راشد شاتيلا: من صراع الهيمنة إلى صناعة المستقبل… أين يقف الشباب في النظام العالمي الجديد؟
في عالم تتنافس فيه القوى الكبرى على التكنولوجيا والثروة والنفوذ، لن يكون مستقبل الدول من نصيب الأقوى عسكريًا فحسب، بل من يمتلك المعرفة والإرادة والقدرة على صناعة الفرص.
يمرّ العالم بمرحلة تتجاوز حدود التنافس التقليدي بين الدول، إذ تتبدّل موازين القوة وتتراجع قدرة المؤسسات الدولية على احتواء الأزمات بالسرعة والفاعلية المطلوبتين. فالولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على موقعها القيادي، بينما توسّع الصين نفوذها الاقتصادي والتكنولوجي، وتعمل قوى أخرى على تعزيز استقلالية قرارها. وفي خضمّ هذا التحوّل، لا يعود السؤال مقتصرًا على مَن يمتلك القوة الأكبر، بل على مَن يستطيع صياغة قواعد المرحلة المقبلة. فالنظام الدولي لا يتغيّر عندما تتبدّل أسماء القوى المهيمنة فقط، بل عندما تتغيّر الأدوات التي تمنح الدول قدرتها على التأثير.
لم تعد المنافسة الدولية تُقاس بعدد الجنود والأسلحة وحده، بل أصبحت أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والطاقة والمعادن الاستراتيجية والبيانات عناصر أساسية في معادلة النفوذ. فالدولة التي تتحكّم بالتكنولوجيا المتقدمة تستطيع التأثير في اقتصادات الآخرين، والدولة التي تعتمد على الخارج في غذائها وطاقتها وصناعاتها تصبح أكثر عرضة للضغوط. ومن هنا، يبرز خطر أن تتحوّل الأزمات الاقتصادية والتجاذبات التجارية إلى مواجهات سياسية أو عسكرية. لكنّ الحرب ليست قدرًا محتومًا، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها علاجًا للعجز الاقتصادي؛ فكلفتها قد تتجاوز أيّ مكاسب متوقّعة، وتطال أجيالًا لم تشارك في اتخاذ قرارها.
في القرن الحادي والعشرين، أصبحت المعرفة موردًا استراتيجيًا لا يقلّ أهمية عن الموارد الطبيعية. فالذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والبحث العلمي، والتكنولوجيا الطبية، والطاقة النظيفة، كلها مجالات تعيد رسم خريطة النفوذ العالمي. ولم يعد على الدول أن تنتظر امتلاك ثروات ضخمة كي تدخل المنافسة، بل أن تستثمر في الإنسان، وتطوّر جامعاتها، وتدعم الابتكار، وتحوّل الأفكار إلى منتجات وخدمات قابلة للتصدير. إنّ الفجوة بين الدول لن تتحدّد فقط بما تمتلكه اليوم، بل بما تستعدّ لتعلّمه وإنتاجه غدًا. وفي هذا السياق، تصبح المدرسة والجامعة ومراكز الأبحاث جزءًا من الأمن الوطني، لأنّ الاستقلال الحقيقي يبدأ حين تستطيع الدولة إنتاج المعرفة بدل الاكتفاء باستهلاكها.
لا ينبغي أن يكون الشباب مجرّد متلقّين لنتائج الصراعات الدولية، ولا جمهورًا يكتفي بالتعليق على انتصارات الآخرين وإخفاقاتهم. إنّ دورهم الحقيقي يبدأ من اكتساب المعرفة العلمية والسياسية، وفهم الاقتصاد والتكنولوجيا، وتطوير القدرة على التفكير والتمييز بين المعلومات الموثوقة والدعاية. كما يتطلّب المستقبل تشجيع المبادرات الريادية، وربط الجامعات بسوق العمل، وتوفير فرص للشباب للمشاركة في صنع السياسات العامة. فالشاب الذي يؤسّس مشروعًا تكنولوجيًا، أو يطوّر حلًا لمشكلة بيئية، أو يساهم في إصلاح مؤسسة، يشارك عمليًا في بناء قدرة بلده على المنافسة. ولا تكفي الحماسة وحدها؛ المطلوب تحويل الطموح إلى مهارات ومؤسسات وفرص حقيقية، بحيث يصبح الشباب قوة إنتاج وتغيير، لا طاقة معطّلة تنتظر الهجرة.
