السبت 18 تموز 2026 الموافق 04 صفر 1448
عاجل
آخر الأخبار
ياصور

في الجنوب، بعيداً عن بيانات الدبلوماسية التافهة وخطاباتها المعلّبة، يعيش الناس زمناً مختلفاً بالكامل. هناك، لا يُقاس النهار بالساعات، بل بعدد طائرات العدو الصهيوني التي مرّت، وعدد الوداعات المؤجلة التي يحملها الناس في قلوبهم كل آن، وعدد المرات التي نجا فيها البيت من الدمار. هناك من يخرج من منزله وهو يدرك تماماً أن الطريق التي يسلكها قد تكون الأخيرة، وأن عودته ليست أمراً مضموناً، بل احتمالاً معلّقاً بين الصبر والإيمان والقدر.

في الجنوب، الحياة نفسها أصبحت شكلاً من أشكال المقاومة. الأم التي تخبئ خوفها كي لا يرتجف أطفالها، الأب الذي يعود إلى أرضه رغم القصف لأنه يعرف أن تركها يعني انتصار الخراب، والشيخ الذي ينام على صوت الطائرات ويستيقظ على أخبار الشهداء ثم يكمل يومه كأن عليه واجب أكبر من الخوف نفسه. هناك إنسان جنوبي يشبه تراب أرضه؛ صلباً حين يجب أن يكون الصمود، وحنوناً كأشجار الزيتون التي تعلّمت عبر القرون كيف تبقى واقفة رغم الحرائق والعواصف. هو ابن الحقول والتلال الحجرية، يحمل في ذاكرته رائحة التبغ والزيت والزيتون، ويعرف أن الأرض ليست مجرد ملكية، بل هوية وكرامة وتاريخ ودماء أجداد.

وعلى الأرض، هناك رجال لا تظهر وجوههم على الشاشات، لكنهم يحملون الوطن على أكتافهم في أصعب لحظاته. أبطال همّهم الأول كيف يؤمّنون دواءً لعجوز، أو مأوى لعائلة نزحت، أو رغيف خبز لقرية محاصرة، أو طريقاً آمناً لطفل مذعور. يتحركون بين النار والركام بصمت، لا بحثاً عن صورة ولا عن خطاب، بل لأنهم يعتبرون أن الناس أمانة، وأن التخلي عنهم خيانة لا تُغتفر. وبين هؤلاء، برز مقاومون أشاوس هم أبناء هذه الأرض بأدق تفاصيلها؛ يعرفون حجارة التلال كما يعرفون أسماء أمهاتهم، ويحملون في قلوبهم يقين الذين لا يقاتلون طلباً للمجد، بل دفاعاً عن بيتٍ وكرامةٍ ووطن. ساروا نحو الخطر بثباتٍ نادر، تاركين خلفهم حياةً عادية كان يمكن أن يعيشوها، لكنهم اختاروا أن يكونوا السدّ الأخير بين الجنوب والمحو، فصاروا في ذاكرة الناس صورةً للشجاعة التي لا تنحني مهما اشتدّ الحصار والنار. ومن بين الركام والدخان، ارتفعت أسماء الشهداء كأنها جزء من ذاكرة الأرض نفسها؛ رجالٌ وشبّان رحلوا بأجسادهم لكنهم بقوا في وجدان الناس حضوراً لا يغيب. وفي خلفية كل ذلك، يبقى المواطن الجنوبي نفسه الحكاية الأكبر؛ ذلك الإنسان الذي تعلّم أن يحرس أرضه كما يحرس كرامته، وأن يتمسك بشجرة زيتون واحدة كأنها وطن كامل، وأن يحوّل التعب والخوف والحصار إلى قدرة مذهلة على البقاء والحياة.

وفي تلك القرى المعلّقة بين التلال والحدود، مرّت وجوه صنعت تاريخ هذه الأرض. مرّ عليها رجال حملوا العلم في زمن الجهل، فحوّلوا البيوت إلى منابر للفكر والكرامة، ومرّ عليها من عرف كيف يجعل الكلمة موقفاً، والقصيدة دفاعاً عن الناس، والإيمان انحيازاً للفقراء والمظلومين. وعبرت من هناك شخصيات واجهت المحتل بعناد الفلاح الذي يعرف أن اقتلاع الزيتون أصعب من اقتلاع الجبال، وأخرى حملت همّ الناس والدولة معاً، فبقي الجنوب بالنسبة إليها ليس هامشاً منسياً، بل قلباً نابضاً للهوية والكرامة الوطنية.

