حكاية "المساكن الشعبية"... تاريخ من المرؤة والمحبة والاصالة
هنا، شرقيّ مدينة صور، بدأت الحكاية عام 1973 حين بنت الدولة اللبنانية بيوتاً متواضعة لتكون ملاذاً للطبقات الشعبية الفقيرة. ومع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، بدأت العائلات تتوافد إليها، فكبرت المساكن حجراً بعد حجر، وعائلة بعد عائلة، حتى تحوّلت من مشروع سكني إلى مجتمعٍ كاملٍ نابض بالحياة.
جاء إليها أبناء صور الأصليون الذين ضاقت بهم أزقة المدينة القديمة، فرأوا في هذه المباني بدايةً جديدة وحلماً متواضعاً يستحق المحاولة. وجاء إليها أيضاً أبناء القرى الجنوبية الواقعة على الشريط الحدودي، يحملون وجع التهجير وحنين الأرض، كما جاءت عائلات فلسطينية جمعتها بالمكان قسوة اللجوء ودفء الإنسان.
هنا سكنت الشهامة في القلوب قبل البيوت، وعاشت الطيبة جنباً إلى جنب مع الكرامة، ومن هذا المزيج الجميل وُلدت المساكن كما نعرفها اليوم؛ حيٌّ لا تُقاس قيمته بالإسمنت والحديد، بل بما يسكنه من أصالةٍ ونخوة. هنا اجتمعت طيبة فقراء حارة صور، وعنفوان أبناء القرى الجنوبية، وصبر اللاجئين الفلسطينيين، فصنعوا مجتمعاً عنوانه الشهامة وحدوده البطولة، تستوطنه المحبة والتكافل كما تستوطن الروح الجسد.
ومع مرور السنوات، لم تعد المساكن مجرد ابنية للسكن، بل أصبحت هويةً كاملة. أحبها أهلها على فقرها وتعبها وضيق أحوالها، وأحبتهم هي أيضاً. كثيرون منهم لم يغادروها في أصعب الحروب، بقوا فيها يحرسون بيوتهم وأزقتها وذكرياتهم، لأن علاقتهم بها لم تكن علاقة ساكنٍ بمنزل، بل علاقة إنسانٍ بجزءٍ من وجوده.
واليوم، جاءت الغارات لتستهدف بيوت الفقراء الآمنة والبسيطة والمتواضعة. لم تسقط جدران فقط، بل تهدّمت أحلامٌ وذكرياتٌ وأعمارٌ كاملة. تناثرت الحجارة فوق أهلها، وارتقى نحو تسعة شـ.hداء، فيما امتلأت الأزقة بالجراح والدموع.
وحدها المساكن تعرف اليوم كم من الوجع يسكن بين أنقاضها، وكم من الذكريات دفنت تحت الركام. لكن كما نهضت هذه المنطقة من رحم الحروب والأزمات مراراً، ستبقى أيضاً شاهدة على أن البيوت قد تُهدم، أما أهلها فلا تُهزم قلوبهم ولا ينكسر عنفوانهم، وأن الفقر الذي بنى هذه الحارة بالعرق والمحبة، أقوى من كل نارٍ تحاول اقتلاعها من الوجود.
"هيثم شعبان"