لم يأتِ تاجراً يبحث عن الربح، بل سفيراً للتكنولوجيا ورسولاً للمعرفة والتقدّم
ي أوائل التسعينيات، حين كانت منطقتنا تتلمّس أولى خطواتها نحو عالم التكنولوجيا، وحين كانت أجهزة الكومبيوتر والإنترنت بالنسبة للكثيرين أشبه بأشياء قادمة من المستقبل، جاء إلى صور شاب من البازورية يحمل رسالة مختلفة. لم يأتِ تاجراً يبحث عن الربح، بل سفيراً للتكنولوجيا ورسولاً للمعرفة والتقدّم.
إنه الصديق المهندس محمد سرور.
من خلال "سرور كومبيوتر"، لم يؤسس محلاً لبيع الأجهزة فحسب، بل أسّس جسراً عبرت عليه أجيال كاملة نحو العصر الرقمي. آلاف الطلاب والموظفين والمؤسسات مرّوا من هنا، وتعلّموا هنا، واستفادوا من خبرته ونصحه وأمانته.
كان الأستاذ محمد يرى في عمله رسالة أكثر مما يراه تجارة. يقدّم النصيحة الصادقة قبل البيع، ويسهّل أمور الناس قبل أن يفكّر بالمقابل. وكم من مرة قدّم خدمات تستحق الأجر وهو يبتسم ابتسامته المعهودة قائلاً: "سلامة قلبك... مش حرزانة".
أما نحن في "يا صور"، فقصتنا معه طويلة بقدر عمر الموقع والإذاعة تقريباً. كان حاضراً منذ البدايات، يواكبنا ويؤازرنا ويؤمّن لنا أفضل ما يحتاجه العمل، ثم يقول ببساطة: "عَ مهلك لتدفع". وكانت هذه الـ"عَ مهلك" تمتد أحياناً أشهراً طويلة، بل أكثر من سنة أحياناً، من دون أن يسأل أو يطالب. وإذا ذكّرناه بما له في ذمتنا، يبتسم ويقول: "معكم ما بسأل... الجيبة وحدة".
منذ أيام قليلة، مررت أمام المؤسسة فرأيتها مفتوحة، فانشرح قلبي. دخلت لألقي السلام على صاحبها، فقيل لي إن الأستاذ محمد خارج البلاد، لكن الموظف استقبلني قائلاً: "إذا بدكم أي شي أنا بالخدمة". يومها شعرت أن المكان ما زال يحتفظ بروح صاحبه.
واليوم...
دمر العدو هذا الصرح التكنولوجي الذي كان شاهداً على دخول ثقافة الكومبيوتر والإنترنت إلى مدينة صور. دمر حجارةً وجدراناً وأجهزة، لكنه لم يستطع أن يمسّ ما بناه محمد سرور في قلوب الناس على مدى عقود.
وفي لحظة الغارة، وردني اتصال من الأستاذ محمد من خارج البلاد يسأل عن مكان القصف. لم أعرف ماذا أقول له. قلت له باختصار:
يا أستاذ محمد، اسمك وسمعتك وأخلاقك وعلمك أهم من كل مكان ومن كل حجر. المؤسسة تُبنى من جديد، أما المحبة التي زرعتها في قلوب الناس فلا تحتاج إلى إعادة إعمار.
أينما كنت، اعلم أن صور كلها معك، وأن أهلها يعرفون جيداً حجم ما قدمته لهم.
أما رصيدك الحقيقي، فلم يكن يوماً في الجدران أو الأجهزة...
بل في القلوب ، وهذا الرصيد، بحمد الله، عامرٌ حتى آخره.