لم تعد المشكلة في لبنان محصورة بفشل الحكومة أو ضعفها أو عجزها. هذه توصيفات أصبحت متواضعة أمام مشهد سياسي أكثر خطورة: حكومة تحوّلت، عن قصد أو عن جهل أو عن ارتهان، إلى مظلة سياسية لاستباحة المواطن، تحاول إقناع الناس بأن ما يجري هو جزء من “حكمة الدولة” و”الواقعية”. أي واقعية هذه التي يصبح فيها المطلوب من اللبناني أن يعتاد على مشهد القتل اليومي، والنزوح الجماعي، وتدمير القرى والمدن، وكأنها تفاصيل عابرة في نشرات الأخبار؟

لقد نجحت هذه الحكومة، للأسف، في نقل لبنان من دولة تدافع عن شعبها إلى دولة تتكيّف مع قتله.

فبدل التحرك لفرض معادلة حماية وطنية، أو لتوظيف ما تبقى من عناصر قوة سياسية مع قوة الميدان في وجه العدوان، بدا أن الأولوية الوحيدة لهذه الحكومة هي إثبات حسن النية للخارج، ولو كان الثمن دم اللبنانيين وكرامتهم وسيادة بلدهم.

منذ اللحظة الأولى، تصرفت بعقلية المُستزلم. خطاب مرتبك، مواقف باهتة، لغة خالية من أي حس سيادي، وكأن البلاد لا تتعرض لواحدة من أخطر عمليات الاستباحة في تاريخها الحديث.

أما مقر الخارجية، فتحول إلى نموذج مذهل في العجز السياسي وفقدان الإحساس الوطني. ففي الوقت الذي كانت فيه صور الأطفال تحت الأنقاض تجتاح العالم، كان رأس الدبلوماسية اللبنانية يقدّم أداءً أقرب إلى موظف علاقات عامة يحاول طمأنة المجتمع الدولي المتخاذل، لا إلى مسؤول يمثل شعباً يُقتل ويُهجّر يومياً.

لم يُسمع خطاب يرتقي إلى حجم الكارثة. لا مواجهة سياسية حقيقية في المحافل الدولية، ولا ضغط دبلوماسي فعلي، ولا حتى لغة سيادية توازي حجم الدم المسفوك. والأسوأ، أن الصمت الرسمي تمدّد إلى درجة بات فيها احد السفراء الوضعين يتعاملون مع اللبنانيين بعقلية الوصيّ لا الشريك، إلى حد مطالبة من لا تعجبه التعليمات الجديدة "بمغادرة البلاد". إهانة لم يكن ليسمح بها أي بلد يحترم نفسه، لكنها مرّت وسط صمت دبلوماسي مقيت، وكأن كرامة الناس لم تعد جزءاً من وظيفة الدولة أساساً.

وفي الوقت الذي كانت فيه مدن الجنوب والبقاع وضاحية بيروت تُقصف وتُفرغ من أهلها، انشغلت الحكومة بتسويق خطاب أقرب إلى الاستسلام الناعم، يقوم على فكرة أن المطلوب من اللبناني فقط أن يهدأ، يصبر، ويقتنع بأن فقدان الغالي والنفيس جزء من “المرحلة”.

والأخطر أن هذه الجوقة الفاسدة لم تكتفِ بالصمت، بل ساهمت عملياً في تثبيت معادلة خطيرة جداً: أن قتل اللبناني بات أمراً يمكن احتواؤه سياسياً بلا أي تبعات. لأن أخطر ما قد يحدث، اعتياد السلطة التنفيذية على زمن اصبح العدوان به أمر طبيعي.

ثم تأتي بعد كل ذلك أصوات داخل هذه المنظومة لتطرح فكرة “المفاوضات المباشرة”، وكأن لبنان يدخل الطاولة من موقع قوة، لا من موقع سلطة أمضت أشهراً وهي تتنازل مجاناً عن كل أوراقها السياسية والسيادية، من دون أن تحصل حتى على وقف فعلي للقتل والدمار والتهجير.

فأي تفاوض هذا الذي يُطرح فيما الجنوب مستباح، والسماء مستباحة، والقرار الوطني مرتبك، والمواطن اللبناني متروك وحيداً بين الموت والنزوح؟

وأي دولة هذه التي يصبح همّها الأول إقناع الخارج بأنها “متعاونة”، فيما شعبها يُذبح؟
لبنان اليوم لا يواجه فقط حرباً عسكرية، بل يواجه محاولة إعادة تشكيل وعيه السياسي والنفسي؛ تحويل شعب كامل من شعب يرفض الإذلال إلى شعب يُطلب منه التعايش مع القتل والخوف والتنازل كأمر واقع. لكن المشكلة التي لا يفهمها كثيرون في الدولة، أن الأوطان قد تتعب، قد تنزف، قد تُحاصر، لكنها لا تموت طالما فيها من يرفض تحويل الهزيمة إلى ثقافة، والانبطاح إلى سياسة، والخوف إلى عقيدة حكم.

فالتاريخ لا يخلّد الذين أتقنوا تقديم التنازلات، بل الذين عرفوا كيف يحفظون أوطانهم في اللحظات التي ظنّ الجميع أنها سقطت.

محمد أحمد عجمي

تم نسخ الرابط