السبت 20 حزيران 2026 الموافق 05 محرم 1448
عاجل
آخر الأخبار

الغارة التي استهدفت محيط بناية بحسون قرب دوّار جنبلاط لم تُلحق الأذى بالمباني الحديثة فحسب، بل امتدّت آثارها إلى واحد من أهم الشواهد التاريخية المدفونة في ذاكرة المدينة: بقايا برج الجزائريين الأثري

ياصور

في زحمة الأخبار وصخب الغارات الأخيرة على مدينة صور، مرّ خبرٌ مؤلم بصمتٍ شبه كامل. فالغارة التي استهدفت محيط بناية بحسون قرب دوّار جنبلاط لم تُلحق الأذى بالمباني الحديثة فحسب، بل امتدّت آثارها إلى واحد من أهم الشواهد التاريخية المدفونة في ذاكرة المدينة: بقايا برج الجزائريين الأثري.

هذا البرج ليس مجرد حجارة قديمة متناثرة في زاوية من المدينة، بل هو شاهدٌ على قرون طويلة من تاريخ صور المتراكم فوق بعضه البعض. فالبرج الذي يعود في بنيته الظاهرة إلى الحقبة الصليبية، وتحديداً إلى ما يقارب القرن الثاني عشر الميلادي، شُيّد فوق طبقات أثرية أقدم بكثير، يُرجّح أن بعضها يمتد إلى العصور الفينيقية التي صنعت مجد صور البحري والتجاري.

ويقع برج الجزائريين في منطقة كانت تشكل الطرف الجنوبي الغربي للمدينة التاريخية، حيث كانت حدود صور البحرية تمتد من تلك النقطة باتجاه الحارات القديمة والقطاعات الأثرية المعروفة اليوم. وقد شكّل البرج واحداً من سلسلة أبراج دفاعية أحاطت بالمدينة من جهاتها المختلفة، وتولّت مهمة حمايتها ومراقبة السواحل والمرافئ.

قبل سنوات، كشفت أعمال الحفر في قطعة أرض قرب دوّار جنبلاط، كانت معدّة للبناء، عن بقايا هذا البرج المربّع المشيّد بالحجارة الرملية، والمتصل بقناة مياه وقبو أثري. ولم تقتصر أهمية الاكتشاف على المنشآت الظاهرة فحسب، بل في الطبقات الأثرية الكامنة تحتها، والتي تختزن صفحاتٍ من تاريخ صور الممتد عبر آلاف السنين.

وقد أشار الباحث الفرنسي إرنست رينان إلى هذا البرج خلال أعماله الأثرية في المنطقة، معتبراً إياه واحداً من مجموعة أبراج كانت تحيط بمدينة صور من جهاتها المختلفة لحمايتها ومراقبة مداخلها. أما موقعه الاستراتيجي فكان يمنحه قدرة مباشرة على الإشراف على الشاطئ الجنوبي الغربي للمدينة، ولا سيما منطقة المرفأ الجنوبي المعروف تاريخياً باسم "المرفأ المصري"، ما جعله نقطة مراقبة ودفاع بالغة الأهمية.

إن الضرر الذي أصاب برج الجزائريين ليس مجرد خسارة لحجارة قديمة، بل هو إصابة مباشرة لذاكرة صور نفسها. فالمعالم الأثرية ليست بقايا جامدة من الماضي، بل صفحات حيّة من هوية المدينة وتاريخها وحضارتها. وحين تتضرر هذه الشواهد، فإن جزءاً من الرواية التي ترويها صور للعالم يتعرّض للخطر.

لهذا، فإن حماية ما تبقّى من آثار المدينة وتوثيق الأضرار التي لحقت بها لم تعد مسألة ثقافية فحسب، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية، لأن الأمم التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءاً من مستقبلها أيضاً.

هيثم شعبان

تم نسخ الرابط