هناك، بين جدرانِ غرفةٍ أخيرَةٍ تُصارعُ البقاء، كآخرِ شاهدٍ على بيته الذي - تدمر تحتَ حممِ القصفِ المتواصل- كان العجوزُ السبعينيّ الذي أبى مغادرته ، مسجىً بلا حراك.
- لم تكن الغرفة مجرد ملاذ، بل كانت وطنه الصغير في ضيعته التي أبى أن يخلعها من قلبه أو يغادرها، تلك الضيعة التي عادت إليها بعض أطيافِ أهلها المكلومين.
- وقبيلَ خيطِ الفجرِ بالأمس، مزّق السكونَ دويُّ انفجارينِ متتالين؛ لم يكن وقعهما مجرد صدمةٍ عابرة، بل كان زلزالاً بقوة 9 درجات،على مقياس وجعه.
- استفاقَ فزعاً، وارتفع صوته بـ "الله أكبر" كملاذٍ أخير وسطَ ركامِ الرعب، أسرع ابنه الوحيد يلملم شتاتَ روعه، ويمسح الخوف عن جبينه.
- التفت إليه بقلبٍ أنهكه الانتظار، وطلب منه أن يُسنِده لكي يجلس قليلاً، وأن يُشعل له رفيقةَ عمرهِ وشقاءِ سنينِه: سيجارةً بلدية من تبغِ بلاده.
- ومع أولِ قُبلةٍ من دخانها الحنون، ترنّح الجسدُ المنهك، وثقلت الأجفان... أغمض عينيه واستسلم لغفوته الأخيرة والأبدية، غادر كل هذا الخراب، وفي أذنِ ابنه ما زالت تتردد كلماته الأخيرة التي اختنقت بها أنفاسه:
"الله يهدّك يا..."!!!