هذا الحراك الداخلي عن السياق العام للقضية الفلسطينية التي تمر بإحدى أصعب مراحلها منذ النكبة، فالعدوان الإسرائيلي المتواصل ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض تترافق مع مشهد دولي متغير، شهد خلال السنوات الأخيرة اعتراف عدد متزايد من دول العالم بدولة فلسطين إضافة إلى اتساع رقعة التضامن الشعبي العالمي مع حقوق شعبنا في الحرية والاستقلال، ورغم محدودية الأثر السياسي المباشر لهذه المواقف حتى الآن إلا أنها تشكل رصيدا سياسيا وأخلاقيا يمكن البناء عليه واستثماره.
ختاما، يمكن القول إن حركة فتح تقف اليوم على مفترق طرق حاسم، فإما أن تترجم مؤشرات الاستنهاض والوحدة إلى خطوات عملية وشاملة تعيد الثقة بينها وبين جماهيرها وعليها أن لا تتردد وتضيع هذه الفرصة في زحمة الأحداث فالتاريخ لا يرحم المترددين خاصة في لحظات التحول الكبرى لذا، فإن المطلوب من فتح أن تنهض بنفسها أولًا لتكون قادرة على قيادة شعبها نحو مستقبل أفضل يليق بتضحيات الشهداء وصمود الأسرى وآمال الأجيال القادمة.
3\1\2026