قد يبدو النظام العالمي ساحةً لا يملك فيها القرار سوى الأقوياء، لكنّ التجربة الدولية تُظهر أنّ حجم الدولة لا يحدّد وحده قدرتها على التأثير. فالدول الصغيرة تستطيع بناء مكانة مهمة من خلال التخصص التكنولوجي، والتعليم المتقدّم، والدبلوماسية الفاعلة، والقدرة على بناء الشراكات وتنويع العلاقات. غير أنّ ذلك يتطلّب مؤسسات موثوقة، واستقرارًا سياسيًا، واقتصادًا منتجًا، وقرارًا وطنيًا لا يخضع بالكامل لإرادة الخارج. وهنا تبرز أهمية الشباب في الدول الصغيرة، لأنّهم يستطيعون تحويل محدودية الموارد إلى حافز للابتكار، شرط ألّا يُتركوا أمام خيارين فقط: البطالة أو الهجرة. فالدولة التي تستثمر في طاقات أبنائها تعزّز قدرتها على التفاوض والمنافسة، حتى عندما لا تمتلك عناصر القوة التقليدية.
بالنسبة إلى لبنان والعالم العربي، لا يكفي أن نتابع التنافس بين واشنطن وبكين أو أن ننتظر نتائج التحوّلات الدولية كي نحدّد مستقبلنا. المطلوب استراتيجية تستثمر في التعليم والبحث العلمي والاقتصاد الرقمي والصناعات المتقدّمة، وتربط الجامعات بالمؤسسات الإنتاجية، وتمنح الكفاءات الشابة فرصة العمل والإبداع في أوطانها. ويمتلك العالم العربي طاقات بشرية وموقعًا جغرافيًا وإمكانات اقتصادية يمكن أن تشكّل أساسًا لمكانة أكبر، لكنّ تحويل هذه الإمكانات إلى قوة يتطلّب تعاونًا عمليًا يتجاوز الخلافات، وسياسات تدعم الإنتاج بدل الاكتفاء بالاستهلاك. أمّا لبنان، فيستطيع أن يجعل التعليم والخدمات المعرفية والتكنولوجيا وريادة الأعمال ركائز للتعافي، إذا استعاد الثقة بمؤسساته ووضع الإنسان في صلب أولوياته. فالثروة الأهم ليست ما تحت الأرض فحسب، بل ما يستطيع العقل أن يبتكره فوقها.
إنّ النظام العالمي الجديد لن يتشكّل بقرار منفرد، ولن تكون ملامحه نتيجة المواجهات العسكرية وحدها؛ بل ستسهم في رسمه الجامعات والمختبرات والشركات والمؤسسات والدول التي تحسن استثمار قدراتها البشرية. وبين منطق الهيمنة وإمكانات التعاون، يبقى الخيار أمام الدول في كيفية حماية مصالحها من دون تحويل العالم إلى ساحة صراع دائم. وعلى الشباب ألّا ينظروا إلى السياسة الدولية بوصفها لعبة بعيدة عن حياتهم، فهي تؤثّر في وظائفهم واقتصاداتهم وحقوقهم وفرصهم. وفي المقابل، تقع على الحكومات مسؤولية منحهم الأدوات التي تجعل مشاركتهم ممكنة، لا الاكتفاء بمطالبتهم بتحمّل الأزمات.
إنّ السؤال الأهم ليس مَن سيرث النظام العالمي القديم، بل مَن سيملك القدرة على بناء نظام أكثر عدلًا واستقرارًا. وفي عالم تتغيّر فيه مصادر القوة بسرعة، قد تكون أعظم ميزة تمتلكها الدول هي قدرتها على تعليم شبابها، والثقة بعقولهم، وإشراكهم في القرار. فالمستقبل لا ينتظر الأجيال الجديدة حتى تصل إلى مواقع المسؤولية؛ إنّه يتشكّل اليوم، بقرارات تُتّخذ الآن، وبمعرفة تُكتسب الآن، وبشباب يُمنحون الفرصة ليكونوا شركاء في صناعة التاريخ.
راشد شاتيلا