الجمعة 07 آب 2026 الموافق 24 صفر 1448
عاجل
آخر الأخبار
ياصور

-​لم تكن السياسة في لبنان يوماً مجرد ممارسة عقلانية لعقد اجتماعي أو إدارة لشؤون الدولة، بل تحولت عبر العقود إلى طقس وثني مكتمل الأركان، يُمارس فيه "الاستعباد الطوعي" بأبهى صوره. يتفنن الشارع اللبناني، بمختلف طوائفه ومشاربه، في هندسة "تأليه" الرموز وتسخير الموروث الديني لتجريد الزعيم من بشريته ورفعه إلى مصاف الألوهية، والأنبياء، والأولياء، والقديسين، في ظاهرة تعكس أعمق أشكال الهوان السياسي والتشوه الاجتماعي.
- ​ولكي لا يُقرأ هذا الطرح في سياق المبالغة أو التجني، يكفي تفكيك "البلاغة الوثنية" للشارع اللبناني عبر شواهد تاريخية توثق كيف أُسقطت الصفات الإلهية والمقدسة على بشرٍ من زجاج:
- ​منافسة الخالق على عرشه: وصلت البلاغة والمبالغه الخطابية في لحظات الاحتقان إلى العتاب الإلهي والمفاضلة بالقول: "حلّك يا الله حلّك... يقعد "أحمد" محلّك"!
- ​الاستسلام المطلق والارتهان الوجودي: اختزال الوطن والأمة في جسد الفرد عبر صرخات الرعب الجمعي: "يا ويلنا من بعدك".
- ​التحكم بالكون والبديل الكوني: إضفاء صفات الخالق في إدارة الفلك والنجوم: "لو غاب نجم من السما... بنحط "كامل" مطرحو".
- ​الوقوع في المحظور والإيحاء بالنبوة: اللعب على التخوم الفاصلة بين البشرية والنبوة للتملق السياسي: "لولا الهاء يا" نبيه" لأصبحت نبي".
- ​منح الولاية المطلقة وتفويض الحكم العالمي: التلاعب باللغة لإسباغ صفة الولاية الإلهية: "لو شلت حرف الدال من اسمك "وليد"... بتصبح ولي ع كل حكام الدني".
- ​إضفاء القداسة الدينية وتجاوز المؤسسات: الخلط التعسفي بين السلطة الزمنية والقداسة الروحية: أنت البطرك يا" سليمان".
- ​التجسيد الإلهي الكامل: الانزلاق إلى أبشع صور الشرك السياسي واللاهوتي حين يصرح مسؤول رسمي ووزير سابق بقوله: "نحن مش شايفين "وليد" عامود السما، نحن شايفينو ابن الله ع الأرض" — وهي السقطة التي وإن تلاها اعتذار فرضته كبر السن والضغوط، إلا أنها كشفت عورة البنية الفكرية التي تُدار بها الموالاة والولاءات.
- ​إن هذه النماذج ليست مجرد شطحات لسان أو شعارات حماسية عابرة، بل هي اعراض لمرض بنيوي خطير: "سيكولوجية القطيع" التي تبحث عن مخلص خارق لتتهرب من مسؤولية المواطنة.
- إن تقديس الزعيم في لبنان هو الآلية التي شرعنت الفساد، وألغت العقل النقدي، وحولت المواطن من شريك في وطن إلى "رعية" تقتتل للدفاع عن أربابها. وطالما بقيت الجماهير ترى في الزعيم "ابناً لله" أو "شريكاً في العرش"، فستظل الدولة مجرد هيكل مهجور في خدمة معبد الزعماء.
سامحونا!

تم نسخ الرابط